الاقتصاد المصرى وآفاق صناعة الترفيه

The Egyptian Economy and Prospects of Entertainment Industry

 

| FIRST | PREVIOUS | PART I | NEXT | LATEST |

 

NEW: [Last Minor or Link Updates: Saturday, September 24, 2005].

 November 8, 2001: The legendary Egyptian Television collapses. What should be done?

The Grinch

 November 27, 2000: The Grinch to become Egypt’s No. 1 movie been screened within ten days of its original American release, and might be the biggest movie ever to be pushed to theaters in the fast month of Ramadan.

 October 2000: Al-Arabiia, when merger means chaos.

Short wa Fanella wa Cap

 October 10, 2000: Intel to build a $500 million microchip plant in Egypt. Egyptian students vow to boycott American products. What an interesting country!

 June 2000: Al-Arabiia, a new and relatively big Egyptian film company with only one apparent objective: wasting its money!

Ganzoury

 January 3, 2000: Whatever Happened to Baby Egypt (and lead her to strangle her best Prime Minister and ride a one-way ticket, well, to HUNGER)?

 

ê Please wait until the rest of page downloads ê

 

’ إذا تدهورت إحدى الصناعات ، فى هذه الحالة فقط تنتفى قاعدة عدم تدخل الحكومة فى الاقتصاد ، إذ عليها أن تبادر ...وتقضى عليها ‘

فحوى إحدى التعاليم الرئيسة فى كلية الاقتصاد الشهيرة ’ مدرسة شيكاجو ‘

( أفكار مدرسة شيكاجو كانت بدرجة أو بأخرى ملهمة لأغلب النهضات الكبرى للدول الفقيرة فى القرن العشرين مثل النمور الآسيوية وبالأخص كثيرا تشيلى الچنرال پينوتشيت ) ç

 التحليل الأساس ميكروسوفت مكروسوفت افلام الافلام فيديو الفيديو فديو الفديو تلفزيون التلفزيون تليفزيون التليفزيون تليفزيونى التليفزيونى تلفزيونى التلفزيونى تليفزيوني التليفزيوني تليفزيونية التليفزيونية تلفزيونية التلفزيونية بترول البترول الأرجنتين شيكاغو مدرسة شيكاغو الوارد بهذه الصفحة تحت عنوان ’ الفرص الحقيقية أمام بليون جنيه استثمارات سينمائية جديدة فى مصر ‘ كتب بقلم مدحت محفوظ فى مايو 1998 وعمم فى العدد الأول من جريدة ’ المستثمر ‘ التى تصدر فى مصر . وكان يشمل أيضا عددا من الصناديق التوضيحية الموجزة عن ’ نظم الصوت الرقمية ‘ و’ دولبى… دولبى… ‘ و’ الپاناڤيچان ‘ وأخيرا ’ قصة الاستثمارات الياپانية فى هولليوود ‘ .

فى يناير 2000 تقرر أن تكون هذه المواد نواة لهذه الصفحة التى تراقب بالخبر والتعليق تطورات بيزنس وتقنيات الترفيه عامة وفى مصر على نحو خاص ، ذلك لأنها تؤرخ لبداية مرحلة جديدة من الاستثمار الطموح لم تعهدها السينما المصرية من قبل . أيضا تم استحداث صندوق بعنوان دور العرض فى مصر —خلفية تاريخية كان فى الأصل دراسة للمؤلف عن تاريخ دور العرض فى مصر عممت فى الكتاب التذكارى Egypte —100 Ans de Cinéma الصادر سنة 1995 عن معهد العالم العربى بپاريس بمناسبة مرور مائة عام على ظهور السينما .

نحن نرحب بكافة المساهمات من تعليقات أو أخبار من زوار الموقع من خلال المساهمة المباشرة فى لوحة الرسائل إضافة أو قراءة أو بالكتابة عبر البريد الإليكترونى .

 

 

 

  1 مايو 1998 :

 

الفرص الحقيقية

أمام بليون جنيه استثمارات سينمائية جديدة فى مصر

Real Chances for $300m Investments in Film Industry in Egypt

 

 آمال المنافسة محدودة لشركات لا تزيد عن 2 فى الألف من حجم مثيلاتها الأميركية !

 فتح دور عرض للأفلام الأميركية هو الفرصة الرئيسة لاستثمارات السينما فى مصر !

 هل فرص الإنتاج لساويرس وأبو العينين أفضل من فرص الياپانيين فى هولليوود ؟

 

Film rolls in storage for German media mogul Leo Kirch in Munich, Germany.

They Hate Big Companies!

صخب كبير يجتاح الأوساط السينمائية فى مصر منذ صدور قانون حوافز الاستثمار الذى يمنح الشركات العاملة فى مجال السينما والتى يزيد رأسمالها عن مائتى مليون جنيه فرص إعفاء ومزايا متعددة . رد الفعل العام هو الاعتراض المؤسس على أن الصغار هم الأولى بالتشجيع والمزايا من الكبار . وأن القانون يشجع على الاحتكار ويلغى المنافسة . والواقع أن القراءة الأولية للقانون تثير التعحب فهو أساسا قانون يشجع الاستثمارات الپترولية وبناء المطارات والطرق الرئيسة ، ويبدو ذكر السينما نشازا لصناعة تافهة نسبيا وسط مثل هذا السياق ’ الستراتيچى ‘ للغاية . والدلالة الواضحة لهذا أن الحكومة الإصلاحية للدكتور الجنزورى ( والتى لعلها ‑وهذا رأينا منذ سنوات‑ واحدة من أكثر مراحل الحكم فى مصر تحددا وضوحا فى الرؤية وإصرارا على التحديث وذلك منذ عهد الخديوى إسماعيل ) ، رأت فى السينما صناعة ذات كمون عملاق يجعلها تعادل شق الطرق والمطارات ، وغيرها من صناعات البنى الأساسية ذات البعد الستراتيچى . ومن ثم رآها تستحق مزايا لا تحصل عليها عشرات الصناعات الأخرى التى لم يذكرها القانون . إذن هو بالأساس قانون للاستثناءات وليس للقاعدة ، وقد رأى أن السينما هى واحدة من تلك الاستثناءات المرموقة .

الاستجابة كانت سريعة أو بالأحرى كانت معدة سلفا وتنتظر صدور مثل هذا القانون . فقد تم الإعلان عن تأسيس شركتين برأسمال مصرح به قدره 500 مليون جنيه لكل منهما . وبدأت إحداهما والمسماة ’ نهضة مصر ‘ نشاطها بالفعل بافتتاح دار عرض راقية فى بناية مركز التداول العالمى الفاخرة المطلة على نهر النيل . وبينما بدا الأمر كواقع حقيقى لا تزال الاعتراضات والتحفظات تتوالى ، ولا يزال يستوجب وضع الأمر برمته فى سياق منظور عام لما يجرى فى السينما العالمية ، وحجم المنافسة وفرص الاستثمار المختلفة فيها ، وهو ما سيحاوله هذا النحليل .

مبدئيا يجب القول أن القرن العشرين انتهى بطريقة يمكن تسميته معها قرن الترفيه ، طبقا لصياغة إحدى المجلات الأميركية الكبرى . ويقدر حجم صناعة الترفيه والإعلام الأميركية برقم يناهز نصف التريليون دولار سنويا ، فضلا عن كونها إحدى أسرع الصناعات نموا فى السنوات العشر الأخيرة . وفى حقل السينما تتمتع الأفلام التى تصنع فى دائرة مقاطعة لوس أنچليس بسيادة عالمية يعبر عنها ببساطة رقم يقول أنها تستأئر بأكثر من 91 بالمائة من إيرادات السينما عبر العالم ، بينما كافة صناعات السينما المنتشرة فى جميع دول العالم ( بما فيها السينما البريطانية والهندية والفرنسية والألمانية والياپانية والمصرية والروسية …إلخ ، بل وأيضا سينما نيو يورك وغيرها من المدن الأميركية عدا هولليوود ) لا تساوى سوى 9 بالمائة من صناعة السينما فى العالم . وواقع السينما الأميركية فى التسعينيات يقول ببساطة أن ما قيل عن سيطرتها العالمية طوال العقود الماضية ، ليس سوى وهم متواضع ، فلم يحدث من قبل أن حققت الأفلام الكبيرة إيرادا خارجيا يصل أحيانا لخمسة أضعاف إيرادها الأميركى إلا فى هذا العقد . أو بكلمة موجزة يمكن القول أن السيادة الهولليوودية الحقيقية على السينما العالمية لم تبدأ بعد .

صحيح أنه يوجد عادة فى قائمة أنجح مائة فيلم عالميا والتى تظهر سنويا فى مجلة ڤارايتى ، يوجد ما بين 5 إلى 7 أفلام غير أميركية ( أغلبها يأتى من الياپان ، وبعضها من بريطانيا وفرنسا وأستراليا وهونج كونج وأحيانا غيرها ) . لكن بداهة فإن الكثير من تلك الأفلام يكون ناطقا بالإنجليزية ، ويكون إنتاجات مشبعة إنتاجيا أو ذات فكرة شديدة التميز حققت لها تلك الجماهيرية . لكن أهم ما يجمعها جميعا ، هو معايير التحدى الفائقة التى أنتجت بها ، وأنها محاكاة جدية لمنهج هولليوود فى العمل والتفكير السينمائى . إنها تعى أن السينما الأميركية لم تنجح من فراغ ولم تولد وفى يدها أداة توزيعها الجهنمية الحالية ( العكس هو الصحيح فقد كانت بدايات هولليوود شيئا بالغ التواضع بل وخارج على القانون أصلا ! ) . تلك الأفلام تعلم أن السينما الأميركية صممت لتكون عالمية ، ولو كانت قد صممت لتكون أميركية وتغزو بقيمها الدخيلة البلاد الأخرى ( كما يحلو للعالم الثالث أن يقول هذا بقيادة من فرنسا ) ، فإنها ما كانت لتنجح إطلاقا .

الحقيقة التى تقف وراء هذا هى أن مشكلة السينما مشكلة فنية محضة بالأساس . وقد كانت السينما تصنع بنجاح فى كل مكان تقريبا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، والأفلام التى خلدت حتى اليوم من هذا العصر الذهبى تنحصر فى الغالب فى الميلودراميات اجتماعية وعاطفية ، وفى كوميديات الفارص المغرقة . وفى عام 1946 الذى —وهى مفارقة— كان ذروة النجاح الجماهيرى للسينما الأميركية داخل أميركا ( 4 بليون تذكرة وهو رقم لم تدانيه ثانية قط ) ، جاءت ضربة الحكومة للستوديوهات وتشتتيتها بعيدا عن دور العرض . فى ذات الوقت لم تعان صناعات السينما فى الدول الأخرى من مثل هذه الضربات ، وكان من الممكن تخيل أن هولليوود قد ماتت فعلا ، وما أكثر ما كتب فعلا بهذا المعنى آنذاك . لكن المشهد السينمائى فى الخمسينيات أتى بعكس هذا التوقع ، فبينما راحت هولليوود تبتكر السينيراما والسينماسكوپ والأبعاد الثلاثية وحفنة من التقنيات الجديدة ، كانت سينمات العالم الأخرى تعج بما يسمى حركات فنية . وهنا يكمن لب المشكلة : لقد تمسكت هولليوود بنظرية السينما الأساسية التى ترسخت عبر أجيال على أيدى أباطرة الستوديوهات العظام ، وهى أن السينما فن الانفعالات ، وقد كتبت له الأقدار هذا بحكم إمكاناته التقنية الفائقة التى تقدم دوما المزيد من الإثارة أو الخوف أو البكاء أو الضحك أو الإبهار والدهشة ، فيما يستحيل على الوسائط الأخرى منافستها فيه . أما خارج أميركا فقد بدأت تظهر كلمات من قبيل الذاتية والتجريب وسينما المؤلف ، ناهيك عن سيادة فكرة المحتوى وتقديمه على الوسيط نفسه رافضين بذلك المبدأ شبه المستقر وهو أن المشاهدة فى حد ذاتها هى الرسالة .

مصر لم تكن استثناء من القاعدة وكما ظهر فيللينى فى إيطاليا وجودار فى فرنسا ظهر فيها يوسف شاهين وحفنة من التلاميذ هنا وهناك . وكان مسار الانهيار كاسحا فى كل مكان . وأغلقت الكثير من الصناعات أبوابها بسبب انفضاض الجمهور ، وتشتت الفنيون . وبالفعل فللسينما الفنية بريقها ، فهى تغوى شباب الفنانين وصناع السينما بأن ’ الإبداع ‘ و’ الذاتية ‘ وهلم جرا من الألفاظ المدلكة للغرائز ، هى النقيض من التسلية والتفاهة والسير على قواعد وأصول كتبها أرسطو قبل 24 قرنا . هذا البريق لم يقو على مقاومته سوى نفر قليل جدا من البشر تصادف وكانوا على رأس ستوديوهات هولليوود . أدرك هؤلاء أن السينما تنتمى لحقل الثقافة الشعبية أكثر من انتمائها لحقل الفكر ، وأصروا على المنهج القديم ، الأمر الذى سرعان ما أثمر عن تفرد تدريجى بالسوق العالمية ، لم يكن الجديد فيه هو ما تصنعه هولليوود بقدر ما كان الجديد هو السوس الداخلى الذى نخر فى صناعات السينما المسماة بالقومية والتى كانت ندا إبداعيا حقيقيا للسينما الأميركية طوال نصف القرن الأول من عمر هذا الفن .

هكذا ليس من المستغرب كثيرا أن يتزعم التيار المعارض لقانون حوافز الاستثمار فى مصر الموجه السينمائى يوسف شاهين والذى هدد بربط نفسه لسور مكتب رئيس الوزراء إذا لم يعدل القانون ويعطى نفس الحوافز للمستثمرين الأصغر . وهو بشخصه رمز للسينما الفنية وتسببت أفلامه الذهنية فى إفلاس أكثر من ذى منتج على مدى الأربعين عاما الأخيرة .

إسماعيلية رايح جاى يمثل فى تاريخ السينما المصرية ما مثلته مسرحية مدرسة المشاغبين بالنسبة لتاريخ المسرح فى مصر . هى أعادت للمسرح جمهوره بعد أن انفض عنه بسبب ضلال وكآبة ما سمى بمسرح الستينيات ’ الجاد ‘ ، وهو أعاد الجمهور بعد أن كاد يصل الإنتاج للشلل الكلى بسبب ما سمى بالسينما ’ الفنية ‘ بأفلامها الذاتية البليدة المتجهمة . المشكلة أن استيعاب هذه الحقيقة الخاصة بما يدور حوله الفن أصلا ، لا يكفى لازدهار كامل لصناعة السينما ، إذ تظل هناك على الأقل مشكلة الرقابة .

إن فى مصر كما فى كل مكان ، المشكلة مشكلة فنية بالأساس ، ولا زالت أفضل المواهب تترفع عن صنع أفلام العنف والنشاط الحركى التى هى المادة الأساسية للسينما . أولا سنفترض جدلا أن صناع السينما فيها أصابهم تنوير فجائى بم تدور السينما حوله أصل . ولنقل أنهم حاولوا مثلا تحليل مقومات النجاح الأسطورى بالمقاييس المصرية لفيلم صغير متعثر إنتاجيا اسمه إسماعيلية رايح جاى ، يمثل فى تاريخ السينما المصرية ما مثلته مسرحية مدرسة المشاغبين بالنسبة لتاريخ المسرح فى مصر . هى أعادت للمسرح جمهوره بعد أن انفض عنه بسبب ضلال وكآبة ما سمى بمسرح الستينيات ’ الجاد ‘ ، وهو أعاد الجمهور بعد أن كاد يصل الإنتاج للشلل الكلى بسبب ما سمى بالسينما ’ الفنية ‘ أو أيا ما كان المسمى ، بأفلامها الذاتية البليدة المتجهمة ( من غير المدهش أن مدرسة المشاغبين جاءت من شخص لا يقل عن أى من نظرائه هؤلاء ثقافة ، لكنه يفوقهم بمراحل فى الوعى بطبيعة الفن من ناحية ، وفى انفتاحه الفكرى من ناحية آخرى ، بالذات مواقفه الشهيرة دفاعا عن السلام مع إسرائيل . إنه بالطبع الكاتب على سالم ، ومن غير المدهش أيضا أن كلا الموقفين الفنى والسياسى يذكراننا أيضا بنجيب محفوظ ! ) . بعد ذلك ستظل هناك مشكلة تأتى بالدرجة الثانية ، لكنها من الجسامة بحيث قد تحسم بسهولة سلفا أنه لن يكون هناك أمل يذكر لدخول فيلم مصرى فى قائمة المائة فيلم الأولى سنويا . هذه المشكلة هى الرقابة . والرقابة تتعارض بحكم التعريف تقريبا مع نظرية السينما ، هذه التى تريد رج انفعالات المشاهدين بكل ما هو جديد وغريب وغير محافظ بالضرورة . وهى مشكلة شبه منعدمة فى أى مكان آخر بما فيه أغلب محيط الشرق الأوسط المحيط بمصر . فالرقابة قائمة فى أغلب العالم على تصنيف الأفلام ، بينما تقوم هنا على مبدأ المنع والحذف ، وفى ظل ضعف الإرادة السياسية يبدو من العسير تخيل صدور خطوة إيجابية فى ظل المناخ الحالى المحافظ الذى يغلب عليه التدين . والرقابة فى مصر لا تقف عند حد إجهاض الأعمال الجاهزة مصرية وأجنبية ، بل إنها تشكل العقبة الأولى أمام استغلال مصر ذات الموارد الأثرية الكبرى كموقع للتصوير السينمائى ، وهى صناعة عملاقة نجحت فيها كندا وبعض الدول الاشتراكية سابقا فى شرق أوروپا بدرجات مذهلة ، أو حتى بلد عربى صغير كالمغرب ، وباتت تمثل فيها جانبا لا يستهان به من الناتج الداجن الإجمالى GDP . هذه أيضا مشكلة يتعين على الشركات الجديدة مواجهتها ، وما لم يحدث تغير مهم فى البنية الرقابية ، فإن دور هذه الشركات فى عمل طفرة إنتاجية سيظل محكوما عليه سلفا بالفشل لمدى كبير .

إن سوق الإنتاج السينمائى فى مصر عاشت دهورا فى ظل حماية قانونية ظالمة ضد السينما الأجنبية الرفيعة لحساب السينما المحلية البليدة وذلك عبر سلسلة من القرارات الوزارية المحاصرة لمساحة عرض الفيلم الأجنبى وقوانين ضرائبية واضحة التحيز ضدها . لكن الأساس يظل أن هذه الصناعة العرجاء تغذت من بساطة الجمهور نفسه ، وهو أمر لم يعد كما ذى قبل ، ليس فقط بسبب تنامى التعليم الأجنبى ، لكن لمجرد أن اطلاع هذا الجمهور لمرة واحدة من خلال دور العرض الجيدة على ما تقدمه السينما الأميركية صوتا وصورة ( ودعك هنا من أى شىء آخر ) ، يجعله لا يعود يسمح لنفسه بالعودة لتعاطى الإنتاج المحلى الفاسد مرة أخرى . وهذا تحديدا هو تفسير لماذا يتطابق ترتيب الدول المتقدمة والقوية مع ترتيب استهلاك شعوبها للفيلم الأميركى ، والذى يعد من خلال القياس العكسى مؤشرا فى حد ذاته لمدى تقدم الأمم . فأنت تجد الصراع على المركز الأول فى إيرادات الأفلام الأميركية منحصرا كل عام بين ألمانيا والياپان ، تليها بريطانيا ففرنسا أو إيطاليا وهكذا . ومصر دخلت هذا العد التصاعدى منذ عام 1993 الذى توالت فيه أرقام متواضعة لكن غير مسبوقة قط لثلاثة أفلام بالتوالى ( وحدى فى البيت 2 ، الحارس الشخصى ، حديقة الديناصورات . تلك الأرقام هى 500 ألف و700 ألف ومليون جنيه بالترتيب ) ، ولا تزال الأرقام فى إضطراد مستمر . وقد كان الفيلم الأخير أول فيلم أجنبى يعرض فى تاريخ مصر بثلاث نسخ ، ثم جاء ’ العين الذهبية ‘ بأول أربع نسخ ، ومؤخرا ’ تايتانيك ‘ بخمس نسخ . وهو رقم لم يراود موزعى الفيلم الأميركى فى مصر من قبل ولو على سبيل الأحلام !

Marcus Loew, founder of Loews Cineplex Entertainment, the company that now owns, operates or has an interest in 324 theaters with about 3,300 screens celebrated its 100th birthday on May 7, 2004.

An American Movie Theaters Pioneer!

كل هذا يحسم بجلاء —فى رأينا— طبيعة الاستثمارات السينمائية المحتملة فى بلاد العالم المختلفة بما فيها مصر . إنها أساسا وبالدرجة الأولى صناعة دور العرض . بمعنى بناء دور عرض على مستوى عال من الجودة يتيح إظهار ما وظفته وابتكرته الأفلام الهولليوودية صوتا وصورة . أما قضية الإنتاج السينمائى فهى مسألة تخضع لحسابات أخرى أعقد كثيرا ، ونادرا ما جاءت صحيحة فى نصف القرن الأخير .

جميع الشواهد تقول أن فرص وجود إنتاج سينمائى مصرى قادر على المنافسة العالمية هى فرص شبه معدومة ، والأمل يكاد يكون قاصرا على استعادة الجمهور المصرى وبعض الجمهور العربى من خلال أفلام موجهة للقطاع الأسرى العريض الذى يقاطع السينما منذ عقود وذلك بكوميديات موسيقية مثلا على غرار فيلم ’ إسماعيلية رايح جاى ‘ . وتوافر المال عبر الشركات الجديدة الكبيرة لا يعنى الكثير فى هذا الشأن . فلطالما توافر المال من خارج أميركا لأفلام لموجهين حققوا نجاحا هولليووديا ( مثل برناردو بيرتولوتشى وريدلى سكوت وقائمة لا تنتهى ) ، لكن هذه الأفلام فشلت فشلا ذريعا ( يمكن ضرب عشرات الأمثلة المشابهة لبوذا الصغير و1492 …إلخ ) . فالفكرة ببساطة أن الستوديو هو المبدع فى السينما الأميركية بينما ما يسمى ’ المخرج ‘ ( وهى ترجمة لكلمة فرنسية ، دع جانبا أنها ترجمة خاطئة أصلا ) هو المبدع فى الأماكن الأخرى . ولا توجد خارج مقاطعة لوس أنچليس —كاليفورنيا مؤسسات سينمائية ذات شخصية قوية —إن جاز التعبير— تستطيع أن تردع أمثال هؤلاء وتذكرهم أنهم قبل كل شىء موطفون بالأجر لديها ، عليهم أن ينفذوا نظريتها هى السينمائية وليس مبتكراتهم الخاصة .

Mutual Film Co., 1600 Broadway, New York, 1918.

Oh! Those Old ‘Libraries!’

المثال الأبعد من كل هذا أن يذهب هولاء غير الأميركيين ويشترون الستوديوهات الهولليوودية المجيدة بأنفسهم . والواضح أنه لا يمكن أن توجد فرصة أعظم ولا أضمن لإنتاج أفلام جيدة بأموال غير أميركية من هذه الفرصة . هذا ما فعله الياپانيون فى أواخر الثمانينيات بشراء كل من يونيڤرسال وكولومبيا وتراى ستار ( وبدرجة أقل الفرنسيون ، أو الإيطالى پاريتى الذى اشترى ستوديوهات مترو ، أو غيرهم ) . لكن النتيجة لم تكن لتوصف بأقل من لفظ كارثة .

باريتى أفلس وكاد يسجن فى أميركا ، بينما الجزء الذى اشتراه تيد تيرنر من مترو ، وهو مكتبة الأفلام القديمة ، وقيل أنه كان سادخا ومبالغا فى السعر ، تحول لمنجم ذهب بعد أن اخترع شيئا غريبا جدا كان مبيتا فى عقله هو وحده دون سائر البشر ، اسمه قنوات تليڤزيونية متخصصة للأفلام الكلاسية !

فى عام 1994 خفضت سونى القيمة الدفترية لستوديوهى كولومبيا وتراى ستار بأكثر من 2.7 بليون دولار فى لحظة واحدة ، وحدث ذلك وكان أكيو موريتا المؤسس الأسطورى لسونى لا يزال رجلا لكرسيها بعد . بالتوازى راح الكهلان الأول رحل 4 يونيو 2002 04WASS ليو واسرمان وسيدنى شاينبيرج أعلى رأسين فى إم سى إيه قابضة يونيڤرسال والمملوكة لماتسوشيتا الياپانية ، يبيعان أسهمهما فيها ويتحدثان باستهزاء عن الشركة التى يرأسانها . هنا اتضح أن السباق كان أكثر شراسة مما يتخيل أحد . وليس الابتكار الفنى وحده هو العائق ( فليست المشكلة فقط أنه لا يوجد هنا وهناك شخصيات بعقلية مايكل آيسنر وچيفرى كاتزنبيرج اللذين رأسا ديزنى منذ منتصف الثمانينيات وكانا سر نهضتها ) . فالرؤية الفنية التى قد نتحدث عنها كحلقة مفقودة فى مصر أو فرنسا ، ليست كل شىء فى عالم التقنية العالية الهولليوودى .

Lew Wasserman, Chairman of MCA Inc.

Not Merely an Old Greedy Jew!

ولو تركنا واسرمان وشاينبيرج يفسران ما حدث لشركتهما بدلا من تخيلهما كيهوديين شريرين يريدان طرد الياپانيين من أميركا ، فسنجدهما قد قالا ما معناه : أنظروا ماذا حدث منذ شراء الياپانيين لنصف هولليوود . لقد اتحدت تايم ووارنر لتكون مؤسسة بلغت فى حينها 14 بليون دولار . واتحدت پاراماونت مع ڤاياكوم لتكون مؤسسة قدرها 16 بليون دولار ‑فى حينها أيضا . وبعد قليل كانت ديزنى تشترى شبكة إيه بى سى لتربو فوق الثلاثين بليونا ، بينما كان الرجلان يستصرخان رؤسائهما فى أوساكا إرسال بليونين لتطوير ستوديوهات يونيڤرسال وجعلها ندا للستوديوهات الأخرى . اليوم يبلغ الحجم النمطى لأى من مؤسسات الترفيه الثلاث الكبرى المذكورة 50 بليونا أو نحوها . ما عدا ذلك فالتعثر هو القاعدة . مترو كانت ولا زالت متعثرة وشبه متوقفة . أورايون متوقفة بالفعل . كولومبيا وتراى ستار لا يكف نصيبهما من السوق عن الإنكماش . يونيڤرسال ظلت متعثرة لسنوات إلى أن اشتراها مستثمر كندى أحد الأصدقاء الشخصيين للموجه الشهير ستيڤين سپيلبيرج الذى يعتمد هذا الستوديو على أفلامه بالدرجة الأولى ، وبدأت حقبة جديدة من الأفق المفتوح . فوكس ظلت لعشر سنوات لم تصنع فيلما بدرجة نجاح فيلمى ’ وحدى فى المنزل ‘ حتى قدمت ’ يوم الاستقلال ‘ قبل عامين ، أما ’ تايتانيك ‘ فهو من نوعية الأفلام التى لا يقوى عليها ستوديو بمفرده فصنعته بالاشتراك مع پاراماونت . ولا يغيب هنا أن فوكس تظل بالعبقرية النادرة لرئيسها ريويرت ميردوك ورؤاه الشمولية لحقل الترفيه والاتصال ككل حالة استثنائية نسبيا ، حفظت لنفسها مكانة متميزة كستوديو متوسط وغير منهار فى آن واحد .

شركات السينما المصرية ’ العملاقة ‘ لا يزيد رأسمالها المصرح به ( ولا نقول الفعلى ) عن 2 فى الألف من رأسمال ديزنى‑كاپيتال سيتى أو ڤاياكوم‑پاراماونت ، أو تايم-وارنر ( بمقارنة أخرى أشد فظاظة فرأسمال أى من هاتين الشركتين يعادل بالكاد ما تنفقه وارنر فى 72 ساعة للدعاية لأحد أفلام باتمان منها ! ) . لكن على أى حال يسود افتراض عام أن هذه الشركات ستحاول تجربة حظها فى حقل الإنتاج ، وهو مما لاشك فيه تحد جسيم ويحتاج لرؤى فريدة وعزيمة خاصة وأيضا كثير من الحظ ، حتى يؤتى ثماره .

هذا التحدى يأتى فى وقت فقدت فيه السينما المصرية كل أسواقها الخارجية . فقد اتجهت جميع الأسواق التقليدية لها وفى طليعنها أسواق الخليج العربى مرحليا للفيلم الهندى ، ثم تحولت مؤخرا جدا للفيلم الأميركى وهو شىء عندما يقع فإنه يصبح من الصعوبة بمكان انتزاع شىء من بين أنيابه . والرقم التالى يبين مدى فداحة الأزمة وهو أن المبيعات الخارجية للفيلم المصرى فى العام الماضى كانت 700 ألف دولار بعد أن كادت تصل لعشرة ملايين فى مطلع التسعينيات .

ومن المحتمل أيضا أن تفلح تلك الشركات فى إقناع المعارضين الصغار بأن يعملوا لحسابها كوكلاء إنتاج . وهذا يستلزم بالضرورة أن يتخلى المستثمرين القدامى عن طريقتهم الطفيلية التى لم تكن تستثمر شيئا تقريبا وكل همها أن تقدم الدولة لهم ستوديوهات وخدمات بأرخص الأسعار ، ليكسبوا هم بدورهم بعض الملاليم أيضا . فالشركات الكبيرة لن تفكر قطعا بذات الطريقة ، وربما استمالت هؤلاء للتحول لدور الوكلاء المذكور وهو أسلوب أميركى معروف ، تتولى فيه شركات الكتاب المنتجين تنمية عبوات packages كاملة كل منها عبارة عن مخطوطة فيلم مكتوبة ومحددة بتعاقدات بعينها مع النجوم والفنيين ، وتذهب لبيعها جاهزة للشركات الكبيرة . أيضا ربما تسهم الشركات الجديدة هى نفسها فى تدبير التجهيزات الفنية خدمة للآخرين ممن سيواصلون الإنتاج المستقل . والبديهى أن يفكر الجميع آجلا أو عاجلا أنه لم يعد بعد ممكنا صنع أفلام بدون كاميرات الپاناڤيچان أو مختبرات الصوت الرقمية ، وكلها أشياء لم تجد من قبل من يستوردها أو يكون وكيلا لها فى مصر .

الإنتاج التليڤزيونى يظل أيضا قضية مطروحة على جدول أعمال هذه الشركات ، ومن الجائز أن تعثر على صيغة من التعاون ( لا التنافس ) مع التليڤزيون المصرى صاحب الاستثمارات الضخمة فى هذا المجال . وهذا قد يتأتى بالمشاركة فى هذه الاستثمارات ممثلة فى مدينة الإنتاج الإعلامى الكبيرة المقامة فى مدينة السادس من أكتوبر والتى لم تستكمل بعد ، أو أن يذهب فى صورة إنتاجات مستقلة تضمن العرض على شاشاته . أو أن تكون الإسهامات التليڤزيونية لهذه الشركات أقل طموحا وتوجه نفسها لأعمال أصغر خاصة بالساتيلايت والقنوات غير المجانية .

وبعد… فالنتيجة الأخيرة لهذا العصر الجديد من الاستثمار السينمائى فى مصر أمر لم تكتمل أبعاده بعد والأيام وحدها ستكون الكفيلة بحسمه . ورغم أننا لا نريد إعطاء انطباع خاطئ بأننا من العالمين ببواطن الأمور أكثر مما يجب ، إلا أن الشواهد تشير كلها حتى الآن إلى أن القائمين على هذه الشركات بالذكاء الكافى بحيث لن ينتجوا أى أفلام ولن يشتروا أى ستوديوهات -فى الأفق المنظور على الأقل ، ربما إلا لو قبلت الحكومة هدمها وبيع أرضها وإعادة بناءها فى مكان آخر أرخص ( أقصى شىء يمكن قبوله هنا هو الحفاظ على ستوديو مصر كمتحف للسينما ، يقول أن مصر كان بها سينما قومية ملكت يوما ما يضاهى بدرجة أو أخرى ستوديوهات أوفا أو شينشيتا القومية الأخرى ) . ويظل الشىء الوحيد الجلى فيه أن أصحاب هذه الشركات والجمهور المصرى سوف يربحان شيئا مؤكدا من ورائها ، وهو دور العرض الجديدة . وهو ربح سوف يصب فى النهاية —وبدرجة أكبر— فى مياه نهر السينما الكبير والوحيد : هولليوود ، التى تتأهب لقرن من السيادة السينمائية الحقيقية وغير المنقوصة .

هل تريد المساهمة ؟ ... يمكنك ذلك مباشرة من خلال لوحة الرسائل إضافة أو قراءة أو بالكتابة عبر البريد الإليكترونى .

 

 

 

Side Bar:

 

  15-24 يونيو 1995 :

 

دور العرض فى مصر —خلفية تاريخية

Movie Theatres in Egypt —A Historical Background

 

الخميس 27 مارس 200301:50 م : النص الكامل للدراسة نقل من Theatres.doc ولن تجرى عليه تعديلات لاحقة إلا هنا بدءا بتصحيح كثيف للهجاء اليوم . الجزء الخاص بسكان الكابوتشين قطع أصلا من الوثيقة المذكورة ووضع فى صفحة التقنية عند تأسيسها . هنا كان قد أخذ جزء موجز لدى تأسيس هذ الصفحة ، واليوم وضعت كلها باستثناء ما سبق قطعه لصفحة التقنية العرض - التوزيع - الإنتاج

دور العرض هى الأماكن التى تعرض فيها أفلام السينما بأعلى جودة ممكنة ، وتحظى بالتالى بالدورة الأولى فى مسلسل عرض أى فيلم ، ويكون أجر مشاهدة الفرد للفيلم فيها ، أعلى ما يكون . وصناعة دور العرض تمثل أشد البنى التحتية للسينما تحتية . فمن ناحية هى الصناعة ذات الحجم الأكبر استثماريا وتاريخيا هى الأسبق ، فلم تنشأ ستوديوهات هوليوود الكبرى مثلا ، إلا بعد توطد صناعة العرض السينمائى عبر القارة وعبر العالم ، أيضا هى استثمار كامن potential ، تعتمد عليه صناعة الإنتاج السينمائى المحلى ، إذا ما أرادت توسيع استثمارتها ، فليس من الممكن أن تزدهر صناعة إنتاج محلية فى بلد بلا دور عرض .

على أن أكثر معانى تحتية البنية التحتية فى صناعة دور العرض ، هى ما يتعلق منها بصناعة التوزيع بشقيها الأجنبى والمحلى ( وعادة ما نقصد الشق الأجنبى وحده عند الحديث عن بلد مثل مصر ، لأسباب عدة سنذكرها ، وأساسا لأنه لا يوجد استثمار يذكر فى التوزيع المحلى . فهؤلاء عادة مجرد وسطاء ، ونادرا ما ينفقون أموالا مسبقة حتى فى أخص خصائص مهنة التوزيع ، وهى طبع النسخ والدعاية ) . فصناعة التوزيع هى الصناعة المنوط بها تكوين جمهور السينما كما وكيفا .

باستثناء الولايات المتحدة ، عادة ما تفوق الأفلام المستوردة نظيراتها المحلية فى أية بلد ، سواء من حيث العدد أو من حيث الجودة . يترتب على هذا أولا أن تصبح صناعة الإنتاج المحلية فى حالة اطلاع ومنافسة كاملة مع أجود ما يقدمه العالم . والدولة التى تستسلم بالكامل لهذه الحقائق ، هى التى يمكنها على المدى البعيد بناء صناعة إنتاج محلية تضاع أجود ما يأتى من الخارج ( وهو النموذج الذى تنفرد به ربما السينما البريطانية من حين إلى آخر فى العقود الأخيرة ) . الأثر التحتى الآخر وهو بناء القاعدة العريضة من الجمهور رفيع التذوق ، هو استثمار كامن آخر فوجود دور العرض الجيدة والجمهور الذى بنته صناعة التوزيع ، يجعل مهمة إنتاج أفلام محلية أضخم وأجود هو التحدى الوحيد أمام صناع السينما المحليين ، بينما الجمهور ودور العرض جاهزة للاستقبال هذا الجديد الجيد . بالنسبة لصناع السينما المصريين ، سوف تتغاضى هذه الدراسة عن أحوال العجز التعليمى والتقنى ‑ومن ثم الإبداعى‑ الفادحة لهم . وعن كون بعض أفضلهم ( ومنهم من قد يصل إلى درجة النجومية فى المهرجانات الدولية ، أو بسبب المعارك السياسية التنويرية التى يقودها فى الإعلام أو المحاكم المصرية ) . هم الناحية التقنية ، يتكابرون على نقص تعليمهم وخبرتهم بالكيفية التى يمكن بها كتابة وصنع الأفلام الدرامية ، بما تعنيه كلمتى فيلم ودراما ، من معانى الاستحواذ الحقيقى ، يتكابرون على ذلك بالاتجاه نحو ما يسمى الأفلام الفنية أو سينما المؤلف …إلخ ، وهى مصطلحات تخاطب غرائزهم المغرورة وحدها ، بقدر ما تدمر الصناعة القومية القائمة من جذورها لكن ، ومع التغاضى عن هذا ، نكتشف أن ثم سقف للاستثمار لا تستطيع الأفلام تجاوزه ، وأن هذا السقف يرتبط على نحو مباشر بعدد دور العرض .

مثلا فى الوقت الذى يعرض فيه فيلم ’ باتمان للأبد ‘ فى أكثر من أربعة آلاف شاشة عرض محلية فى أميركا ، لا تتجاوز الشاشات التى تعرض أغلى وأنجح فيم لأغلى وأنجح نجم مصرى ‑عادل إمام‑ ما عدده 19 شاشة فى كل أرجاء مصر . والنسبة واحدة فى الحالتين ، فطبع نسخ بأكثر من 15 0/0 من عدد دور العرض الكلى ، قد يكون أقل اقتصادية من منظور التوزيع . على أن العلاقة بين صناعات دور العرض والتوزيع والإنتاج ، قد لا تكون بمثل هذه البساطة والمنطقية فى مصر . فسقف الاستثمار المذكور يخص الأفلام المفردة أكثر مما يخص الصناعة ككل . وفى عام 1986 كادت السينما المصرية تكسر حاجز المائة فيلم ( 96 فيلما ) ، فى وقت يمكن اعتباره أحلك الأوقات من حيث كم وكيف دور العرض معا . وعدد الأفلام هذا يقارب ثلاثة أضعاف الإنتاج أيام العصر الذهبى لدور العرض ، وكان عددها يفوق ثلاثة العدد الحالى . أيضا فإن التسعينات هى التى شهدت ظاهرة عرض الأفلام على ما يقارب العشرين شاشة ، وهى ظاهرة لم يكن لها وجود من قبل بالمرة .

إذن عدد دور العرض وحجم صناعة الجمهور ( التوزيع ) ، يحد من إنتاج أفلام ضخم ، لكنه لا يمنع ازدهار صناعة الإنتاج ككل . وفى حالة مصر يكمن التفسير فى سر خاص ، وهو التشريعات . بالعودة للمثال المذكور فإن فيلم عادل إمام الذى لا تصل تكلفته لمليون دولار ، يحتل نحو 20 دار عرض ، بينما لن يجد ’ باتمان للأبد ‘ ذى المائة والخمسين مليون دولار ، فى منافسته ، إلا فى شاشتى عرض اثنتين فقط ، هذا بحكم قرار وزارى صارم عمره ربع قرن ويزيد ، يلزم أيضا كل دور العرض بعرض 3 أفلام مصرية على الأقل سنويا ، وبالذات فى مواسم الأعياد الناجحة .

إن التشريعات المصرية تعطة أولوية مطلقة للفيلم المصرى ليس فى دور العرض فقط ، إنما فى صورة إعفاء ضريبى شبه كامل ، إذا ما قورن بالأفلام الأجنبية التى لا تحصل إلا على ثلث ثمن التذكرة للموزع والعارض معا . هذا بخلاف الرسوم الجمركية والرقابية والضرائب الخاصة والعامة المتعددة الأخرى .

هذا يحطم إحدى الحلقات الثلاث فى صناعة السينما ، وهى حلقة التوزيع ، أو ما نفضل تسميتها بحلقة الجمهور ، ففرض الأفلام الرديئة بقوة القانون ، سوف يؤدى لانقضاض الجمهور بمجمله ، ثم بالتالى تدهور عجلة الإنتاج المحلى ’ المصون ‘ ، وهى عجلة دارت بالفعل ، وتعانى السينما المصرية فى الأعوام الأخيرة من انكماش مروع ، لا أمل له إلا فتح الأبواب على مصراعيها لطرد الهواء العطن ، بحيث قد يفيق يوما ذلك الكائن الميت من غيبوبته القاتلة الحالية ، على اسس علمية وأقتصادية وفنية صحيحية ( مرة أخرى هذا ما مرت به التجربة البريطانية التى تنتزع دهشة الجمهور العالمى العريض اليوم ) . إن الطبيعى أن يكون توزيع الفيلم الأمريكى هو الكتلة الرئيسة للاستثمار فى أية صناعة للسينما فى أى من بلاد العالم ، سواء من حيث دور العرض أو استثمارات التوزيع ذاتها . وهذا الاستثمار يتناسب مع حجم التقدم الاقتصادى والاجتماعى للبلد . بحيث نجد اليوم أن أكبر مستورد للأفلام الأمريكية هو اليابان ثم ألمانيا وهلم جرا . والمقاومة التى تبديها صناعة السينما المصرية لهذه الحقيقة ، وتصميمها على قلب الهرم ، لا تنم عن الجهل وحدهما ، بل هى قصر نظر اقتصادى حقيقى وقاتل . لكن المهم أنه فى إطار هذا المنظور القصير ، يمكن القول إن صناعة الإنتاج السينمائى المصرى ، نجحت فى أن تكون بمنأى نسبيا عن أزمة دور العرض . فهى تحصل على كل تذكرة ممكنة ، ويمكن افتراض عدم وجود حق المنافسة أصلا لدى الأفلام الأجنبية ، بمعنى آخر فإنه بينما يعزى تخلف هذه السينما وتدهور استثماراتها ( 4 مليون دولار سنويا ، إى أن ميزانية الدعاية المحلية لـ ’ باتمان للأبد ‘ تساوى وحدها 20 سنة سينما مصرية ) ، يعزى لعوامل عدة أخرى ، فإن دور العرض تمثل عنق الزجاجة المميت لصناعة التوزيع . ومن المثير لأبعد درجة ، أن يكون عدد الأفلام الأجنبية الطويلة التى تعرض سنويا يساوى بالضبط تقريبا عدد دور العرض ، أى أن كل دار جديدة تعنى فيلما جديدا ، وعندما كان لدينا 400 دار عرض كنا نشاهد 400 فيلما ، أما اليوم فلا نشاهد سوى ثلث هذا العدد !

من الطبيعى بعد هذا أن تلقى هذه الدراسة الضوء على علاقة الصناعتين الشقيقتين البائستين- دور العرض وتوزيع الأفلام الأجنبية - خاصة وأن هذه الأخيرة نادرا ما تحظى بأية مناقشة علنية ، ربما فيما عدا حالات الهزائم العسكرية الكبرى . آنذاك كما سنرى يكتشف الجميع أمر وجود هذه الفتاة البائسة ، ويأمرون بقتلها .

 

فجر دور العرض

فى ظهيرة 23 فبراير 1895 ، وبعد شهور من ليالى الشتاء القارصة المضنية ، نجح الأخوان الفرنسيان لويس وأوجست لوميير فى تسجيل براءة أختراع آلة تصوير وعرض الأفلام المتحركة اسمها السينما توجراف . ولم تكن هذه الآلة طفرة غير مسبوقة من العبقرية ، فقد كان العالم الغربى يعج بأمثالهما من المخترعين الآليين ، وبآلات تؤدى ذات الأداء ، وربما أفضل أحيانا . وراح الأخوان لمدة 10 شهور يصوران مئات الأفلام كل منها كل منها بطول 50 قدما ، ويعرضانها على المحافل العلمية والأقارب والأصدقاء ، وكأنهما يلهوان بأعجوبتهما الجديدة ، دون أن يوجد فى التاريخ ما يثبت إدراكهما للكمون التجارى لآلتهما ، فنيو يورك ولندن وبرلين شاهدت فعلا عروضا للتصاوير المتحركة ، لكنها لم تلق اقبالا جماهيريا على الأطلاق .

فى مساء السبت 28 ديسمبر 1895 وقع الحدث الضخيم grand . كان ذلك فى قاعة ذات زخارف هندية فى بدروم أحد مقاهى البوليڤار ديه كاپوتشينز فى پاريس ، يدعى الـ ’ جران كافيه ‘ .

مصر قفزت فى العربة بعد 11 شهرا ، وهى مدة قصيرة بمقاييس القرية العالمية للقرن التاسع عشر ، لكنها كانت كافية لقفز كل أوروبا ، لسبب واضح هو إنها كانت أقرب إلى العربة . وبنفس الطريقة كانت المقاهى والبدرومات والبورصات والحمامات وأى مكان للترفيه الشعبى ، هى ساحة جمع النقود من أولئك المبهورين حسنى الطوية . [ للمزيد عن مبتكرات التصاوير المتحركة المبكرة فى الغرب اقرأ صفحة التقنية ] .

من المتفق عليه اليوم أن أول عرض سينمائى عام فى مصر كان فى الخامسة من مساء الخميس 5 نوفمبر 1896 ، فى إحدى الصالات مجمع يسمى بورصة طوسون باشا بالأسكندرية ، وبعدها بـ 23 يوما ، وقع أول عرض فى العاصمة القاهرة ، فى صالة ملحقة بأحد حمامات السباحة المجاورة لحديقة الأزبكية فى قلب تلك المدينة الكبيرة ، يدعى حمام شنايدر .

كانت العروض تستمر لبضعة أسابيع على الأكثر ، وكانت تنتقل من مكان إلى آخر ، ثم تعود أحيانا لذات المكان مرة أو أكثر من مرة . لقد كانت السينماتوجراف شيئا ناجحا لأنها كانت ’ بدعة ‘ gadget ، لا أكثر ولا أقل ، وما أن يزول التأثير المحظوظ للبدعة حتى تبدأ الحسابات الاقتصادية العسيرة . اقتصاديات عقد كامل كانت تقول الآتى فى مصر : الناس لن تدفع النقود لمشاهدة الأفلام وحدها . والحل هو أن تذهب السينما إليهم على هيئة فصول فى مسارح الترفيه العام كملاهى الرقص والتمثيل وفقرات السحرة والعرائس .

كان لا بد من الانتظار حتى ربيع 1906 ، كى تولد صناعة العرض السينمائى فى مصر . آنذاك قرر أحد مطاعم حديقة الأزبكية ، ويحمل اسم ’ محل سانتى ‘ أن يصبح أول قاعة عرض سينمائى دائمة تستمر عروضها لمواسم نصف سنوية كاملة متكررة ، وراح يضع شعار ديك شركة ’ باتيه ‘ الفرنسية . إلا أن هذه الشركة سرعان ما تخلت عن هذه الدار البدائية ، والتى صار اسمها بعد ذلك الشركة الپاريزية اعتبارا من عام 1911 ، وذلك طبقا لقراءات الناقد الكبير أحمد الحضرى فى الصحف المصرية فى الخمس وثلاثين سنة الأولى من تاريخ السينما ، والتى ضمنها مجلده ’ تاريخ السينما فى مصر ‘ 1989 ، الأكثر مرجعية وشمولية من نوعه حتى الآن .

ذات الحدث تكرر مرتين فى ذات العام 1906 فى الأسكندرية ، ففى الصيف أفتتحت دار عرض تحمل اسم شركة إيرپانورا الإيطالية ، وفى الخريف لحقت بها دار باسم ’ عزيز ودوريس ‘ . وقبل أن تفتتح باتيه ثالث دار عرض سينمائى متخصصة فى الأسكندرية فى صيف العام التالى ، كان عدد دور القاهرة قد ناهز الثمانية دور . أعقب ذلك افتتاح دار لاريانورا فى المنصورة عاصمة ثالث أكبر أقاليم مصر . ثم شهدت القاهرة افتتاح دارى عرض أخرتين على الأقل فى عام 1908 .

أصحاب دور العرض المبكرة لم يكونوا بذات حظ أصحاب العروض النقالى المؤقتة الأولى . وهذا واضح من أن نحو نصف دور العرض القاهرية ، قد أغلق قبل أن يتم عامه الأول ، وذلك إذا استندنا إلى بيانات الباحث جلال الشرقاوى ( موجه مسرحى شهير حاليا ) فى ’ رسالة فى تاريخ السينما العربية ‘ 1970 . فبنهاية عام 1908 كان عدد صالات العرض بالقاهرة خمسا ، وبالأسكندرية ثلاثا ، وبكل من بورسعيد والمنصورة وأسيوط واحدة . وهو استنتاج أو معلومات مقبولة لأن الأخبار الصحفية عن الدور الأخرى اختفت مرة واحدة إلى الأبد ، طبقا لما يمكن الخروج به من ثانيا كتاب أحمد الحضرى .

 

مولد أمة

تعثر التجارب الأولى لإنشاء دور عرض متخصصة لم يدم طويلا على ما يبدو . فبحلول عام 1910 يصبح من الممكن الحديث عن 30 دار عرض على الأقل . كما بات من الممكن أن يجرى البعض المقارنات علنا بين دور عرض باتيه المصرية ونظيراتها الباريسية . وأصبحت تضاف حفنة تتراوح من 5-10 دور سنويا . وبنهاية العقد الثانى للقرن كانت معظم عواصم الأقاليم تحظى بدار عرض واحدة على الأقل . وكان فى بورسعيد وحدها خمس دور عرض . أما فى القاهرة والأسكندرية فقد كان الازدهار على أشده . كما ظهرت لأول مرة دور العرض الصيفية فى حى هليوبوليس أو مصر الجديدة ، الذى كان يعد جبهة النمو الحضارى المتقدمة فى القاهرة . وظلت هذه الدور الجميلة ظاهرة مميزة لهذا الحى الراقى حتى وقت قريب . وإجمالا يمكن القول أن مصر دخلت إلى العقد الثالث للقرن بمائة دار عرض على الأقل .

هذه الدور كانت تتمتع بغلبة من الأفلام الفرنسية لا سيما انتاجات باتيه وجومون ، تليها الأفلام الإيطالية ، وأفلام الستوديوهين المجيدين ’ أوفا ‘ Universum Film Aktien Gesellschaft (UFA) الألمانى ، و ’ نوردسك ‘ Nordisk Films Compgni الدنمركى . لكن المثير لأبعد حدود الأثارة ، أن لا توجد فى الصحف المصرية المذكورة أية اشارة لعرض فيلم ’ مولد أمة ‘ 1915 ، الذى لا يزال يعد حتى الآن ثانى أنجح فيلم فى تاريخ السينما بعد مراعاة التضخم ، فقد حقق فى الشباك الأمريكى وحده ما يوازى 1500 مليونا من الدولارات اليوم ، ولا يتفوق عليه إلا ’ ذهب مع الريح ‘ ( 4 بلايين ‑وذلك طبقا لحسابات خاصة للكاتب لكتابه ’ دليل الأفلام ‘ ) . ومهما قيل عن عزوف المثقفين ورجال الأدب والفكر فى مصر عن السينما آنذاك ، باعتبارهما خيالا للظل لا يليق إلا بالأطفال ، فإن ’ مولد أمة ‘ كان شيئا أخرا . ليس فقط كرؤية وفكر جرئ وصريح فى قضايا حساسة ، إنما كإبهار تقنى يتفق اليوم على كونه الميلاد الحقيقى للسينما كفن . ولا يمكن لنا إلا أن نتصور أن تصبح مشاهد المعارك على الأقل فيه ، مثار حديث المصريين لشهور . وبالنسبة لدور العرض المصرية فهو فيلم يتجاوز طوله 13 ألف قدم ( أى 3 ساعات ) ، وما كان من الممكن إلا أن تغطى إعلاناته صفحات كاملة من الصحف ، فى الوقت الذى كانت تقسم فيه الأفلام ’ الطويلة ‘ ( ساعة فأكثر ) لتعرض مناصفة فى أسبوعين متواليين ، وسط ضجة أعلامية خاصة . ماحدث ببساطة أن مصر لم يقدر لها اختبار مجد الملحميات epics الطويلة إلا مع المارثوان الإنتاجى لستوديوهات أوفا ، ملحمة ’ النيبلو نجين ‘ 1924 Die Nilbelungen ( 6 ساعات ) .

لقد كانت السينما الأمريكية حتى قرابة نهاية العقد الثالث ، تتكون من مجموعة من الشركات المستقلة ، ولم تتبلور نظام الستوديوهات الخمسة الكبرى إلا بحلول الثلاثينيات ، وما ترتب عليه من آلية توزيع عملاقة . تحفل الصحف المصرية بإشارات متزايدة لعرض أفلام أمريكية فى عشريات القرن . إلا أن السينما الأمريكية لم تتمكن من إحتلال المرتبة الأولى على خريطة التوزيع إلا فى النصف الثانى للعشرينات ( كانت السينما المصرية تخطو أول خطواتها البدائية المتواضعة نحو الإنتاج الطويل ) . وتدل أسماء الوكلاء الأربعة الأربعة لتوزيع الأفلام طبقا لمجلة ’ سينما ‘ فى أواخر عام 1925 ، على أن ثلاثا منهم على الأقل متخصصون فى الأفلام الأمريكية ( تتحدث غالبا عن كبار الوكلاء فقط ) .

 

طلعت حرب

استحواذ الفيلم الأمريكى على ألباب الجمهور ، كان هو المحرك الأساسى فيما يبدو لبناء صناعة السينما فى مصر ، عبر تدعيم صناعتى العرض والتوزيع ، ثم التفكير فى التأسيس التدريجى لصناعة إنتاج محلية . صاحب هذا التفكير المنهجى والمتفهم للأهمية القصوى للبنية الأساسية الأولى بالإنشاء ، كان هو الصناعى الرائد طلعت حرب باشا حرب . فى عام 1924 أسس ’ شركة مصر للتمثيل والسينما ‘ كإحدى مؤسسات ’ بنك مصر ‘ . وكان الغرض منها طبقا للمرسوم الملكى بإنشائها أن تباشر لحسابها ، أو لحساب الغير ، إنشاء التياترات والسينما ، واستغلالها . وأن تحصل من الحكومة المصرية على أنواع الامتيازات لاستغلال تياترات الحكومة ، وأن تشترى الامتيازات المعطاة للغير ، وقد حدد رأس مال الشركة بمبلغ خمسة عشر ألف جنيها ، قسمت إلى 3750 سهما ، قيمة كل سهم أربعة جنيهات ، ونصيب بنك مصر ألفان وخمسائة سهم .

لا يعرف اليوم على نحو اليقين ، كم عدد دور العرض التى كانت تديرها شركة مصر للتمثيل والسينما ، باستثناء ما تجمع من أخبار مفردة عن المسارح التى تديرها الشركة ، والتى كان ملحقا بها حالات عدة دارا للعرض السينمائى . لكن المؤكد أن كان من بين هذه المجمعات أجمل دار صممت لجمهور الأحياء الشعبية ، وهى دار ’ مصر ‘ الشهيرة باسم ’ الحديقة ‘ نسبة إلى حديقة الأزبكية الكائنة بها .

افتتح طلعت حرب فرع السينما فى شركته رسميا يوم 23 مارس 1927 . وأعلن أنه لم يشأ الدخول لمجال الإنتاج السينمائى إلا بتدرج شديد ، أو ’ ببطء السلحفاة ‘ حسب وصف مجلة ’ الصور المتحركة ‘ ( ورد فى الحضرى ، 1989 ) . ونقلا عن كتاب إلهامى حسن ’ تاريخ السينما المصرية ‘ ( طبعة 1995 ) ، أن حرب باشا قال فى خطبة التأسيس : ’ إن الحكمة تقضى علينا التدرج فى صناعة السينما ، فنأخذ بالبسيط من عناصرها أولا . حتى إذا اتقنا صنعه ، ارتقينا فى النهاية إلى وضع الرواية بالصور المتحركة ‘ . وهو درس مذهل فى الوطنية كتعلم متواصل من الغير ، لا ترفع الاستقلال كمجرد شعار ديماجوچى ، وتحافظ على أعمق الصلات مع العالم المتقدم ، بما فى ذلك المستعمر طالما اقتضت الحاجة للقضاء على التخلف . وهو درس اتبعته كل الدول التى خرجت من ربقة الفقر والتخلف فى عالمنا المعاصر ، لكن ليست مصر التى انتصر فيها ديماجوچيو 1919 و1952 ، على أمثال عدلى يكن وأشباهه فى دنيا السياسة ، وعلى أمثال طلعت حرب وأشباهه فى دنيا الاقتصاد .

سار طلعت حرب فعلا فى هذا المنهج الجميل فى البنية الأساسية ، إلى أن أسس فى عام 1935 ‑أى بعد 11 سنة كاملة من عمر الشركة‑ أكبر ستوديو فى تاريخ مصر والشرق ، وأول مدرسة حقيقية للتقنية فيها ، ’ ستوديو مصر ‘ المجيد . وكانت تلك السنوات موزعة ما بين إنشاء وإدارة دور العرض ، وإنشاء وإدارة المختبرات ، وحشد وصقل الخبرات واستغلالها فى كتابة وإنتاج أفلام تسجيلية وإعلانية قصيرة .

وحتى اليوم يظل طلعت حرب رمزا لرجل الصناعة علمى التفكير بعيد النظر ، المؤمن بإرساء القواعد والبنى التقنية المتينة ، ثم المضى فى التنمية المتكاملة بناء عليها ، وتكفى المقارنة بينه وبين كل مستثمرى الإنتاج السينمائى فى مصر فى نصف قرن من بعده ، الذين لم يشأ أى منهم السعى لإنشاء مختبر واحد ، أو المناداة بكسر الاحتكار الحكومى لها ، عندما آلت للحكومة ملكية مختبرات ستوديو مصر . وينطبق ذات الكلام على إنشاء الستوديوهات . ذلك فى الوقت الذى لا تكف فيه عقيرة هؤلاء ’ الطفيليين ‘ بالمعنى الاقتصادى الحرفى للكلمة ، بالشكوى من سوء حالة هذه المختبرات والستوديوهات ، وفى نفس الوقت مقاومة تطويرها إذا كان هذا سيؤدى لرفع أسعار الخدمات فيها .

 

التصاعد الخطى

الربع الثانى للقرن العشرين زائد عقد الخمسينات ، هى سنوات التصاعد الخطى الثابت لصناعة دور العرض فى مصر ، والحدث الذى يستحوذ على الاهتمام كله ، كان افتتاح دار مترو القاهرة ، يوم 2 فبراير 1940 . فهذه لم تكن مجرد متعة للناظرين من حيث فخامة ديكوراتها ، وهوائها المكيف ، ومقاعدها الجلدية الوثيرة ، غير المسبوقة جميعا . كما لم كن مجرد جودة فى صورة وصوت العرض لم تعرفها الدور السابقة أيضا لم تكن مجرد ارتقاء فى أسلوب الخدمة ومعاملة الجمهور يحاول التفوق على ما كان قائما فعلا من أساليب الإدارة الراقية فى الدور المستقلة المملوكة لأفراد أجانب أو ذوى أصول أجنبية .

لقد كانت ’ مترو جولدن ماير —مصر ‘ مؤسسة ثقافية متكاملة كبرى . كانت ‑ولا تزال‑ تتيح فى صبيحة الجمعة ‑يوم العطلة‑ عروضا خاصة للأطفال . ثم كانت فى ظهيرة ذات اليوم تتيح عروضا خاصة لمثقفى السينما ، كانت بكل المعايير أول ناد للسينما فى تاريخ مصر . والشق الخاص بالتوزيع فيها كان عبارة عن مكتبة عملاقة للأفلام قديمها وجديديها . زائد مكتبة موازية من مقاس 16 مم لهواة الاقتناء ، أو للعروض المتنقلة وعروض التجمعات والمنتديات الخاصة . كانت هذه المكتبة تجدد اولا بأول بنسخ جديدية لتكون فى أفضل حالة طوال الوقت . وليس من عجب أن هذه الشركة ( التى استضافت دوما فى مبناها الملحق بدار مترو ، اتحادات التوزيع التى شاركت فيها مترو مثل ’ سى آى سى ‘ ، ثم حاليا ’ يو آى پى ‘ [ بعد قليل باتت قصرا على پاراماونت ويونيڤرسال ] ) ، هى الستوديو الهوليوودى الوحيد الذى يمتلك دورا للعرض فى مصر . وهذا للأسف أيضا ، فهذه الدور لا تزيد عن واحدة بالقاهرة وأخرى بالأسكندرية ، ثم أن الستوديوهات الأخرى لم تحاكها ، فيما عدا تأجير فوكس لدراين مشابهتين فى الخمسينيات ، لكنها فقدت القاهرية منهما ( دار كايرو ) ، بانتهاء عقد التأجير ، لم يبق لها سوى دار أمير بالأسكندرية منذ أوائل الثمانينيات .

UIP Official Site 2003:

Our History Formed in 1981 as successor to Cinema International Corporation (CIC), UIP has invested directly in 36 countries and is represented in 177 other countries, through a network of licensees and agents. UIP is a joint venture owned in equal parts by Paramount and Universal. The structure of UIP enables its owners to reduce the high costs involved in a worldwide distribution network, and channel such savings into product development.

Our Role UIP distributes the films of its Partner Studios in the international marketplace outside of North America. However UIP’s role is not limited by this arrangement. With a comprehensive network of branches and subsidiaries, joint ventures, licensees and agents around the globe, UIP has an enviable record of acquiring pictures from all around the world for distribution on a local, regional and international basis.

Our Credentials UIP has a formidable reputation for supplying quality entertainment, both specialist and mainstream, to the world’s cinema screens. From Top Gun to Schindler’s List, from Babe to Billy Elliot, from Mission: Impossible to Shakespeare in Love, UIP is in an unparalleled position to maximise the potential of motion pictures around the world.

أيا يكن من أمر ، فقد أخذ منحنى دور العرض المصرية صورة الصعود الخطى المستقيم الصارم لأكثر من نصف قرن . بحيث يعد الخمسينيات هو العصر الذهبى لدور العرض فى مصر . وطبقا للطبعة الرابعة من ’ الدليل السينمائى للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ‘ الذى كان يصدره چاك پاسكال ، رائد وعملاق معلومات السينما فى مصر والشرق الذى لا يضارع حتى يومنا هذا ، فإن دور العرض عام 1954 كانت 350 دارا منها 117 بالقاهرة و50 بالأسكندرية و183 بالأقاليم . هذه الأرقام ذاتها طفرة ( مرجع الأرقام من الآن فصاعدا المطبوعات الرسمية لوزارة الثقافة وهيئاتها ) ، بحيث زادت 41 دارا فى الأقاليم فى 4 سنوات فقط ، بينما لم تفقد القاهرة والأسكندرية المشبعتين بدور العرض سوى واحدة فقط لكل منهما ، بمعنى أن أصبح عدد الدور الكلى فى 1958 ، 389 دارا . وبحلول عام 1960 كانت دور العرض تلامس حاجز الأربعمائة دار عرض . هنا بدأ المنحنى انكساره المخيف إلى أسفل . لقد حلت بمصر الكارثة الأكبر اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا ، الكارثة التى لم تتوقف من بعدها الكوارث .

 

الاشتراكية والقومية العربية

فى 1961 ، كان قد مر على رحيل اليهود والأجانب 5 سنوات ، وكان الأثر الاقتصادى والإدارى لهذا الرحيل ، قد بدأ يؤتى ثماره فى صورة تدهور إدارى مروع ، وفشل فادح فى الرؤية ، لدى أولئك الذين تصدوا لملكية المنشآت التى تركها هؤلاء . إلا أن هذا وحده لم يكن كافيا لجعل مصر تفقد أكثر من ثلث دور عرضها فى غضون السنوات الخمس التالية حتى 1966 . لقد جاءت الاشتراكية ، وجاءت معها التأميمات والقطاع العمومى الفاشل والتقوقع الحاد للاستثمار الخصوصى . ثانيا جاءت نعرة القومية العربية ، وجاء معها بالضرورة كراهية كل ما هو أجنبى ، ورفض للتعامل أو حتى التعلم منه .

ذهبت إلى حيث لا يعرف أحد ، الثقافة العالمية ذات التوجهات التحررية والانسانية الرحبة . هذه الحساسيات المجنونة وصلت إلى ذروتها عشية اكتساح جيش الدفاع الأسرائيلى لسيناء فى ساعات محدودة ، بعد تدميره لكل سلاح الجو المصرى فى الدقائق القليلة التالية للتاسعة من صباح الاثنين 5 يونيو 1967 . فقد تقرر منع ومحاصرة معظم الأفلام الأميركية ، وغالبا لأتفه الأسباب ، باعتبارها ’ أداة إمپريالية ‘ . وراحت أعراض حمى القش ترتفع لدى كل كتاب مصر دون استثناء واحد يمكن ذكره . ويكفى الرجوع لمجلد تلك السنة من أعداد مجلة ’ الكواكب ‘ مثلا ، لتجد سيلا من الخطب الرنانة ، ينتزع معظم مساحة المجلة المخصصة عادة للصور شبه العارية للنجمات المصريات والأجنبيات . كل خطبة من تلك الخطب ، تترصد ما يخيل لها أنه رأس الأفعى الطائر . وقد وصل الأمر مثلا لحد المطالبة بنزع الجنسية عن ممثل مصر الأشهر عمر الشريف ، لمجرد مشاركته باربارا سترايساند اليهودية بطولة الفيلم الموسيقى ’ فتاة مرحة ‘ وذلك فى خريف 1967 .

فى ظل هذه الأجواء ’ القومية / العربية / الاشتراكية / الوطنية ‘ اندثرت فرص الترفيه والثقافة الجميلة الرفيعة ، لتحل محلها ثقافة معلبة سلفا ، ذات مواصفات ضيقة وانعزالية للغاية ، نافرة ومنفرة لأبعد الحدود ( امتدت على استقامتها الطبيعة فيما بعد لتصبح سلفية دينية إرهابية شرسة ) ولا غرابة أن يبدأ الانسحاب الكبير للجمهور من دور العرض مع الستينيات ، والذى لم تفلح العقود التالية فى استعادته إليها أبدا .

لقد هوى بسرعة معدل المشاهدة من 3.5 مرة سنويا عام 1960 ( قرابة 80 مليون تذكرة ) ، إلى مرتين ونصف عام 1966 ( 65 مليون تذكرة ) ، إلى أن صار أخيرا مرة واحدة كل ثلاث سنوات ( 19 مليون تذكرة ، هذه طبقا لآخر أرقام ملفات صندوق التنمية الثقافية ، لم تنشر إلا فى صورة مقالين موجزين للكاتب ، عام 1993 فى جريدة ( العالم اليوم ) الاقتصادية اليومية ومجلة ’ الفنون ‘ . وهو يعتقد أنه قد لا يوجد مستقبلا أى مصدر لمعرفة عدد الرواد ، إذ إن صندوق التنمية كف عن تحصيل ضريبة القرش المخصصة له فى أسعار التذاكر ، بعد أن أصبحت تكلفة ارسال مكاتبات ومندوبين للتحصيل من مأموريات الضرائب العقارية . بالمحافظات ، أكبر من الحصيلة نفسها ! ) .

 

القطاع العمومى

أكثر ما يلفت النظر فى الترسيم البيانى لعدد دور العرض فى مصر المرفق بهذه الدراسة ، هو ذلك التسطح النسبى لمنحنى القاهرة والأسكندرية . هذا يعنى أن الأقاليم هى الأشد تأثرا سواء بالانكسار الحادة الحادة والأخطر من نوعها فى عقد الستينيات ( العقد الذى يعتقد البعض أنه عقد ازدهار ثقافى لا سيما فى الأقاليم ) ، أو بالانكسارة الجديدة فى منتصف التسعينيات ، والتى ستحين بعد قليل الاشارة لها .

فى عقد الستينيات دخلت الحكومة مجال الاستثمار فى دور العرض ، بالضبط كما دخلت مجال الاستثمار فى الإبر والصواريخ . من بين شركات القطاع العمومى السبع التابعة لمؤسسة المصرية العامة للسينما والأذاعة والتليڤزيون ، المنشأة بالقرار الجمهورى رقم 48 لسنة 1963 ، توجد شركة برأسمال قدره 650 ألف جنيه مصرى تحمل اسم ’ الشركة العامة لتوزيع وعرض الأفلام السينمائية ‘ وفى العدد الأول الخاص بعام 1963 من الكتاب الرسمى الصادر عن هذه الشركة ، تعريف بالشركة ، ورد فيه أنه بصدد دراسة مشروع لبناء 4000 دار عرض سينمائى بحيث يكون ثم دار بكل قرية ’ تعميما لاشتراكية الترفيه والمعرفة ‘ حسب نص الكتاب .

بحسبة بسيطة فإن إنشاء كل دار كان سيخصه من رأس المال للشركة 162 جنيها وخمسون قرشا . وبالطبع لم يتم تنفيذ أى شىء من هذا . وفى ذروة نشاط الشركة آنذاك ، كانت تدير 58 دار عرض فى 16 محافظة ، منها 26 بالقاهرة وبالأسكندرية وحدهما ، ولم يكن أى من جميع هذه الدور من إنشاء الشركة نفسها .

بدلا من إنشاء آلاف الدور الاشتراكية المزعومة ، راح العدد يتدهور سريعا فى 1980 أصبح العدد 32 دارا فقط ، كلها بالقاهرة والأسكندرية ، عدا اثنتين فقط منها فى مدينة بورسعيد . وتراجعت الطموحات الرسمية للشركة التى أضحى أسمها ’ شركة مصر للتوزيع ودور العرض ‘ ليصبح طبقا لكتابها الرسمى ’ بانوراما السينما المصرية 27-1980 ‘ ، إقامة دار عرض مكيفة فى كل حى من أحياء القاهرة والأسكندرية ، أو ما أسمته الشركة ’ سينما الحى ‘ ، زائد دار مكيفة واحدة فى عاصمة كل محافظة ، بل وربطت تنفيذ هذه الأخيرة بمدى تعاون المحليات معها .

اليوم ، وبعد 15 عاما من هذه اللحظة ، نجحت الشركة فقط وفى أفضل الأحوال ، فى تحديث دور العرض القائمة . ويقصد بالتحديث مقاعد متوسطة الجودة ، ومعدات عرض جديدة ، لكن ‑وفيما عدا دار وحيدة‑ بدون تقنيات الصوت المتقدمة ( وأحيانا أسقف خرسانية جديدة انهار أحدها بيجال من الذاكرة فى الأسبوع الأول لإعادة الافتتاح ! ) . أما من حيث العدد فقد هوى مرة أخرى ليصبح فى 1995 سبع عشرة بالقاهرة وأربعا بالأسكندرية ، وواحدة بكل من پورسعيد وسوهاج !

دور ثان ومهم وفعال للدولة ( لعله التطبيق الوحيد الجاد لشعارات الستينيات ) ، هو قصور الثقافة التابعة للثقافة الجماهيرية فى عواصم المحافظات ، ومنها 15 على الأقل تضم دار عرض سينمائى تجارية . عملت هذه الدور خلال السبعينيات على تقديم أفضل الأفلام المتاحة ، وتوصيلها لجمهور نهم من الشباب المثقف فى الأقاليم ويمكن ضرب المثل بقصر ثقافة مدينة الصعيد أسيوط ، الذى كان يأتى بفيلم جديد كل نصف أسبوع ، لم يكن بينها طوال عقد السبعينيات فيلم مصرى واحد ، أو حتى فيلم أجنبى لموزع مستقل ، إنما كانت جميعا من الأفلام الجديدة أو الكلاسية لدى فروع ووكلاء ستوديوهات هوليوود الكبرى وحدها ( تجربة خاصة للكاتب رواها فى كتاب ’ سينما 1995 ‘ الصادر عن هيئة قصور الثقافة ) .

هذه الدور قضى عليها جميعا بضربة واحدة عام 1994 ، بقرار إغلاق صادر عن وزير الثقافة ، لمجرد وجود شبهة فساد إدارى وكأنه ‑أى الفساد‑ كارثة لم يسمع بمثلها فى مصر من قبل ، أو أن لا توجد طرق أخرى للتعامل معه ، غير هدم المعبد ( الخصخصة مثلا ! ) .

اللاعب الآخر الذى يستحق التنويه ، هو شركة اتحاد الفنانين . وهى شركة قطاع خاص أسهم فى تأسيسها قبل 5 سنوات ، عدد من كبار الممثلين المصريين ، ويرأس كرسى مجلسها النجم المخضرم فريد شوقى . هذه الشركة بدأت فى تأجير أو شراء بعض الدور القائمة ، وتجديدها . العدد لا يزال حتى الأن فى حدود أصابع اليد . إلا أنه يتنامى ، بالطبع فى حدود الموارد المحدودة لهذه الشركة . ورغم وسطية التجديدات العامة ووسطية الانضباط ومعاملة الجمهور فيها ، إلا أنه يحسب لها إدخالها للتقنيات الحديثة فى بعض دور العرض التابعة لها . مثلا انفردت بإدخال تقنيات الأبعاد الثلاثية فى أربع دور عرض ، جنبا إلى جنب مع نظام ’ الدولبى ستيريو ‘ الصوتى فى بعضها .

وقصة العلاقة بين دور العرض المصرية والتقنيات الحديثة ، قصة تستحق أن تروى تفصيلا ، مباشرة بعد هذا التنويه العابر باللاعب الذى كان يحتل ذات الدور الذى تقوم به اتحاد الفنانين حاليا ، كشركة خاصة بذات الحجم تقريبا من دور العرض ، وهو شركة ’ أخوان جعفر ‘ التى تقلص دورها كما وكيفا بشدة الآن .

 

التقنيات الحديثة

إذن صورة اليوم مظلمة تماما من حيث كم دور العرض ، ويوشك المنحنيان على الالتقاء ، بما يعنى اختفاء دور عرض الاقاليم كلية . على الأقل توجد 6 محافظات بلا دور عرض بالمرة اليوم ، منها محافظات كثيفة سكانيا مثل المنوفية والسويس . لكن الوجه الآخر للصورة والخاص بالكيف ، قد يكون أقل قتامة . خاصة مع تذكر أنه قبل عقد واحد من السنوات ، كان يندر أن تجد جهاز تكييف أو دورة مياه أو ربما كرسيا سليما حتى فى دور العرض المسماة دور الدرجة الأولى . ناهيك عن الانعدام شبه الكامل للصوت والصورة ، وهمجية الجمهور مع بعضه البعض ، ومع الفيلم المعروض ، والتى لا تفوقها سوى همجية موظفى هذه الدور أنفسهم .

فى منتصف السبعينيات دخلت مصر مرحلة الانفتاح الاقتصادى ، ولاح لوهلة أن كابوس التشريعات الذى وصل بالاستثمار فى دور العرض إلى هذا التقشف المريع ، قد ينزاح . ما حدث هو العكس ، ارتفاع حاد فى أسعر مسطحات الأراضى والبيزنيس فى القاهرة والمدن الكبيرة ، جعل دور العرض الفسيحة الهدف رقم 1 للبلدوزرات . ولم يفلح التشريع الجديد الذى يجبر تلك المبانى الشاهقة التى حلت محل دور العرض ، أن تحوى هى نفسها دارا للسينما داخلها ، لم يفلح فى وقف زحف البلدوزرات ، لتدهس القانون نفسه أيضا .

على أنه فى صباح الاثنين 7 مايو 1984 ، استيقظت مصر على شىء لم تعهده من قبل قط . دار سينمائية تتكون من قاعتى عرض فخيمتين ، ليس بمجرد مقاعد رائعة من القطيفة الزرقاء الجميلة ، وصوت وصورة لم يحلم بهما أحد من قبل ، إنما بانضباط صارم من الجمهور والعاملين ، سواء من حيث الصمت وعدم التدخين وأماكن المشروبات والمأكولات …إلخ . وإمعانا فى التميز وضعت إحدى القاعتين شاشتين عملاقتين جانبيتين لعرض مناظر زاحفة للسحب والنجوم اسقطها عليهما پروچتوران دوران أثناء الاستراحة . وهو أسلوب غير شائع حتى على مستوى الدول المتقدمة نفسها .

هاتان القاعتان هما ’ كريم 1 ‘ و ’ كريم 2 ‘ . وقد تبنى فصلهما وتجديدهما ، زائد إنتاجه وتوزيعه لعدد مهم من الأفلام المصرية والأجنبية الممتازة ، المنتج سورى الأصل حسين القلا ، وذلك باستثمارت سخية لم تشهد صناعات العرض والتوزيع والإنتاج مثلها من قبل فى مصر ( الفكرة نفسها ترجع للموجه المصرى يوسف شاهين ، فيما يعد واحدة من أفضل إضافاته لصناعة السينما التى أضرها كثيرا بأفلامه ) .

ليس المهم فى قاعتى كريم ، الدار فى حد ذاتها . فهما فى النهاية قاعتان صغيرتان وتعملان بنظم صوت تقليدية . إنما المهم هو الشرارة التى أطلقتها هذه الدار . ففى الاثنين 19 سبتمبر 1988 ، افتتحت دار أكثر أهمية بما لا يقارن هى دار التحرير . الجديد فى هذه الدار أنها أول دار تدخل نظام صوت الدولبى ستيريو فى مصر . لكن الأهم والأعمق بكثير كان موقع هذه الدار . لقد كانت سينما التحرير أول كسر لقاعدة قارب عمرها القرن ، هى أن تنشأ الدور السينمائية المهمة فى المثلث التجارى الصغير لوسط مدينة القاهرة . هذه الدار أنشئت فى شارع التحرير بحى الدقى ، وهو من أحياء المدينة الراقية .

سرعان ما سرت هذه الشرارة الجديدة ، لتصبح مبدأ يقول أن اذهبوا بالدور الفخمة إلى حيث الجمهور الكسول لكن القادر ماديا وتعليميا على استهلاك منتجاتها وتقدير ما بها من جودة . إنه تقريبا نفس مبدأ سينما الضواحى الذى عرفت السينما فى أميركا فى أواخر الأربعينيات لمنافسة غزو التليڤزيون .