العرب ومستقبل الثقافات القومية

لماذا نحن دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ؟
—أو : لعنة الچيين المفقود !

Arabs and the Future of National Cultures

Why We’re Always on the Wrong Side of the Battle of Civilization?
—Or: The Curse of the Lost Gene!

 

| FIRST | PREVIOUS | PART I | NEXT | LATEST |

 

الآن :

العرب ومستقبل الثقافات القومية

لماذا نحن دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ؟
—أو : لعنة الچيين المفقود !

Arabs and the Future of National Cultures

Why We’re Always on the Wrong Side of the Battle of Civilization?
—Or: The Curse of the Lost Gene!

الدراسة الرئيسة لصفحة الثقافة على هيئة ملف .pdf أنيق سهل التنزيل والطباعة …

هذه الدراسة التى تقع فى نحو 140 صفحة ( أو نحو 4 ميجا بايت ) ، وكتبت ما بين أپريل 1992 ومايو 1996 ، هى أقدم ما عمم حصريا من خلال قسم الرأى بالموقع ، وتمثل تلخيصا متكاملا لأغلب ما طرح فيه من أفكار جريئة وصادمة على مدى قرابة عقد كامل .

هذه الدراسة التى ستضاف لكتاب ’ حضارة ما بعد الإنسان ‘ الأقدم الذى عمم مستقلا مطبوعا سنة 1989 ، ويمثل أيضا حجر زاوية أساس لأفكار هذا الموقع ، انضمت الآن الفكرة قديمة والخاطر فجائى بعد الافطار يوم عطلة السبت 20060325 11:54 ص واستغرق التنفيذ 3 ساعات ونصف مثله إلى كوكبة المواد التى أصبحت متاحة فى صورة كتب .pdf للتنزيل مجانا .

تنزيل كتاب ’ العرب ومستقبل الثقافات القومية ‘ هنا

تنزيل كتاب ’ حضارة ما بعد الإنسان ‘ هنا

القائمة الكاملة للكتب والكتيبات المتاحة كملفات .pdf هنا

 

NEW: [Last Minor or Link Updates: Wednesday, January 13, 2010].

 

Mustafa Kemal AtaturkGeronimo

 December 1999: A major study written between 1992-96 on Arabs and the Future of National Cultures posted. This is the third opinion page in the Think Internet! Month and the biggest in this site and in the whole Arabic Internet.

 

ê Please wait until the rest of page downloads ê

 

‘Something is rotten in the state of Denmark

Hamlet

’ الثقافة كاللغة إما أن تقبلها كلها أو تتركها كلها ‘

مارجاريت مييد ê

’ علينا الأخذ بحضارة الغرب ما يستحب منها وما يعاب ‘

وردت فى تراث العبيد ص 52 طه حسين ê

’ أنت لا تستطيع مهاجمة الغرب باستخدام ميكروفون مصنوع فيه ‘

زكى نجيب محمود ç

’ موتوا ! ‘

ورد فى على سالم ص 130 نجيب محفوظ

—عن الانغلاق العربى والشكوى من الغزو الثقافى ê

‘Might is right’

Literally ‘Justice is nothing else than the interest of the stronger.’

Previously Cardinal and Duke de Richelieu Diplomacy, Chapter Three. Ignored 20030807 OOLinkNEW http://unr.edu/homepage/nickles/wthonors/perspective.htm then my The Internet Encyclopedia of Philosophy [www.utm.edu/research/iep/text/Plato/rep/rep.rtf] (not available anymore but text is everywhere now) and Britannica Ethics - Ancient ethics - Ancient Greece Thrasymachus the Chalcedonian

As in Plato’s The Republic Book I (Of Wealth, Justice, Moderation, and Their Opposites)

‘Today, after more than a century of electric technology, we have extended our central nervous system itself in a global embrace, abolishing both space and time as far as our planet is concerned’

more Marshall McLuhan

Understanding Media (1964)

‘The new electronic interdependence recreates the world in the image of a global village’

more Marshall McLuhan

The Medium Is the Message (1967)

‘It’s all in the genes!’

Everybody, except the leftists

‘It’s the economy, stupid!’

OLink200211/11SAFI sign James Carville campaining 1992 Clinton put over his desk phrases.shu.ac.uk/bulletin_board/18/messages/764.html From 'Safire's New Political Dictionary' 1993 Everybody, even stupids

جيل الهزيمة يدعونا للثأر من هزائم الماضى بإضافة هزيمة جديدة كل عشر سنوات . الكارثة ليست هنا ، إنما فى أنهم بشعاراتهم العمياء وعجرفتهم العروبية والإسلامية الجوفاء يضللوننا عن حقيقة أننا نهزم مرة كل يوم يعود فيه أطفالنا من المدرسة دون تلقى التعليم العصرى الحقيقى العلمانى النظيف ، ونهزم خمس مرات فى اليوم كلما قرعت الأجراس تدعونا لتلاوة نفس تعاويذ وخزعبلات اليوم السابق ، بل ونهزم 86400 مرة بعدد الثوانى التى ننغلق فيها أو لا ننضو عنا ثوابتنا وهويتنا المتخلفة لنجارى بقية الشعوب سباقها المرعب فى التقنية والعلم والاختراع .

ما سبق من بنى مزار للمنيا 06:30 -07:00 م 20020504 لماذا نحن دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة … هذا هو السؤال !

 الدراسة الرئيسة لهذه الصفحة مريكا امريكا أمريكى امريكى أمريكية امريكية الأمريكى الامريكى الأمريكية الامريكية عربي العربي بدأت فى الظهور كمادة معممة ‑تحديدا الفقرات الأولى منها‑ كتعليق للكاتب مدحت محفوظ فى جريدة ’ العالم اليوم ‘ الاقتصادية اليومية صبيحة التوقيع المبدئى للاتفاقية العامة على التعريفات والتداول ( جات ) فى ديسيمبر 1993 . هذا التعليق الذى تناول فيه الأوقاع المحتملة للاتفاقية على النواحى الثقافية ، أصبح تذييلا ثابتا لمحاضراته ذات البعد المستقبلى التقنى والتى كانت تحمل عادة عنوان ’ الرقمية ‘ أو ’ العصر الرقمى ‘ وألقيت فى مناسبات مختلفة فيما بين عامى 1993 و1995 . ثم أخيرا عممت تلك الدراسة المجمعة مرة أخرى فى صورتها النهائية فى العدد التذكارى لمجلة العربى الكويتية فى يونيو 1995 بمناسبة مرور مائة عام على ظهور السينما ، وفى كتاب مهرجان الإسماعيلية الدولى للأفلام التسجيلية والقصيرة فى نفس العام .

على أن ذلك هذا الجزء الموجز من ديسيمبر 1993 والخاص تحديدا بقضية الجلوبة ، كان مجرد الجزء الظاهر من مشروع آخر أكبر بدأ قبله بسنوات ، هو كتاب بعنوان ’ الهوية العالمية —انتماء الفرد فى عصر اضمحلال الأمم الدينية والقومية والوطنية ‘ ( إليك صورة مكبرة لصفحة مبكرة بخط اليد بتاريخ 25 أپريل 1992 ، الحقيقة هى من مخطط 20 أپريل 1993 لكنها تمثل تصورا شبه كامل فى صفحة واحدة وكأنه جاء من تصور سابق ثم تعرض للإضافة عندما كان مخطط الكتاب مجرد صفحة واحدة بعد ، تشير لكتابات سابقة غير معممة للمؤلف وتقترح أجزاء ومراجع جديدة ! ) .

فى 20 أپريل 1993 اكتمل المخطط العام لهذا الكتاب ، وكان عبارة عن ملخص لكل فصل على حده . تقريبا هذا هو ما سوف تقرأه الآن ، ذلك أن ما حدث أن تأجلت للأسف فكرة الكتاب المذكور بسبب مشروعات أخرى للكاتب صرفته عنها الواحد تلو الآخر . من ثم تم فى مايو 1996 تجميع تلك الفصول الموجزة فى دراسة واحدة مطولة ، تصلح للقراءة المتصلة .

بالطبع تم هنا وهناك بعض التنقيح لتلك الفصول الموجزة المجمعة . لا سيما وأن متغيرات نوعية مهمة كانت قد استجدت للتو فى الشهور الأولى من تلك السنة ، كان من أبرزها قدوم الدكتور كمال الجنزورى لرئاسة الوزارة فى مصر ، وبنيامين نيتانياهو لرئاستها فى إسرائيل ، بما أوحى بمعطيات جديدة لمصر وللمنطقة العربية ككل . هذا النص ظل على حاله الذى ستراه الآن منذ مايو 1996 ، حيث هذه النسخة ’ النهائية ‘ هى التى كانت معدة للتعميم فى كتاب ’ دليل الأفلام ‘ الذى صدر فى أغسطس 1998 ، إلا أن تعميمها تأجل مرة أخرى بناء على مبدأ الاكتفاء بدراسة واحدة للتوضيبة الواحدة ، ومن ثم عممت فقط دراسة نظرية الفيلم الهولليوودى .

فى عالم الجلوبة الجديد المقدام الذى نحن مقدمون عليه لن يقسم الكوكب وسكانه لدول وقوميات إنما إلى شركات ، هذا يتبع مايكروسوفت وهذا يتبع شل وهذا يتبع فايزر وهذا ’ بدون ‘ لا وطن له ، وهلم جرا !

Think Internet! هو الشعار الذى اخترناه لموقعنا هذا الشهر ( ديسيمبر 1999 ) ، دشن فى الثانى منه بتعميم هذه الدراسة الأخيرة كأول صفحة عمود رأى متخصصة باللغة العربية على الغشاء ، تحت اسم هولليوود .

الصفحة المستقبلية التى سبق تعميمها وتحولت لسلسة محاضرات كما قلنا فى البداية ، فقد قمنا بفصل القضايا التقنية الخالصة ، وعممت قبل أيام قليلة تحت عنوان موجز تقنى لصناعة الترفيه لتصبح ثانى صفحة رأى فى هذا الموقع تحت عنوان التقنية .

ثم ها نحن نبرد اليوم الجزء الخاص بالجلوبة والذى سردنا للتو تاريخ تطوره من الثمانينيات حتى سنة 1996 ، ليكون نواة لهذه الصفحة التى تراقب بالخبر والتحليل قضايا الجلوبة وأوقاعها الثقافية أو عامة قضية الصدمة المستقبلية لدى الشعوب المتخلفة . [ لاحقا أصبحت globalization.htm تغطى قضايا مختلفة أكثر تخصصا ، وتغير اسم الصفحة كما تقرأها الآن إلى culture.htm ] .

إذا لم تكن هويتنا ، أو فى التحليل النهائى جذورها الچيينية ، هى السبب الأصيل لتخلفنا ، فما الذى باستطاعته أن يكون السبب إذن ؟ جميع الشواهد تقول إن العقل العربى غبى عشائرى پارانويى ذاتى متخلف انفعالى وجاهل ؛ المكون الثقافى أهم عنده من كافة مقومات الحياة المادية . وهذه هى بالضبط مواصفات الشعوب التى انقرضت أو أبيدت كالهنود الحمر أو الأبوريچين .

باختصار شديد : لو كان فى هويتنا شىء واحد جيد لما كانت هذه هى حالنا !

بهذا نكون قد أنهينا خطة إبراد هذه الدراسات الثلاث المطولة بمناسبة هذا الشهر وذلك الشعار . هذه الدراسات يجمعها أنها كتبت من قبل ومن ثم لم تكتب خصيصا من أجل الموقع . من هنا نعدكم فى العام الجديد ، العقد الجديد ، القرن الجديد ، الألفية الجديدة ، بمزيد من صفحات الرأى جديدة حافلة ولا تقل إثارة للفكر والتأمل . فقد ولد مبدأ صحافة الرأى الإنترنيتية ولا نعتقد أنه سيتراجع أبدا . فقط كونوا معنا !

الهدف الرئيس لهذه الصفحة هدف مزدوج . أولا محاولة عامة لرسم ملامح عالم الجلوبة الجديد المقدام الذى نحن مقدمون عليه . عالم لن يقسم فيه الكوكب وسكانه لدول وقوميات إنما إلى شركات ، هذا يتبع مايكروسوفت وهذا يتبع شل وهذا يتبع فايزر وهذا ’ بدون ‘ لا وطن له ، وهلم جرا . ثانيا وهو الأهم والأكثر توسعا ، محاولة تحليل العقلية العربية ، والمكونات العضوية والبنيوية فيها ، والتى جعلتنا دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ، منذ إخناتون ( التوحيد ) مرورا بالإسلام ( المزيد من التوحيد ) وانتهاء بعبد الناصر ( مصر العظيمة مصر العزيمة مصر الهزيمة ) وصدام حسين ( أم المعارك ) . وستحاول بالتالى الإجابة على سؤال هل من الممكن تجاوز هذا المصير القدرى ، أم هو فعلا قدرى أو چيينى أو حتى اخترناه بوعى .

من ثم يصبح السؤال : إذا لم تكن هويتنا ، أو فى التحليل النهائى جذورها الچيينية ، هى السبب الأصيل لتخلفنا ، فما الذى باستطاعته أن يكون السبب إذن ؟ جميع الشواهد تقول إن العقل العربى ‑وربما المصرى بالتبعية والتطبع‑ غبى عشائرى پارانويى ذاتى متخلف انفعالى وجاهل ؛ المكون الثقافى أهم عنده من كافة مقومات الحياة المادية . وهذه هى بالضبط مواصفات الشعوب التى انقرضت أو أبيدت كالهنود الحمر أو الأبوريچين .

باختصار شديد : لو كان فى هويتنا شىء واحد جيد لما كانت هذه هى حالنا !

نحن نرحب بكافة المساهمات من تعليقات أو أخبار من زوار الموقع من خلال المساهمة المباشرة فى لوحة الرسائل إضافة أو قراءة أو بالكتابة عبر البريد الإليكترونى .

 

 

 

  ديسيمبر 1993 - مايو 1996 :

العرب ومستقبل الثقافات القومية

لماذا نحن دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ؟
—أو : لعنة الچيين المفقود !

Arabs and the Future of National Cultures

Why We’re Always on the Wrong Side of the Battle of Civilization?
—Or: The Curse of the Lost Gene!

 

The Coca-Cola's commercial titled 'Hilltop' or best known by its song 'I'd Like to Buy the World a Coke' (1971)

Kimonos, Dashikis, Dirndls, Saris, Trench Coats, Miniskirts, etc…

Some Say This Was the Best TV Commercial Ever Made. Others Say It Was Also the First Declaration of Contemporary Globalization!

(Read the New York Times story)

اتفاقية الجات هى الصياغة القانونية لما يسمى الجلوبة ، فالجات تقنن إلغاء كافة القيود ، وتجعل العالم قرية جمركية وثقافية واحدة بمعنى الكلمة .

PDF File

This entry is available in PDF format for handsome, ready and double-sided printing. Click the above icon to download the file.

For a full list of PDF files click here.

هذه الاتفاقية ، وبكافة المقاييس ، تعد انتصارا ليس له نظير ، لا فقط لحرية التجارة ولحق المستهلك فى الاختيار ولمبدأ الأرض لمن يستعمرها وحسب ، بل ولوحدة وحرية الثقافة العالمية ، ذلك إن لم تكن تعريفا جديدا لمفهوم الحرية فى حد ذاته .

توضيح : الجلوبة Globalization من الجلوب وهى كرة الأرض ، وأحيانا تترجم ’ الكونية ‘ وهذه مبالغة مضحكة ، أو العولمة وهى ترجمة سخيفة لكلمة worldization وهى كلمة لا وجود لها فى الإنجليزية . نفس الحال مع كلمة الكوكبية …إلخ ] .

هذا التقنين للمستقبل يضع الثقافات القومية فى مفترق طرق لم يسبق له مثيل فى التاريخ : فإما أن تقبل الانصهار والذوبان فى الثقافة العالمية الواحدة ، أو أن تصر على ما تسميه ذاتها وتراثها وتقاليدها ، وهو ما يعنى التقوقع والخروج الطوعى من عجلة التاريخ .

Andy Warhol's 'Silver Coke Bottles', 1967.

20205 23WARH, 23warh.slide2.jpg An Icon of Cultural Globalization!

[Later in October 2002 we ran a separate story on Coca-Cola].

الاتجاه الأول تمثله أميركا ، فهى ترفض كل القيود على حرية الثقافة ، كما تطابق بين الابداع والمال الذى يمول هذا الابداع ، بحيث يصبح الأخير مالكا لكل شىء ، وتعتبر أن هذا هو سر القوة الدائمة لمنتجاتها الثقافية وغير الثقافية ، فى السينما مثلا والكلام ينطبق على كل الأنشطة الثقافية الأخرى ، بدءا من الأغانى حتى برامج الحاسوب ، قدمت أميركا النموذج الذى يحتذى ، فهى لم تصدر لنا مطلقا الحياة أو الثقافة الأميركية كما يقال عادة ، ولو فعلت ذلك لما نجحت أفلامها أبدا ، إن السينما الأميركية ومنذ وقت مبكر جدا سينما تم تصميمها ، لتكون عالمية وليس أميركية ، وذلك كى يفهمها الجميع وتشبع الجميع ويحبها الجميع ، وأهم كل شىء أن تجد من يشتريها ، ( ذلك إن لم نقل إنها صممت لتكون فقط سينما بالمعنى الصحيح للكلمة ، وهو ما فشل فيه الآخرون ) ، والنتائج ظاهرة دائما ، لكن ليس بقدر ظهورها فى التسعينيات ، حيث تخطت الإيرادات الخارجية الإيرادات المحلية لها لأول مرة ، وحقق فيلم ’ الحارس الشخصى ‘ عالميا أكثر من خمسة أضعاف ما حققه أميركيا .

أنا فرنسى ، إذن أنا غير موجود !

Descartes: I think, therefore I am أو ربما كان ديكارت استثناء !

بينما يحدث هذا ينخفض مثلا إنتاج السينما المصرية إلى أقل من الثلث فى عام واحد ، وتتراجع مثلها صناعات السينما القومية الأخرى فى أوروپا والعالم ، والتى سبقته للتهمش أو التهشم دون رجعة ، وما يسرى على السينما يسرى بدرجات ربما أقل حدة لكن واضحة أيضا فى مختلف صناعات الثقافة والإعلام والاتصال بأنواعها . وبالتوازى تتصاعد دعاوى الإنغلاق فى كل مكان ، وزعيم هذا الاتجاه ليس بلادا تمنع الأفلام والأطباق والكتب والمجلات [ ولا زالت ، ولا تزال ] ، مثل إيران أو أشباهها إنما فرنسا ، وبغض النظر عن الجذور التاريخية المحتملة ، فقد بدأ الأمر فى العام 1993 بمعارضة جنونية لتحرير الثقافة فى إتفاقية الجات ، وأفلحت فرنسا رسميا فى تأجيل هذا التحرير لمدة 10 سنوات ، حتى وإن لم توافقها الجماعة الأوروپية ذاتها ، [ والتى كان يرأسها آنذاك مهندسها الفرنسى الرومانسى العظيم چاك ديلور ، الذى أرادها نسخة من أميركا وليست من الاتحاد السوڤييتى أو ’ أممية خامسة ‘ Fifth International كما نفضل نحن تسميتها ، واختارت مبدأ التنافسية والتحرير الطوعى والتدريجى وفتح الأبواب أمام المواد الأميركية دون قيود تذكر . لكن اتضح أن إرادة ديلور شىء وإرادة فرانسوا ميتران أو خلفه الجديد چاك شيراك الذى لا يقل يسارية رغم تسميته يمينا ، شىء آخر . ومنذ العام 1994 زادت عصبية نزعة الانغلاق فى فرنسا ، وتعددت مظاهرها وهذه بعضها فقط : صبيحة افتتاح نفق المانش صدر قانون يحظر الاستخدام العلنى للغة الإنجليزية ، وخلال كأس العالم الأخير لكرة القدم أقامت فرنسا دورة أسمتها الفرانكوفونية ، بعد خروج الفريق الفرنسى من التصفيات ، واختاروا مواعيد المباريات لتطابق بالضبط مواعيد مباريات البطولة الأصلية فى أميركا ، حتى لو أدى ذلك لعدم مشاهدة أى أحد لها ، وأخيرا ، وحتى إلى يوليو 1995 أجهضت الجماعة الأوروپية مشروعا فرنسيا جديدا لزيادة الدعم للتليڤزيون الأوروپى فى مواجهة المنافسة الأميركية ] .

As part of France's 'Year of China' promotion, the Eiffel Tower was bathed in red lights to mark the Asian new year, January 2003.

Reds!

المشكلة الحقيقية هى الإغراء المذهل الذى يعزز به مثل هذا السلوك لبلد فى مثل مكانة فرنسا ووزنها التاريخى بالذات فى منظور متخلفى العالم ، من الميول الغريزية للعزلة والتخلف عند الدول الأقل تقدما ، ونقصد بالأخص العرب والمسلمين .

توضيح : لأغراض التعريف الخاصة بهذه الدراسة نقول إننا نقصد بالعرب والمسلمين ، العرب الحقيقيين والمسلمين الحقيقيين ، أبناء العرق الساموى الآسيوى ، ذوى الخصائص الچيينية المعروفة للعرب منذ بدء ظهور هذا العرق ، والمعروفة للمسلمين المتمسكين بالإسلام الصحيح الأصولى منذ ظهور الإسلام ، لا كل من نطق العربية ولا كل من كتبت فى بطاقة هويته كلمة إسلام . هؤلاء يتركزون بالأساس فى الجزء الآسيوى من الدول الناطقة بالعربية ، أما فى الجزء الأفريقى فليسوا سوى أقليات حتى وإن اغتصبوا السلطة أحيانا ووصلوا لمستويات بشعة فى البغى والنهب ، كما هو الحال فى الجزائر أو السودان ، أو كما فى مصر ما بين عامى 1952 و1970 . المؤكد على الأقل أن المصريين ليسوا عربا وليسوا مسلمين ، باستثناء أقلية عربية صغيرة جاءت محتلة وبقيت ‑ولا نقول استوطنت لأن لا وطن لبدوى أو مسلم‑ على مدى الأربعة عشر قرنا الأخيرة ، بعضها لا يزال يعيش فى الصحراء وبعضها توغل فى القرى والمدن وإن دون اختلاط بيولوچى كبير ، لكن للأسف عادت لها منذ 1952 الكلمة العليا ‑أو على الأقل الصوت الأعلى‑ واختطفت كل البلد لحسابها ولحساب أچندتها العروبية المسلمة الخارجية الخيانية . لهذا السبب نكتب أصلا ، وبذلك المعنى المحدد وحده نستخدم الكلمات ، وبقدر ما نجد الشعوب الأخرى قد تطبعت بدرجة ملموسة بطباع العرب ، كالنهب والسلب والإغارة والغدر والجبن والپارانويا والدموية والسلفية الدينية وكراهية الغير والتقنفذ القبلى والأخذ بالثار وتعدد الزوجات … إلخ ، فإننا نتحدث مجازيا ‑ومجازيا فقط‑ عنهم باعتبارهم عربا أو مسلمين . أما لأية درجة تطبع حقا هذا الشعب أو ذاك بطباع هجامة يثرب ، فهذا يخرج عن نطاق هذه الدراسة .

باختصار ، نحن نستخدم كلمتى عربى ومسلم ‑أو على نحو أعم كلمة ساموى‑ بمعنى تلك الخصائص المحددة لهذه البركة الچيينية المحددة التى تجامعت وتبلورت قبل 3000 عام أو نحوها ، فى تلك الصحارى المجدبة التى عرفت لاحقا باسم شبه جزيرة العرب . هذا لا يعنى بالضرورة أن تلك الخصائص موجودة الآن بصورتها الأكثر مثالية ونقاء فيما يعرف الآن بالسعودية ، بل الواقع أن من كانت تتوافر فيه تلك الخصائص الوحشية الدموية هم أكثر من هبوا إلى تلك الغزوات المسماة بالفتوحات الإسلامية ، حيث استقرت بهم الأمور فى سوريا ثم بغداد عاصمتى الخلافة . من هنا ربما يكون أكثر من يمثل الخصائص العربية الكلاسية النقية الآن هو صدام حسين وعشيرته بكل ما فيهم من دموية وهمجية وهجامية وسلب واغتنام ( إلى آخر ما قاله ابن خلدون فى وصف العرب ) ، ذلك كلما تيسر ، لا تفرق بين أخ وابن عم وغريب كما يقول المثل المصرى عندنا عن العرب البدو هوام الصحراء هجامة المدن !

هنا تلوح لنا La Belle France أقرب لعاهرة قبيحة La Laide France تستجدى ما يفعله المتخلفون بجسدها الخالى من أى جمال ، أو بعبارة أكثر تهذيبا ، تلوح لنا كطابور خامس يطعن الحضارة فى ظهرها بتشجيع المتخلفين عبر الجلوب بالاعتزاز بما هم عليه من تخلف ، أو فقط ‑وهذا أقصى ما يمكن أن نصل له من تهذيب‑ تلوح لنا كنوع انتهازى من الرأسمالية يستجدى التعاقدات من هنا وهناك بقصر نظر مفرط المثيل . للأسف فرنسا تجد المجد والزعامة فى أن تصبح الدولة رقم 1 فى العالم الثالث ، عن أن تصبح الأخيرة فيما يسمى بمجموعة السبعة أو الـ G7 ، أو وحيا العظماء السبعة ! ما يلوح لنا أبعد من هذا ، أو لعله تفسيره الوحيد ، أن فرنسا كأمة مأزومة مهزومة ، لا تختلف كثيرا فى وضعيتها فى الحقيقة عن الوضعية العربية ، بلد مأزوم مهزوم حضاريا وثقافيا واقتصاديا ، ويعانى من كل الپارانويات التى يعج بها العقل العربى كنظريات المؤامرة والغزو الثقافى …إلخ . إنهم أمة من المهازيم لا تزال تتجرع كأس المرارة والذل والهوان منذ ووترلوو وحتى الآن ، وربما ستظل كذلك للأبد . لا تستطيع ولا تريد أن تمحو من ذاكرتها أبدا ، أو تتجاوز حقيقة أن خراقة تحديها يوما لأمة الإنجليز أصحاب الثورة الصناعية ، كانت تطاولا سافلا أحمق لا أكثر ولا أقل . وجيلنا الذى شب تعلمه روايات تشارلز ديكينز أن الإنجليز هم أنبل شعوب الأرض والفرنسيون أحطها لم يعد الأمر الآن مجرد خيال قصصى وحكى ميلودرامى بل حقائق سياسية وثقافية تؤكدها الأيام وواقع يومى معاش يمسنا حتى فى دخلنا ومستوى اقتصادنا ، ولا يقلل من شأن ما قاله تلك المنافسة الشرسة المستعرة الآن بين العرب والفرنسيين على ذلك اللقب المذرى ، قاع العالم ( بالمناسبة أنا شخصيا لا زلت مؤمنا أن ثمة بالأمر ثأرا لم يحسم بعد . يوم قرأت قصة مدينتين فى طفولتى خرجت كما الجميع فى فصلى الدراسى يزدرى فرنسا وكل ما يمت لاسم فرنسا بصلة . الفارق أنى لم أتقبل بسهولة ضياع دم أكثر شخصية أحببتها فى القصة ، ذاك الرجل الذى ينظر للسقف وكأنه لا يبالى بكل ما يجرى حوله ، والحقيقة أنه لا يبالى لسبب واحد هو أنه يعرف أكثر من أى أحد إطلاقا حقيقة هذا الجنون الذى يجرى . حتى اليوم تفور الدماء فى عروقى كلما تذكرت القصة وأهتف لنفسى أن دم سيدنى كارتون ، أول شخصية قصصية انطبعت فى نفسى إطلاقا ، وأول وربما آخر من هزنى من بينها طيلة عمرى ، دمه لا يمكن أن يذهب هباء هكذا أبدا ، لا يمكن مهما طال الدهر ! أيضا بالمناسبة لا تتوقع من هذه الصفحة كما قد يوحى عنوانها أنها ستفيض كثيرا فى موضوع الغزو الثقافى . المسألة محسومة سلفا : غزو ثقافى إيه إللى أنت جاى تقول عليه ؟ أنجح فيلم أميركى لا يحقق فى كل عرضه فى مصر ما يحققه من حفلة عرض واحدة فى دار عرض فى نيو يورك أو حتى تل أبيب . المشكلة ليست فى وجود غزو ثقافى ، المشكلة فى عدم وجوده ! ) .

المسألة محسومة سلفا : أى غزو ثقافى هذا الذى تتكلمون عنه . أنجح فيلم أميركى لا يحقق فى كل عرضه فى مصر ما يحققه من حفلة عرض واحدة فى دار عرض فى نيو يورك أو حتى تل أبيب . المشكلة ليست فى وجود غزو ثقافى ، المشكلة فى عدم وجوده !

[ من عادة العرب أن تسمى الشىء بعكسه . مثلا يسمون تحضر وانفتاح وحراك مكة الغناء الزاهرة ما قبل الإسلام جاهلية ويسمون جهامة وعبوس وقمع عصور الظلام بنور الإسلام ، يخلقون المنتقم الجبار ويدعونه صباح مساء الرحمن الرحيم ، يسمون البلطجة وقطع الطريق والانحراف الجنسى نبوة ووحى ، يخلقون دين الصحراء ويختارون له علما أخضر ، يصممونه بحيث يكبت ويقتل كل شىء حر طبيعى أو أصيل فى الإنسان ثم يسمونه بدين الفطرة ، يطلقون جراد يثرب الدموى ينهش الأخضر واليابس فى كل العالم ويسمون هذا سماحة الإسلام ، يخلقون أشرس وأبشع مؤسسة دينية فى التاريخ ويقولون الإسلام لا يعرف الكهنوت ، يسمون أجهل الناس ( رجال الدين ، من غيرهم ؟ ) بالعلماء ، يحبسون النساء فى البيوت أو خلف البراقع ويضربونهن وأحيانا يذبحونهن ويقولون هذا تكريم من الله لهن ( وطبعا لم يقولوا لنا ولو لمرة واحدة لماذا اختار الله المرأة ليكرمها وليس الرجل ) ، يسمون مصر أم الدنيا وهى أم الدين ، يطلقون على إسرائيل وصف الدولة الدينية وهى أكثر علمانية مليون مرة من أى بلد عربى ، يذبحون الحيوانات بأبشع وأحرم الطرق الممكنة ويسمون هذا الحلال ، وهكذا وهكذا إلى ما لا نهاية . إنهم بارعون فى هذا . دائما ما يجدون التسميات العكسية لما هو جوهر الأشياء الحقيقى ، ومن ثم يطلقونها عليها ، والأدهى أن يصموا الآخرين بعد ذلك بالمعايير المزدوجة . واليوم ، ومع الاحترام للجبرتى والطهطاوى وطه حسين ، ولأسباب هى العكس بالضبط من أسبابهم ، وستكون إحدى ثيمات هذا المبحث وكل الموقع ، يطلقون على عاصمة الظلام والتخلف والبداءة الكونية پاريس ، عاصمة النور ! موقعنا هذا يفضل تسمية الأشياء بمسمياتها ، لذا لم يؤمن يوما إلا بأن پاريس هى عاصمة التخلف والبداءة والإظلام لكل الكوكب . ولم يتوقف قط عن الحديث عن فرنسا كحصان طروادة الذى يمثل الخطر الأعظم إطلاقا على حضارتنا المعاصرة ، أكثر من الخومينى وبن لادن وصدام وبشار . الشيوعية سقطت لكن طابورها الخامس لا يزال نشطا ، تشاكل morphed تحت مسميات جديدة كالاشتراكية الديموقراطية والطريق الثالث والاتحاد الأوروپى …إلخ ، دون أن يحيد فى جوهره قيد أنملة عن مبادئ ستالين أو البريطانية Robespierre روپسبير . فى الواقع الشيوعية لم تكن إلا المرحلة عاثرة الحظ فى هذا كله ، والنجاح مذهل قبلها وبعدها لهذا التيار الظلامى القاتل للتميز والمنافسة المصادر لقوانين أمنا الطبيعة والمركع للحضارة ، أية حضارة وكل حضارة . النظم بل القدرات العظمى تأتى وتذهب بما فيها الاتحاد السوڤييتى وتبقى فرنسا القلعة الأم للجمهورية والاشتراكية . هى الأم وكلهم صبية ، هى رأس الأفعى وكلهم لعب عيال ، هى المقصلة وكلهم دبابيس .

من عادة العرب أن تسمى الشىء بعكسه . مثلا يسمون تحضر وانفتاح وحراك مكة الغناء الزاهرة ما قبل الإسلام جاهلية ويسمون جهامة وعبوس وقمع عصور الظلام بنور الإسلام ، يخلقون المنتقم الجبار ويدعونه صباح مساء الرحمن الرحيم ، يسمون البلطجة وقطع الطريق والانحراف الجنسى نبوة ووحى ، يخلقون دين الصحراء ويختارون له علما أخضر ، يصممونه بحيث يكبت ويقتل كل شىء حر طبيعى أو أصيل فى الإنسان ثم يسمونه بدين الفطرة ، يطلقون جراد يثرب الدموى ينهش الأخضر واليابس فى كل العالم ويسمون هذا سماحة الإسلام ، يخلقون أشرس وأبشع مؤسسة دينية فى التاريخ ويقولون الإسلام لا يعرف الكهنوت ، يسمون أجهل الناس ( رجال الدين ، من غيرهم ؟ ) بالعلماء ، يحبسون النساء فى البيوت أو خلف البراقع ويضربونهن وأحيانا يذبحونهن ويقولون هذا تكريم من الله لهن ( وطبعا لم يقولوا لنا ولو لمرة واحدة لماذا اختار الله المرأة ليكرمها وليس الرجل ) ، يسمون مصر أم الدنيا وهى أم الدين ، يطلقون على إسرائيل وصف الدولة الدينية وهى أكثر علمانية مليون مرة من أى بلد عربى ، وهكذا وهكذا إلى ما لا نهاية . إنهم بارعون فى هذا . دائما ما يجدون التسميات العكسية لما هو جوهر الأشياء الحقيقى ، ومن ثم يطلقونها عليها ، والأدهى أن يصموا الآخرين بعد ذلك بالمعايير المزدوجة . واليوم ، ومع الاحترام للجبرتى والطهطاوى وطه حسين ، ولأسباب هى العكس بالضبط من أسبابهم ، يطلقون على عاصمة الظلام والتخلف والبداءة الكونية پاريس ، عاصمة النور !

ذات يوم قال أرسطو إن الجمهورية خطأ ، ولا نعتقد أن استجد منذ ذلك الحين شىء يحمل المرء على الاعتقاد بغير ذلك . فرنسا تفعل العكس بإيمان عقيدى عجيب بالجمهورية ، وما يتفرع عنها من شعارات كالديموقراطية وحقوق الإنسان ، تتوطن فيها كما لا تتوطن فى أية أمة أخرى . هذا هو الذى يحملنا للقول بأن پاريس عاصمة الظلام فى عالمنا ، أو باختصار ‑كما جاء بالأخص فى صفحة العلمانية‑ هى عمارنة التاريخ الحديث . أيضا باختصار ، لا شك لدينا أن كما بدأ اليسار فى پاريس ، انتهى أيضا فى پاريس . مظاهرات مايو 1968 كانت الذروة المطلقة لذلك المد ، تلاها إنكسار متواصل عالميا لا قرار له . أيضا باختصار ، لا شك لدينا أن الأممية الخامسة ستسقط كما سقطت الأربع السابقات ، وأن مائتى عام من حكم رعاع الباستيل لكل المجتمع الإنسانى بالحديد والنار وإرهابهم المشين لكل العقول كل ذلك الوقت تشهد الآن لحظات احتضارها الأخيرة !

أولا واصل القراءة فى هذه الصفحة حتى تصل لهذه الفكرة . بعد ذلك انظر تعميقا لإشكالية اليمين واليسار فى فرنسا فى صفحة الليبرالية .

بعد قليل تطورت قناعاتنا بسرعة لتجزم بأن فرنسا كعقبة كأداء لا أمل فى صلاحها أو شفائها من مرض الجمهورية ، لا مفر من أن تكون الخطوة الأولى لأى عملية تطوير جدى لهذا العالم ، وتأسيس ترتيب عالمى جديد يحمى اقتصاده الضخم ومكتسباته الحضارية الطويلة ، هى قصف پاريس نوويا ، فلا جدوى من أى حلول أخرى ، وهذا ستجده فى صفحة الإبادة بمناسبة إعداد أميركا الخطط لقصف سبع دول نوويا ليس منها فرنسا .

أيضا ثم رأى يستحق الوقوف عنده فى صفحة الحضارة ، للكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشى يختص بموقف عاهرتنا القبيحة من بن لادن وأحداث سپتمبر والعالمين العربى والإسلامى ككل ، وإلى الصدارة منه مقولتها الشهيرة ’ أوروپا عاهرة تبيع نفسها للعرب والمسلمين… وفرنسا أكبر دولة راعية للإرهاب الإسلامى فى العالم ‘ .

بالمثل تابع لاحقا الإرهاصات الأولى فى سپتمبر 2002 للمواجهة التى طال انتظارها بين الحضارة ممثلة فى قائدتها أميركا ، والماضوية اليسارية ممثلة فى فرنسا ، والتى تتبنى وتحتضن كل الماضويات الأخرى بما فيها الإسلام ، ذلك فى صفحة الجلوبة ، بمناسبة كفاح فرنسا المستميت لإنقاذ رقبة صدام حسين من إطاحة أميركا به .

لماذا يأتى الاستعمار البريطانى بالتقنية والاقتصاد الحر ، ويأتى الاستعمار الفرنسى بالثقافة ؟ وهل الإنجليز قوم متعالون حقا ، والفرنسيون أناس محبون للجميع ؟ وما هى وحقيقة العلمانية الفرنسية ، وهل تظل شيئا جميلا يستحق الانبهار لو عرينا أساسها الأيديولوچى ؟ أسئلة نوقشت بالأسفل بإيجاز ، ثم ببعض الاستفاضة فى صفحة سپتمبر بمناسبة قرار انفاق 8 بليون دولار على تحديث أحياء المسلمين فى فرنسا ، فقط مكافأة لهم على قتل اليهود ! ] .

Mustafa Kemal Ataturk

Mustafa Kemal Atatürk, ü don’t display trains! Not Just a Dream ‘Trainer’!

هكذا فاليوم ، فإن هذا هو التحدى الكبير والفاصل لما يسمى ثقافات قومية ، إما أن ’ تشارك ‘ ( والكلمة واضحة ومحددة ) فى صنع الثقافة الجلوبية الواحدة والوحيدة ( حلم أتاتورك العظيم وغيره ) ، بمعنى إنتاج سلعة ثقافية تصلح لكل العالم ، وليس لاستهلاكها المحلى ( بفرض إمكانية هذا الأخير أصلا ) ، وعليها تعلم وإتقان أصول وحرفيات الفنون ووسائط الاتصال كما تصنع الآن ، ولابد لها من اعادة تقييم وتعريف الكلمات التى ربما أصبحت جوفاء أو مجرد شعارات مدلكة للغرائز ومنها الوطنية والتقاليد والدور المجتمعى للدين والانتماء والشرقية والقيم الخاصة والثقافات والمحلية والتنوع واللغة الخالدة والتميز والقومية والتراث …إلخ ، وهى كلها -شئنا أم ابينا- تعادل فى قاموس العصر الرقمى كلمة واحدة هى التخلف . هذه الكلمات والشعارات ، لم يعد لها وجود مؤثر ، لا فى المجتمعات المتقدمة التى قبلت بمبدأ الانفتاح ، ولا فى المجتمعات النامية التى حققت قفزات سريعة فى العقود الأخيرة ، ولا خيار أمام الأخرين سوى هذا الانفتاح الثقافى المطلق ، وبديل هذا شىء مرعب ، هو الانعزال فى جزر مظلمة وعاجزة ، تقنيا واقتصاديا وثقافيا ، وسط محيط جلوبى حى مشرق وسريع الانطلاق . هذا هو التحدى الذى يطرح نفسه على الثقافات القومية على نحو عاجل وملح . وبالمناسبة هذا كان الأمر أقرب للعكس من هذا فيما مضى ، حيث المحيط هو المتخلف والأكثر تناميا فى الحجم ، بينما يتوالد وينعزل فى وسطه تكاتل أو تبلور صغير ، ربما بما يمكن تسميته حمام 20040827 07:47 م بمفهوم الجزر التطورية . مثال ذلك أن يهاجر النبهاء للمدن فيكفون عن الإنجاب وتصبح هذه المدن تدريجيا جزرا تطورية معزولة وسط محيط ريفى متخلف لا يكف عن الإنجاب ، أو أن يكف العالم المتقدم عن الإنجاب ويزداد ثراء وصغرا بينما لا يكف المحيط ( العالم الثالث ) عن الإنجاب ويزداد فقرا وربما خالقا أوضاع قد لا تحل أبدا إلا بالإبادة الكتلية . الآن لحسن الحظ ، المحيط هو الذى يتسارع نحو التنمية والتحديث والتوحد ، وفقط بعض الجزر هى التى تنعزل ترفل فى تخلفها . الشىء الوحيد المشترك بين الظاهرتين أن كلتيهما آلية تطورية تفرز طوال الوقت ما هو تقدمى وتطورى وأفضل عما هو رجعى وماضوى وأسوأ .

باستثناء الجملة بين قوسين مربعين الخاصة بمتابعة ما جرى لاحقا على الموقف الفرنسى فالفقرات السابقة هى ما كتبناه صبيحة إقرار إتفاقية الجات فى ديسيمبر 1993 . ورغم الإشارات الواضحة لحجم التحديات التى تنتظر ثقافاتنا القومية فإن الكلام يبدو اليوم أكثر رومانسية وتفاؤلا مما يحب ، وقد يكون على العكس بالضبط مما سيلى من حديث والذى ستحركه آلام وأوجاع كيف واجهت عقلياتنا المتخلفة التبعات الحقيقية لمبدأ الجلوبة . بادئ ذى بدء هناك حديث الپارانويا التقليدى : الكتاب المصريون لم تعجبهم كلمة الجلوبة أصلا ، ذلك أنها لا تتماشى مع منهج الترجمة السائد عندنا لعقود وقرون ، وراحوا يبحثون عما يسمونه ترجمة المعنى . هنا استخدموا عددا لا حصر له من الكلمات مثل العولمة والكونية والكوكبية …إلخ ، لكن الكلمة التى أعجبت الصحافة العربية أكثر من سواها هى ’ الأمركة ‘ وليس طبعا بقصد حسن أو سعيد أو مرحب . فيما يخص بترجمة الكلمة الأمر الذى استغرق وقتا طويلا من المناقشة نحن شخصيا نرفض مبدأ ترجمة المعنى ونراه سببا لتردى حركة الترجمة العربية ككل وفى مصر بالذات وسببا رئيسا لتراجع مكانة اللغة العربية . لكن لو كان لنا اقتراح ترجمة معنى لكلمة الجلوبة فلن نجد سوى كلمة عربية ذات معنى جميل جدا هى الاستعمار . لكن لو نحينا أن هذه الكلمة نفسها ابتذلت فى الحقبة الناصرية حتى وصلت لمعناها العكسى ، فإنها تعانى هى أيضا من المشكلة الرومانسية فهى لا تعدو محاولة لترجمة محتوى الشعار وليس أكثر .

‏الجمعة‏‏ ‏13‏‏ ‏سبتمبر‏‏ ‏2002‏ ‏27‏:‏11‏ ‏ص‏ : وعامة كما سيتضح بعد قليل ، نحن نستخدم مصطلح الجلوبة ( العولمة لو شئت ) فقط لشهرته الفائقة ، ولأننا يجب أن نناقش ما يناقشه حاليا كل الناس . لكننا فى الحقيقة نعنى به تبادليا مجرد كلمة الإمپريالية التقليدية القديمة ( المؤذية لبعض الأسماع ربما ! ) ، ولا نكاد نجد حتى الآن ما يمكن أن يقنعنا أنه يمكن أن يعنى شيئا جديدا مختلفا ، وبالأخص ذلك التفسير الكلينتونى اليسارى الذى يتخيل عالما متسامحا ذا قيادة جماعية عالمية ، وهو تصور غير واقعى بالمرة فى رأينا . فكلمة جلوبة السائدة منذ بداية التسعينيات هى كلمة مبهمة المعالم يقصد بها غالبا شكل ما من توحيد الاقتصاد الكوكبى ، أو فى الحالات الأكثر تحديدا يقصد بها الترتيب العالمى الجديد الذى بدوره مصطلح لم يتبلور محتواه بعد . ولأننا لاحقا سنشرح كيف أنه سيكون إمپريالية كوكبية واحدة بالضرورة ، فإننا نعنى بها الإمپريالية بذات المفهوم التاريخى السائد منذ الأسكندر الأكبر وحتى الآن .

الشعار الذى انطلق ( أو بالأحرى أعيد إطلاقه ، فهو حقيقة واقعة لم تمت يوما منذ الأسكندر الأكبر حتى اليوم ، وإن وهنت فى نصف القرن الأخير تحديدا بعد هوجة ما سمى بالاستقلال ) ، فحواه أن العالم ككيان اقتصادى وتقنى سيدار بأقصى كفاءة ممكنة بالمعنى الهندسى للكلمة إذا أصبح وحدة واحدة . لكن هذا على صعيد النظرية فقط ، إذ هناك هوة بين الاسم الرومانسى الذى سيفترض أن الجلوبة ستعنى ’ إعمار ‘ العالم المتخلف وبين أن ذلك أمر من شبه مستحيل من الناحية التطبيقية ، على الأقل فى إطار الإشارات الواردة من أممنا حتى الآن . ونخاطر هنا وقبل الدخول فى مناقشات تفصيلية لقضايا الجلوبة بالقول إن ذلك افتقاد مروع منا لجوهر ما تدور حوله الجلوبة أصلا منذ تحققت لأول مرة على يد الأسكندر الأكبر ‑تلميذ أرسطو المباشر‑ ومن ثم الإمپراطورية الرومانية فغيرها من الامپرياليات الأخرى بعد ذلك ، ألا وهو الوصول لأكفأ إدارة ممكنة للكوكب من خلال تحويله لوحدة ثرمودينامية اقتصادية واحدة معدومة الفواقد تقريبا . والأرجح فى نهاية المطاف وفى ظل استجاباتنا بالغة الرجعية المتشبثة بأيام التشرذم الكوكبى أو ما يسمى بالاستقلال الوطنى ، أن يعود الغرب قريبا للمربع رقم واحد من جديد ويعيد اكتشاف ما توصل له نادى روما فى مطلع السبعينيات من أن لا مستقبل للكوكب ولتنميته إلا بالتحجيم الجذرى لنمو عدد سكانه وذلك بأى وسيلة ممكنة ، وإن كان الوقت متأخرا الآن من الناحية العملية للحديث عن أى وسيلة سوى الإبادة أى التخلص من القطاع الأكبر من هؤلاء السكان ممن يمثلون عبئا باهظا على نمو الكوكب بل وحتى على توازنه البيئى والإيكولوچى ( يمكنك أن تصل بمستويات الإبادة إلى 80 0/0 من العشيرة الإنسانية دون أن يتأثر الاقتصاد الكوكبى بأكثر من 10 0/0 فقط ! ) . ربما هذا هو الكلام العملى الحقيقى الوحيد ، مع العلم بطبيعة الحال أن الإبادة ليست عملية عنيفة بالضرورة ولا تعنى القتل إلا بالكاد وفى حالات الضرورة فقط . الوسيلة الشائعة والرخيصة للإبادة حاليا هى الڤيروسات الحديثة القاتلة حتى وإن بدت عشوائية لحد ما وإن ظلت عادلة ككل ومنسجمة مع قوانين الانتخاب الطبيعى إذ تميل لقتل الضعفاء والفقراء بالأساس . [ فى 15 نوڤمبر 1998 تحدثت جريدة الصنداى تايمز اللندنية باستفاضة فى صفحتها الأولى عن القنبلة الچيينية ( أو الإثنية ) التى قالت إن إسرائيل قد نمتها بالفعل . ولا شك أنها فكرة رائعة ستحسن كثيرا من مستقبل العالم فى القرن الجديد ، كما نتوقع أن تزيد دقتها يوما بعد يوم مع ازدياد المعرفة الچيينية أو مثلا يوم أن يصبح إدخال البصمة الچيينية لكل الأفراد أمرا مألوفا فى الملفات الحكومية أو ما شابهها ، بل يمكن أن نتخيل مستقبلا إمكانة تصميم ڤيروس يقتل فردا واحدا محددا فقط صمم من أجله حتى لو حدث وأصاب كل الناس . فى يناير 2001 جاءت خطوة جديدة تخص القنابل الچيينية ، كذلك لم يكن من حديث لأوروپا سوى قذائف اليورينيوم المنضب ، والفكرة نشأت من أن هذه المادة عديمة القيمة من مخلفات المفاعلات النووية اتضح أنها صلدة للغاية وتغطية القذائف الخارقة للدروع بها يعطيها فعالية فائقة ، الآن بعد أن ثبت أيضا قدرتها على القتل عبر الإصابة بالسرطان قد تصبح وسيلة إبادة كتلية جديدة للمستقبل وكل المطلوب اتخاذ الاحتياطات اللازمة لعمليات المناولة أو لو غطت مثلا بطبقة رصاص ...إلخ . كل شىء جائز ! ] . لكن بلا شك تظل الوسيلة الكريمة الأساسية للإبادة هى التعقيم . ونحن نتصور أن العالم سينضج سريعا بحيث يصل إلى نقطة يجعل التعقيم فيها إجباريا للدول أو للأفراد لمن هم دون ناتج معين للفرد ، ذلك بأن يحدد عدد السكان بطريقة دولية أى بمنح نوع من الحصص السكانية للدول المختلفة تبعا لإسهامها فى الناتج الكوكبى الإجمالى ، أو على المستوى الفردى بأن يفرص على البالغين ضرورة الحصول على تصريح مسبق بالإنجاب بالطبع بناء على مستوى إسهامهم فى الناتج الإجمالى للبلد أو الكوكب ، وما إلى ذلك من الأفكار كثير بل يعتبر بعضه مطبقا بدرجة أو بأخرى فى كثير من الأماكن ، المهم فقط أن لا تترك عملية الإنجاب للطبيعة والصدفة كما هو الحال فى السابق [ انظر كتابنا حضارة ما بعد الإنسان وكذلك صفحة الإبادة  ] !

 

1- الأوقاع الثقافية :

Waves of teenagers, mostly female, in downtown Shibuya at night, Central Tokyo, September 2005.

The Japanese Choice:

Modernism Cannot Be Divided!

الجلوبة تطرح مبدئيا إشكالية ما يسمى التعددية . والمخيف فى الخطاب الثقافى العربى الحديث عن التعددية وكأنها حق ( ! ) ، وربما يسعون لصدور قرار بها من منظمة اليونسكو المشلولة بفكرها الرجعى ، أو حتى مما يدعى بمجلس الأمن صديقنا الأكثر ألفة ومنقذنا الدائم بقرارات لحفظ ماء الوجه لا أكثر ( ليس بوسع المرء أن يقف ضد منظمة اليونسكو إذا وعت أن ما تقوم به هو شىء جيد لإثراء المتاحف بحفريات الثقافات العالمية لكن ليس للإبقاء على هذه الأشياء حية فى الواقع اليومى للشعوب ) . لا يوجد أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع من افتراض أن التعددية حق لأنها لو كانت هكذا فعلا لما اندثرت أى ثقافات ولما تقدم العالم قط . يكفى أن نذكر أن كمال أتاتورك كرس السنوات الطويلة من ختام حياته للبحث عن إسهام ما ممكن لتركيا فى الثقافة العالمية .

إذا كان لنا أن تعلمنا شيئا من دراسة الهندسة ، فهو أنه يوجد حل واحد وحيد يحقق وحده الكفاءة القصوى . مثل هذه المعادلات حين تقوم بإجراء التفاضل لها ومساواة الناتج بالصفر ، تحصل على قيمة واحدة ، تكون هناك إجابة واحدة فقط ، ثمة طريق واحد فقط لا غير للكفاءة القصوى . هوية واحدة فقط شديدة التحديد والتوصيف ، هى المؤهلة للمضى بأفضل سرعة ممكنة نحو المستقبل ، ما عداها يزداد تخلفا مع كل لحظة تمر عليه .

الأكثر أهمية ، إذا كان لنا أن تعلمنا شيئا من دراسة الهندسة ، فهو أنه يوجد حل واحد وحيد يحقق وحده الكفاءة القصوى . مثل هذه المعادلات حين تقوم بإجراء التفاضل لها ومساواة الناتج بالصفر ، تحصل على قيمة واحدة ، تكون هناك إجابة واحدة فقط ، ثمة طريق واحد فقط لا غير للكفاءة القصوى . هنا ‑فى عالمنا الكبير‑ من الغباء لأى شخص أو لأية أمة أن يفعل أى شىء سوى أن يبحث عن تلك الكفاءة القصوى ، التى هى شىء واحد وحيد لكل البشرية ، لكل الكوكب . هنا تصبح التعددية ، وبحكم التعريف نفسه ، إهدارا للموارد ، تضييعا لوقت ، تخلفا ، أو كما قلنا غباء ! هوية واحدة فقط شديدة التحديد والتوصيف ، هى المؤهلة للمضى بأفضل سرعة ممكنة نحو المستقبل ، ما عداها يزداد تخلفا مع كل لحظة تمر عليه .

A Lovely Belly Dancer

Nice, Beautiful and Sensual: Our Worst Nightmare!

أولا : يجب القول أنك لن تشارك فى ثقافة العالم الجلوبى إلا بأشياء صغيرة هنا وهناك ، كنوع من الطعام ، أو قطعة موسيقى أو رقصة ما ، أو تقليعة من العطور أو الأزياء أو قطع الأثاث . أما المشاركون بالجزء الأكبر من الثقافة فهم بلا مناص صناع التقنية وتحديدا الولايات المتحدة . التقنية هى الشىء المهم ودون أن تخترعها لا تتوقع أن يكون لك أثر ثقافى يذكر على بقية العالم [ ثقافة التيار الرئيس الجلوبية فوق القومية قضية أخرى فى الواقع ، ونوقشت تفصيلا فيما بعد فى صفحة الفن الجماهيرى ] .

ثانيا : تلك الإسهامات ’ الصغيرة ‘ لم تأت بالصياح أو بقرار من أحد . الهند لم تستخدم قوة السلاح فى جعل العالم يأكل أرز الكارى التالى من برنامج ن وراء البحار أن اعتبره هيج رئيس حزب العمال البريطانى ( على ما أذكر ) سنة 2001 الطبق القومى ودجاج التكا ، ولم ترسل جيوشا من الدعاة للهداية لليوجا إنما تركت عضوا فى البييتلز چورچ هاريسون رحل فى نوڤمبر 2001 يكتشفها بنفسه ويرسلها لكل ثقافة العالم . إيطاليا لم تستصدر قرارا من مجلس الأمن بجعل الپيتزا أكلة عالمية . كوبا فرضت سيجارها باهظ التكلفة على ثقافة وأسلوب حياة الطبقات الراقية لكل العالم ، ذلك عندما كانت دولة رأسمالية وعندما تحولت للاشتراكية وعندما ستعود للرأسمالية مرة أخرى . الياپان لم تقم بأى جهد خاص كى تتحول أفلام شركة مانجا الاستحراكية لغزو كل متاجر الڤيديو فى العالم الغربى إنما الجمهور الغربى هو الذى كان يتهافت عليها من تلقاء نفسه . حتى فرنسا لم تفرض عطورها وأزياءها على نساء العالم عنوة ، بينما ما تحاول فرضه بالقوة من أفلام أو غيره يلاقى رفضا ذريعا .

ثالثا : العكس بالعكس ، فبما أن هذه مسألة تخضع لما يمكن تسميته المزاج الجماهيرى العالمى ، فنادرا ما تأتى الدعاية المنظمة أو الإلحاح بنتائج تذكر فيها . وكثيرا ما تفشل أشياء ناجحة للغاية محليا فى النفاذ للخارج ، كما مصارعة الثيران الإسپانية مثلا ، أو تنتشر ببطء شديد كالبيسبول الأميركية ( رغم كل جبروت أميركا المتعارف عليه ) .

رابعا : هذه الأشياء تصلح لكل البشر ، أى أنها إسهام فى ثقافة جلوبية حقيقية ، وليست إنقاذا لثقافة محلية من الموت بمجرد الإبقاء عليها فى محيطها كما هى بحجة الحفاظ على التعددية .

خامسا : لم يفلح أحد متمسك بمحليته فى الحفاظ عليها ، وبالأحرى تأكيدا لم يفلح فى صنع شىء جلوبى ، وهذا درس مؤلم لا يلقيه أحد من منصة محاضرات ، إنما هو واقع يومى معاش . فشعوب كالياپان والصين والهند شعوب تندفع بنهم لثقافة الغير الأكثر تقدما ( وكما سنرى فإنها تدوس معظم ثقافتها القومية بلا هوادة أو ندم فى خضم هذه المسيرة ) .

Matador Ortega Cano, The Maestranza bullring, Seville, April 16, 2002.

Sensational Global Failure!

سادسا : وهو الأهم أنك على الأرجح جدا لن تفرض شيئا على العالم ما لم تكن غير متخلف ، أى مقاربا له تقدما وتحضرا ، ونقصد بهذا التقنية والاقتصاد قبل أى شىء آخر . وليس أقل دلالة على ذلك التخلف أن الشىء الوحيد عندنا المؤهل أو المرشح لأن يصبح جزءا من الثقافة الجماهيرية العالمية هو شىء نكرهه ونحاربه للغاية : رقص البطن !

[ نهديك هذه القصة عن بداية أعادة إحياء رقص البطن الشرقى فى مصر من خلال مهرجان عالمى له فى القاهرة فى يونيو 2003 ، فقط لتكتشف من خلال المشاركات والجمهور سواء بسواء ، أنه أقرب جدا لأن يصبح يوما ظاهرة عالمية من أن يعود لمحليته عندنا مرة أخرى . أيضا نذكرك بمدى الشهرة التى حققها مع مطلع القرن الجديد من خلال المغنية الكولومبية لبنانية الأصل شاكيرا ، والتى تقدمه كفن انتصابى erotic خالص ، وبوعى عميق منها لبعده الحسى التنويمى الفريد والقوى جدا من نوعه ، وللمزيد عن جيل المغنيات هذا انظر صفحة الفن الجماهيرى ] .

سابعا : التوحيد والتقييس standardization ‑أو بعبارة أصرح طمس الهويات الصغرى وتقليصها لمجرد مناسبات فلكلورية كرنڤالية احتفالية بهيجة لا أكثر ، ذلك لحساب هوية عالمية واحدة وحيدة‑ هو روح وفلسفة الجلوبة [ ربما تعمقنا لاحقا فى صفحة جديدة اسميناها الفن الجماهيرى فى الفوارق بين الفلكلور وبين الفن الجماهيرى ، حيث الأول أشبه بالمشغولة اليدوية إن استعرنا الوصف من صفحة هولليوود حيث عقدت نفس المقارنة بين السينمات القومية وسينما هولليوود ، والأخير يعنى الفن القياسى الذى ينتج على نطاق اقتصادى تصنيعى واسع ويرضى كل الأذواق . ربما تجوز ذات المقارنة على صعيد الهوية الجلوبية ككل ، مع فارق أن الجلوبة طيف يشمل ما هو أكثر بكثير من الفن وحده . هنا سنجد هويات قومية ’ فلكلورية ‘ فى مواجهة هوية جلوبية ثقافية ’ جماهيرية ‘ الاتساع والانتشار تمثل المواصفة القياسية للهوية فى العالم ] . فقط وليكن شعارنا : شقيقنا العالم لن نسمح لك ولا لأنفسنا أن تسبقنا كثيرا !

لقد فعلتها الياپان وألمانيا ، والآن تفعلها الصين والهند . فمتى يأتى دورنا فى التخلص من هويتنا بثقة وشجاعة ؟

بصراحة : لقد قضى انضواء أكبر كتلتين بشريتين فى العالم فى ركاب الثقافة الغربية على آخر أمل لأية ثقافة قومية أخرى مستقلة فى الوجود بعد اليوم .

بعبارة أخرى : لا مكان لأحد فى عالمنا عالى التقنية سريع التقدم دون أن ينسى شيئا اسمه الهوية !

وليكن شعارنا : شقيقنا العالم لن نسمح لك ولا لأنفسنا أن تسبقنا كثيرا !

ثامنا : هذا التقييس أو التوحيد لا تفرضه إرادة شخص ما أو غطرسة حكومة ما أو حتى هيمنة قدرة عظمى ما ، إنما يفرضه ببساطة مفهوم الكفاءة ، حيث لا يجب أن يتوانى أحد عن الأخذ بما ثبت أنه أفضل وأكفأ فى مكان آخر فى العالم . نعم ، هذه جميعا مصطلحات هندسية واقتصادية جافة ، لكنها فى الحقيقة تفاعلية وديالكتيكية أكثر مما يبدو للوهلة الأولى . ومثلا لا تعنى كما يقول البعض إنها ‑أى الجلوبة‑ هى آليا الأمركة . صحيح أن ما يأخذه العالم عن أميركا حاليا يكاد يكون هو كل الجلوبة ، بحكم النجاح الساحق للتجربة الأميركية تقنيا واقتصاديا وأيديولوچيا ونمطا فى الحياة …إلخ ، لكن أميركا نفسها لا بد وأن تنصاع أحيانا لنجاحات الآخرين وللتقييس الأصح إذا لم يكن لديها ( على الأقل جدا هناك ثلاثة أشياء : عليها أن تأخذ بالنظام المترى فى القياس ، وبالمائتى وعشرين ڤولتا للكهرباء المنزلية ، وبكرة القدم كلعبة أولى فى الرياضة . وأقصى ما يمكن أن يفعله العالم بالنسبة لهذه الأخيرة ، وهذا حادث بالفعل وبسرعة مدهشة ، هو أن يعتمد التسمية الأميركية لها السوكر soccer كتسمية قياسية احتراما لأن لدى أميركا لعبة أخرى اسمها football ، ويصعب لها تغيير اسمها ‑المفارقة السيئة أنها حتى لا تلعب بالقدم ! ) . لا تستغرب ، فكل الأمور سوف تسير بهذه الطريقة فى عالم جعلته ثورة الاتصالات والمعلومات قرية صغيرة بمعنى الكلمة .

Rudolph Valentino, Vilma Banky, The Son of the Sheik (1926).

Arabs Were in World Main Stream Culture …Once!

إذن –وبلا المواربة المعتادة المصاحبة عادة لهذا النوع من الحديث– العرب هم آخر قوم على الأرض يمكن تخيل أن يسهموا فى التعددية الثقافية كما قد يفهمها عالم اليوم . ربما يمكن تصور أن تسهم الياپان أو الهند أو الصين فى الثقافة العالمية بأشياء هنا وهناك ( الياپان هى القوة الثقافية الثانية فى العالم ولها طوال التسعينيات أربعا أو خمسا من أنجح 100 فيلم سنويا على مستوى العالم ، ناهيك عن هيمنة المانجا المتواصلة على محلات الڤيديو ، بمعنى أنها وجدت فى جودزيللا ضالة أتاتورك الضائعة لها ! لكن فقط لا تنس أن الياپان وقبل هذا بسنوات جعلت من نفسها القوة الاقتصادية والتقنية الثانية فى العالم وقبل هذا بعقود أخرى قتلت ثقافتها وتراثها قتلا بدستور كتبه الچنرال ماكآرثر بخط يده وليس حتى على آلة كاتبة ومن الملفت أنهم لا يسعون لتعديله قط وكأنهم لا يريدون اكتساب هذا الحق أبدا ! ) .

نعم ، لقد فعلتها الياپان وألمانيا ، والآن تفعلها الصين والهند . فمتى يأتى دورنا فى التخلص من هويتنا بثقة وشجاعة ؟ قبل ثلاثة أرباع قرن من الآن كان المصريون يسخرون من الطربوش والبرقع ويتسابقون لارتداء الملابس الغربية . هذا ما يفعله الشباب الصينى والهندى صباح مساء اليوم بولعهم بكل شىء غربى بدءا من التقنية حتى الموسيقى . بصراحة : لقد قضى انضواء أكبر كتلتين بشريتين فى العالم فى ركاب الثقافة الغربية على آخر أمل لأية ثقافة قومية أخرى مستقلة فى الوجود بعد اليوم . أو بعبارة أخرى : لا مكان لأحد فى عالمنا عالى التقنية سريع التقدم دون أن ينسى شيئا اسمه الهوية !

لنمحو هويتنا وديننا وماضينا ، ونجعل التقنية أيديولوچيتنا . هذا هو الشرط الأول للتنمية كما نراه مطبقا حول العالم .

 ( ولعله ليس من قبيل الخيال العلمى [ ‏الجمعة‏‏ ‏31‏‏ ‏مايو‏‏ ‏2002‏ ‏41‏:‏02‏ ‏ص‏ : استيقاظ أن نتخيل وقتا قريبا تسمى فيه البلاد –لن يكون اسمها دولا آنذاك‑ باحداثيات عواصمها على الخريطة ، أو تعرف برقم سابقة الهاتف الدولى ‑كأن تسمى مصر مثلا البلد +31+30 أو البلد 20 ، وهكذا‑ وذلك باعتبار أن الاسماء تحمل فى حد ذاتها بعض رواسب الهوية التى يجب التخلص منها ) .

بكلمات أخرى مثل هذه الدول لا تنادى بالتعددية إنما تمارسها وتفعل هذا بعد أن أصبحت بالفعل قوى اقتصادية مؤثرة نسبيا ويحترمها العالم بعد أن اندمجت فى ثقافته على حساب ما اتضح أنه قيم بالية عندها . إنما أن ينادى المتخلفون بالتعددية فهذا هو الوبال بعينه على البشرية هذا بفرض أن منحهم أحد أذنا صاغية من الأصل . فالعالم يعى تماما أن هذه الشعوب متخلفة تقنيا وحضاريا لأن ثقافتها أو معظمها على الأقل متخلف وتخطاه الزمن .

Chinese design company Spring Bamboo fashion show, Shanghai, April 26, 2002.

Silk Road’s One Way Ticket; or: East’s All-New ‘Identity’:

Take 1: The Lady from Shanghai!

 نقول هذا ونحن نعلم جيدا أن العرب قدموا بالفعل واحدا من تلك الإسهامات البسيطة التى أصبحت جزءا من ثقافة المواطن العادى فى الغرب . هذا حدث مرة واحدة عندما ترجمت ألف ليلة وليلة للغات الأوروپية وعصفت بالحياة الثقافية هناك وما تزال تعصف ، بدءا من ظاهرة ڤالينتينو حتى أحدث أفلام ديزنى .

أما تمسكهم اليوم بالتعددية فليس مطلبا حصيفا بالمرة ولن يقابل إلا بالسخرية مع ما هم عليه من تخلف ويجب عمليا على الأقل أن ينسوا قضية الثقافة بالمرة وأن يركزوا أولا على جسر الهوة التقنية ومن ثم الاقتصادية المريعة بينهم وبين العالم المتقدم . وبالنسبة للثقافة هناك حل أسهل سلكه من هم فى مثل هذا الوضع الميئوس ، أو على الأقل هو حل ليس مستحيلا كما بالضرورة المطالبة قسرا بالتعددية . هذا الحل هو ترك ثقافتهم ومن ثم تبنى ثقافة أخرى أفضل .

( بمناسبة الحديث عن الدساتير ، ربما الصواب فيما يخص الدستور المصرى ‑وهذا يسرى على من يشاء من الآخرين بالطبع‑ ‏الاربعاء‏‏ ‏20‏‏ ‏فبراير‏‏ ‏2002‏ ‏43‏:‏12‏ ‏ص‏ أن يلغى بالكامل ، ويستبدل بقانون من مادة واحدة تكلف بمقتضاه المحكمة الدستورية العليا برقابة قوانين السلطة التشريعية وقرارات السلطة التنفيذية فى ضوء دستور أجنبى أكثر حداثة وعلمانية ، وليكن الدستور الأميركى مثلا ، أو مجموعة الدساتير المتسقة معه . ولا يغيب عن الذهن أن بعضا من أرقى دول العالم مثل بريطانيا وإسرائيل ليس لها دساتير مكتوبة ، زائد بالطبع ما قلناه عن أن دستور الدولة الرابعة المهمة قد كتبه لها چنرال أميركى . أيضا لا بد من ملاحظة أن فكرة الدستور فى حد ذاتها تكاد تتعارض بحكم التعريف نفسه ، مع طبيعة عالمنا عالى التقنية سريع التغير ) .

Padma Lakshmi, Madhu Sapre and Katrina Keif in a show by Indian fashion designer Tarun Tahliani in front of Bombay's historic Gateway of India, April 24, 2002.

Silk Road’s One Way Ticket; or: East’s All-New ‘Identity’:

Take 2: A Passage to India!

إذن المشكلة التى تواجه الثقافات القومية هى ببساطة هى أن عليها أن تستبدل نفسها بثقافة أخرى . ويفترض أن عالمة الأنثروپولوچيا الأشهر مارجاريت مييد قد حسمت هذه القضية قبل ثلاثة أرباع القرن بأن لا حلول وسط فى هذا الشأن ، وذلك عندما قالت إن الثقافة كاللغة إما أن تقبلها كلها أو تتركها كلها .

الواقع الذى نراه ونتعامى عنه ونخشى الاعتراف به أن غالبية شعوب العالم تفعل هذا بحماس ، ونحن لا نرى منه سوى ما يعجبنا وهو كلام بعض المثقفين عندهم عن ضرورة الحفاظ على ما يسمونه التعددية الثقافية أو الهوية القومية .

فى الياپان أو المكسيك 200307worldbusiness/15FILM تقول إن إيرادات شباك المكسيك قفزت من 110 مليون سنة 1995 إلى 600 مليون دولار سنة 2002 تحصل الأفلام المكسيكية على 10 0/0 من عدد الـ 150 مليون تذكرة و5 0/0 من عدد الإفراجات ومثلهما كثير ، تحصد أفلام هولليوود 90 0/0 من إيرادات شباك التذاكر ، والبقية للأفلام المحلية . فى مصر النسبة هى العكس . أشياء كثيرة من هذا القبيل ، أو ربما ثانوية أحيانا ، كافية غالبا لأن تدلك على أين وضعت الشعوب تعهداتها ، وإلام يتطلع شباب المستقبل فيها ، الانخراط فى الجلوبة أم الانكفاء على الذات الماضوية .

Margaret Mead

Take It or Leave It!

هذه الورقة لا تعتقد بالمرة أن الهند أو الصين التى أصبحت قناة إم تى ڤى الموسيقية المتحررة أكثر نجاحا فيها من بلدها الأم أميركا ، شعوب تريد الحفاظ على ثقافتها القومية ، بل العكس بالضبط أنها تريد إحالتها للمتحف والتخلص منها بأسرع ما يمكن . وكل ما نستطيع التحفظ به مؤقتا فى هذا السياق أن ربما يكون لهذه الشعوب سقف لن تتخطاه فى الانضمام لمسيرة المستقبل ( أو أمركة نفسها لو شئت ) ، بسبب أن الرغبة وحدها لا تكفى ، وأنها وإن خلعت جلدها القديم فإنها لم تستطع خلعه بنسبة 100 0/0 كاملة .

وعندما يتجرأ أحد على ذكر كلمة التغيير فإن الشعار الجاهز الذى يشهر فى وجهه على الفور هو ما يسمى ثوابت الأمة . هذه الورقة تفترض ما يلى :

أولا : أنها أكثر مما يجب وتنم من الناحية الكمية وحدها على عقلية ستاتية رجعية رافضة للتجدد والتغيير . نحن من أكثر المهتمين بإشكالية الثوابت ، بل الواقع نأمل فى التفرغ للبحث فى هذا الطموح الفلسفى المثير يوما الفارق الوحيد أننا نعتبر ما عمره من عمر الكون هو فقط الثوابت ، وما عدا هذا هو متغيرات ! لكن ما أبعد الفجوة ليس فقط بين هذا وبين الستاتية الكلية للعقل العربى ثقافيا وسياسيا أو حتى تقنيا ، بل بينها وبين أى فكر آخر فى كل بقية العالم ، الذى يدرك أنه بات عالما عالى التقنية ومن ثم سريع التطور .

كجميع العرب نحن أيضا من المهتمين بإشكالية الثوابت ، الفارق الوحيد أننا نعتبر ما عمره من عمر الكون هو فقط الثوابت ، وما عدا ذلك هو متغيرات !

 [ البداية بالنسبة لنا قد تكون مشروع موقع بالإنترنيت نخطط له بعد EveryScreen.com ، سوف يحمل عنوان nOusia.com ، والكلمة تركيب لكلمتى nous, ousia اليونانيتين القديمتين بمعنى عقل المادة أو روح الجوهر المادى . التحكم ( ومنه قانون القوة ) Control ، الاجتماع ( أى الحاجة للتفاعل ) Socialization ، الفردانية ( بمعنى تميز كل فرد ) Individuality ، الاستعقاد ( بمعنى التطور رأسيا ) Sophistication ، التلافف ( بمعنى التطور أفقيا ) Conglomeration ، التخصص ( كميل تصاعدى فى مسيرة التطور ، أو ربما كان ميلا ثابتا كغيرة من الناوسيات المذكورة الأخرى ) Specialization ، هى من بين الأشياء المرشحة كثوابت ، والتى يبدو أنها كانت حقيقة واقعة منذ عصر تكون المجرات ، وإن كانت خاضعة بالطبع لمزيد من البحث مستقبلا أو للحذف أو الدمج أو الإضافة ] .

عندهم الكدح وعندنا الرزق ، عندهم الانفتاح وعندنا الهوية ، عندهم الحرية الجنسية وعندنا الدين ، عندهم الابتكار وعندنا التقديس ، عندهم المنهج وشمول الرؤية وعندنا الأحادية وكون القبيلة كل العالم ، عندهم كل شىء موضوعى ومادى وعندنا كل شىء ذاتى ومشخصن ، عندهم المواجهة والواقعية والشفافية وعندنا الكرامة والشرف وشكليات الفضيلة ، عندهم الفرد والنقاش والتمرد وقوة الشخصية وعندنا السمع والطاعة والأسرة والإجماع . العقل العربى عقل دون إنسانى لا يمكنه حتى تجريد المعانى والرموز والأفكار . كل ما يفهمه هو فقط رابطة الدم ، هى معياره الوحيد فى الحكم على الأمور ، لا قيمة للأفكار ولا للمبادئ ولا حتى للمصالح . فقط أنا وأخى ضد ابن عمى ، وأنا وابن عمى ضد الغريب ( أحد الأمثال الشعبية العربية الدارجة لا نهائية العدد ، لكن من القلة القليلة جدا منها المفعلة فعلا على أرض الواقع بحيث ترقى لمستوى القانون الاجتماعى والثقافى إن لم يكن لمستوى القداسة ! ) . الإنسان الأبيض لا يهتم برأى الآخرين فى مظهره أو فى شخصه أو ’ بصورته المشوهة ‘ ، ويهتم فقط برأيه هو فى نفسه ، ولن نذهب أبعد فنقول أنه -أو الإنسان الياپانى وسنعود لهذا ، لا يهتم حتى بذلك ، إنما فقط بالحقيقة الموضوعية ، بالمحتوى !

إجمالا هم آلات عاقلة باردة ثوابتها العلم والعلمانية والعملية والعالمية ، ونحن حيوانات غريزية انفعالية هاجسها الأهل والعرض والأرض والفرض . ولهذا السبب هم دوما بناءون ، بينما نسقنا القيمى الذى نراه سماويا ومقدسا هو تحديدا الذى يجعلنا طوال الوقت طفيليين همجا مارقين هدامين وقطاع طرق نسعى لتقويض كل ما يبنيه الغير ، العدو دائما أبدا . والنتيجة أن التاريخ العربى لم يكن سوى منوال تكرارى لا نهائى من حلقتين لا ثالث لهما : غزوة بدر ثم صلح حديبية ، بدر ثم حديبية وهلم جرا من مجازر غدر وإبادة وقطع طريق عند القوة فتمسكن واستكانة وكذب يسمى التقية عند الضعف . الشرف والوضوح ورغبة التعايش الصادق مع الغير أمور غير واردة من الأصل فى مثل هذا السيناريو .

توجد نسخة ثالثة فى صفحة العلمانية ورابعة بالفن الجماهيرى 4 ‏الجمعة‏‏ ‏11‏‏ ‏يناير‏‏ ‏2002‏ ‏21‏:‏08‏ ‏ص‏ الفقرة الثانية هى التى جاءت بالأحمر لأول مرة تلقائيا باللصق من الأصل على اليمين وتركت وإن عدل هو ! ببساطة نحن متخلفون لأننا اخترنا الثوابت الخطأ ، أو بالأحرى طبعا أن اختارتها لنا چييناتنا !

ثانيا : أنها جميعا ثوابت متخلفة وليس بها أى شىء جيد تحت أى معيار مقبول عالميا ، يكفى أن عندهم الكدح وعندنا الرزق ، عندهم الانفتاح وعندنا الهوية ، عندهم الحرية الجنسية وعندنا الدين ، عندهم الابتكار وعندنا التقديس ، عندهم المنهج وشمول الرؤية وعندنا الأحادية وكون القبيلة كل العالم ، عندهم كل شىء موضوعى ومادى وعندنا كل شىء ذاتى ومشخصن ، عندهم المواجهة والواقعية والشفافية وعندنا الكرامة والشرف وشكليات الفضيلة ، عندهم الفرد والنقاش والتمرد وقوة الشخصية وعندنا السمع والطاعة والأسرة والإجماع . العقل العربى عقل دون إنسانى لا يمكنه حتى تجريد المعانى والرموز والأفكار . كل ما يفهمه هو فقط رابطة الدم ، هى معياره الوحيد فى الحكم على الأمور ، لا قيمة للأفكار ولا للمبادئ ولا حتى للمصالح . فقط أنا وأخى ضد ابن عمى ، وأنا وابن عمى ضد الغريب ( أحد الأمثال الشعبية العربية الدارجة لا نهائية العدد ، لكن من القلة القليلة جدا منها المفعلة فعلا على أرض الواقع بحيث ترقى لمستوى القانون الاجتماعى والثقافى إن لم يكن لمستوى القداسة ! ) . الإنسان الأبيض لا يهتم برأى الآخرين فى مظهره أو فى شخصه أو ’ بصورته المشوهة ‘ ، ويهتم فقط برأيه هو فى نفسه ، ولن نذهب أبعد فنقول أنه -أو الإنسان الياپانى وسنعود لهذا ، لا يهتم حتى بذلك ، إنما فقط بالحقيقة الموضوعية ، بالمحتوى !

إجمالا هم آلات عاقلة باردة ثوابتها العلم والعلمانية والعملية والعالمية ، ونحن حيوانات غريزية انفعالية هاجسها الأهل والعرض والأرض والفرض . ولهذا السبب هم دوما بناءون ، بينما نسقنا القيمى الذى نراه سماويا ومقدسا هو تحديدا الذى يجعلنا طوال الوقت طفيليين همجا مارقين هدامين وقطاع طرق نسعى لتقويض كل ما يبنيه الغير ، العدو دائما أبدا . والنتيجة أن التاريخ العربى لم يكن سوى منوال تكرارى لا نهائى من حلقتين لا ثالث لهما : غزوة بدر ثم صلح حديبية ، بدر ثم حديبية وهلم جرا من مجازر غدر وإبادة وقطع طريق عند القوة فتمسكن واستكانة وكذب يسمى التقية عند الضعف . الشرف والوضوح ورغبة التعايش الصادق مع الغير أمور غير واردة من الأصل فى مثل هذا السيناريو .

يقولون لك عندنا تبقى الزوجات على أسمائهن الأصلية وفى الغرب يتخلين عنها لصالح اسم الزوج ، وكأن احترام وتكريم المرأة أكثر عندنا منه عندهم ! طبعا خطأ ! أكذوبة فاحشة ! السبب هو أننا نؤمن برابطة الدم وبالأسرة الكبيرة وبالماضى اللا نهائى ، ونرفض تمثل فكرة الأسرة النووية التى جاء بها عصر الصناعة ، حيث مفهوم بناء حياة جديدة أو مستقلة عن الجذور فكرة غير واردة أصلا فى العقل العربى ولا يطيق أحد تخيلها . والنتيجة أنك لا تتزوج امرأة إنما قبيلة كاملة تدس أنفها فى غرفة نومك مدى الحياة ، والعكس بالعكس بالنسبة للمرأة . التكافل والتواصل والتواد والتراحم وصلة القربى ، كلها قيم بائدة عفا عليها الزمن وهجرها العالم ، لصالح مبدأ الفردانية والتنافسية المطلقين . قد ترد قائلا إن الاجتماع قدرة ، كان كذلك وسيظل هكذا للأبد ، والجماعة أقوى من مجرد مجموع الأفراد . طبعا هذا صحيح ، لكن ثمة فارق هائل بين أن يبنى الاجتماع على المشاعر والانفعالات فتكون هى الرابطة الأساس بين أعضائه ، وبين أن يبنى على العقل والمصلحة . تلك المجتمعات الغربية التى يصمها كتابنا طوال الوقت بأنها فردانية ومفككة ، هى فى الواقع أقوى ترابطا من مجتمعاتنا بمراحل . ولا مجال للمقارنة أصلا ، ذلك أن هذا الترابط مبنى عندهم على أساس من المادية ، بالمعنى الفلسفى للكلمة . مصلحة الفرد من مصلحة الشركة التى ينتمى لها ، حتى لو كان طوال اليوم يتنافس ويتشاجر مع زملائه فيها . ازدهار ومصلحة الشركة من ازدهار ومصلحة الاقتصاد ككل ، حتى لو كانت تسعى كل الأيام لتدمير منافساتها . أو ‑وهذا من نافلة القول‑ هو ككل جوهر نظرية آدم سميث الاقتصادية القائمة على أن المصلحة العمومية تكمن فى التنافس أو فى سعى كل فرد لمصلحته الشخصية لا أكثر . بمعنى أوضح الاجتماع الصحيح ، لا يقوم على حماية المجتمع لكل أفراده ، بل حماية المجتمع لنفسه ، أى بما قد ينطوى عليه هذا من تضحية إلزامية بالضعفاء والزائدين عن الحاجة . هذه كلها تمثل الوجه المادى الإيجابى الذى تنص عليه علوم الاجتماع وعلوم الاقتصاد وعلوم البيولوچيا . وربما لنا عودة لهذه الأخيرة بعد قليل ، بالذات مع ظهور النظرية المثيرة المسماة بالچيين الأنانى التى تستكشف مثل هذا الكلام على الصعيد البيولوچى أو حتى الميكروبيولوچى المحضين . وشتان بين أى من كل هذا الكلام ، وبين عبارة ’ أنا وأخوى على ابن عمى ، وأنا وابن عمى ع الغريب ‘ ، ذلك المعنى العاطفى الأجوف وغير المادى بالمرة الذى لا تعرف سواه شعوبنا انفعالية الطباع متوارية العقول .

انظر حتى للمفردات المستخدمة . كلمة العالم العربى لا تقرأها فى الصحف الأجنبية إلا وقد وضعت بين قوسين استغرابا أو استهزاء أو دعوة للفرجة على حفريات التاريخ التى ترى أنها هى ’ العالم ‘ وما وراءها بحر الظلمات وبلاد الجان ، بينما كلمة world تعنى فى مخيلة الغرب كوكبا كامل الكروية . الكلام يطول ويطول ، لكن : ببساطة نحن متخلفون لأننا اخترنا الثوابت الخطأ ، أو بالأحرى طبعا أن اختارتها لنا چييناتنا ! ( هل اخترنا نسقنا القيمى برغبتنا أم هو موجود فى چييناتنا قد تكون مادة لمناقشة لاحقة ، لكن عند هذه المرحلة نقول نعم ’ اخترنا ‘ ولا تملص من المسئولية . وأرجو ألا تكون ثمة نظرية مؤامرة أخرى فى هذا ، وكلمة سارتر الشهيرة تقول ما معناه أنك أنت الذى تختار لمن تذهب لاستشارته فى مشكلتك : الكاهن أم أنيس الحانة النكرانى ) .

ثالثا : أن لا شىء يمكن تجميده بما فيه القيم والأخلاق نفسها عند نصوص عمرها آلاف السنين فهذا ضد منطق الطبيعة والتطور ومن غير الممكن قبوله نظريا .

رابعا : أنها –أى تلك الثوابت– فعلا أكذوبة فى الواقع العملى ولا تزيد عن كونها نوعا من التربح السياسى للبعض أو الديماجوچية المحضة . نتمسك بالكرامة والكبرياء الزائف ولا نرى الفقر والتخلف الذى نحن عليه ، ولعل أحد أشهر ما يقال عليه حاليا الثوابت العربية وهو قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالصراع العربى الإسرائيلى ، يختلف مائة وثمانين درجة عن ’ ثوابت ‘ ما قبل عقود قليلة بأن لا صلح لا اعتراف لا تفاوض مع إسرائيل .

An Arab woman wearing 'niqab' snaps a souvenir photograph of Kristina Nikolayeva, a contestant from Belarus, at the first Lebanon's Miss Bikini contest, Mediterranean coastline, Beirut, July 22, 2003.

Hypocrisy or Deprivation:

Why Do Women of Niqab Love Bikini?

قس نفس الكلام على الثابت المخيف الآخر وهو الدين والذى أصبح فى الأعوام الأخيرة –وهذا مجرد مثال– يسمح على نطاق واسع بالخلانية والخيانة الزوجية وحتى بالدعارة ، فقط بعد وضع مسميات دينية جديدة مستنزلة لها تقنن تعدد الزوجات والزواج محدد المدة وزواج المتعة المدفوع …إلخ ( دع جانبا وهو الأهم دفع الأجر المناسب لرجال الدين لأداء المراسم والطقوس ، وكأن كل الاعتراض ليس على الحريات الجنسية الاجتماعية والفردية ( الشخصية ) ، إنما فقط على ممارستها دون توريد القرابين للكليروس ، أو : طعام الكهنة هو كل ما يدور حوله الدين ، وحاول الرجوع لنصوص سفر اللاويين ونحوه من الشريعة الموسوية ، أو أية شريعة أخرى ) . الموضوع كله رياء فى رياء ، والضحية هى الإنسان البسيط ، وطبعا القارئ يفهم كل ما نقصد ولا حاجة للإفاضة .

Taha Hussein

You Can’t Afford Leaving It!

خامسا- دون التخلص من كل هذه الثوابت ، والانخراط enlist فى مسيرة التحديث العالمية ‑ليس تقنيا فقط ، إنما بتبنى الثقافة والهوية العالمية التى اكتشفتها واعتمدها سائر البشرية فى سياق وصولها لهذا النجاح ، فالبديل مرعب . إنه الإبادة . هذا ما علمتنا إياه تجربة السكان الأصليين فى فى كل قارات العالم . [ تابع حديث الإبادة فى الصفحة الجديدة بذات العنوان ] .

هكذا تصبح فى الثقافة العربية إشكالية التغيير ثلاثية الأس –إن جاز هذا التعبير الرياضياتى . فمشكلتنا ليست فى الرواسب اللا شعورية كالتى قد تمنع الأمم المذكورة قبل قليل من القبول الكامل بالمستقبل ، بل فى أننا لا نمتلك قدرة التغيير تلك التى تتميز بها معظم الشعوب الأخرى ، وثالثا أننا نرفض بالدقة والتحديد وبوعى كامل نوع الثقافة المطلوب أن نشغل قلاب ( سويتش ) مارجاريت مييد إليه ، ما يستحب منها وما يعاب ، بالتعبيرات الرفيعة للدكتور طه حسين ، تلك الثقافة التى سوف نفصل بعض خصائصها بعد قليل . ( هذا مع كل الاحترام لا يقلل من تحفظاتنا المعتادة على د . طه حسين كيسارى صاحب فكرة الماء والهواء فى التعليم وكانت سر نكبته ونكبة كل شىء الكبرى فى الحياة المصرية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية ، وكأول من أطلق على عصابة يوليو اسم ثورة ، وأول من نظر إطلاقا مقال له فى أغسطس أو أوائل سپتمبر 1952 أورده هيكل فى الجزيرة 24 أغسطس 2006 لتوجههم يسارا فى وقت كانوا فيه بلا بوصلة إطلاقا ، أو ربما كانوا يبحثون عنها فى ماضيهم الذى كان إسلاميا على نحو عام ) . ما نقوله فقط عند هذه المرحلة أن بعض مثقفينا ‑ولو بروح تصالحية مخلصة‑ يعتقد أحيانا أننا من الممكن أن نكون متقدمين ومخترعين دون أن تكون سيقان وصدور نساءنا عارية فى الشوارع .

Hugh Hefner with the first copy of Playboy magazine in his Holmby Hills estate, Los Angeles, days before he turns 70-years-old April 9, 1996.

Red Pajamas:

No Real Future Before We See Our Arabic Playboy!

ببساطة هذا مستحيل . عرى النساء جزء من الحرية المطلقة وتحطيم المقدسات التى يجب تربية الأطفال عليها منذ نعومة أظافرهم . ومن غير تحطيمها كلها دينية وغير دينية ، وإزالة كل غشاوتها عن العقل ، لا مجال بالمرة لشىء اسمه خيال أو إبداع أو اختراع أو ابتكار . لا غشاوتان ، حجاب الجسم وحجاب العقل ، فقط غشاوة واحدة ، حجاب أو لا حجاب .

ببساطة أكثر : 1- هذا عالم من القوة . 2- فى عالم من القوة ، التقنية هى اسم اللعبة . 3- لن نكتسب التقنية قبل أن تنجلى عقولنا . 4- لن تنجلى عقولنا دون أن تتعرى نساؤنا ( وتمارس بناتنا الجنس بحرية فى سن صغيرة ) . 5- عرى النساء ( وممارسة البنات الجنس بحرية فى سن صغيرة ) أمر يتوقف على الثقافة . 6- الثقافة تتوقف على التكوين الچيينى . 7- تغيير التكوين الچيينى يحتاج لمذابح جماعية كبرى . 8- بدون حسم سؤال هل أنت مع التقنية أم مع الثقافة لصالح الأولى ، فإن البديل هو الإفناء الكامل .

1- هذا عالم من القوة .

2- فى عالم من القوة ، التقنية هى اسم اللعبة .

3- لن نكتسب التقنية قبل أن تنجلى عقولنا .

4- لن تنجلى عقولنا دون أن تتعرى نساؤنا .

5- عرى النساء يتوقف على الثقافة .

6- الثقافة تتوقف على التكوين الچيينى .

7- تغيير التكوين الچيينى يحتاج لمذابح جماعية كبرى .

8- بدون حسم سؤال هل أنت مع التقنية أم مع الثقافة لصالح الأولى ، فإن البديل هو الإفناء الكامل .

أنا لن أستطيع القول أنى أعيش فى مجتمع عصرى وصحى قبل أن أستطيع شراء مجلة الپلاى بوى بكل حرية وعلن من كشك الصحف أسفل منزلى . هذا ليس شيئا يحدث بقرار من وزير الإعلام يصدر صباح الغد ، إنما لن يتأتى قبل أن يكون المجتمع قد قطع أشواطا طويلة ومريرة من أجل الرخاء الاقتصادى والتفتح العقلى ، وهما أمران شديدى التفاعل والارتباط والاعتماد أحدهما على الآخر .

هذه الترابطات هى ما سنحاول تحليله وإثباته فيما تبقى من هذه الدراسة .

[ ظاهرة التفاوت فى قبول المستقبل لم تعد خافية على أحد ، وفى 24 أكتوبر 2000 وتحت عنوان ’ ثورات ثقافية ‘ جاء مقال توماس إل . فرييدمان كاتب العمود اليسارى الشهير بجريدة النيو يورك تايمز . المقال يتحدث عن مدى استعداد الصين للدخول فى منظمة التداول العالمية WTO وصل فيه إلى حد القول أن الحزب الشيوعى نفسه هو أول السعداء بما يسمى ضغوطا خارجية لأنها تسهل له الترويج للاصلاح الاقتصادى وسط الشعب الصينى !

المؤسف أنه لم يجد طوال الوقت سوانا عرب الشرق الأوسط لعقد المقارنات : ’ أربطوا أحزمة المقاعد ، فى الصين اختاروا المستقبل ...فى الشرق الأوسط اختاروا الماضى ! ‘ ] . [ أيضا متابعة أخرى لذات الموضوع فى 24 أپريل 2002 ، بمناسبة عمود آخر لفرييدمان فى المقارنة بين الصينيين والعرب ! ] .

حتى نشخص أولا الشق الخاص بمدى قدرتنا على تغيير أنفسنا نقول أننا ومنذ قرون نعيش فى عصر يكتسب فيه قطاع كبير من البشر صفات لا إنسانية أصلا كالدقة البالغة والحكم الموضوعى وكبح الذاتية وعدم الكلل وقهر الشعور بالملل واستبعاد العواطف والانفعالات . إلا البعض القليل الذى يحفز على العمل والمنافسة كالطموح مثلا ، وذلك فى مقابل العواطف ’ الشرقية ‘ إن جاز التعبير كالكرامة والانتقام والشرف والعرض …إلخ .

ربما كانت هذه عواطف إيجابية للعيش أيام حماسة الحروب الدينية والقومية ذات السيف والرمح ، لكن ما نراه اليوم أن البشر أشباه الآلات يتسامون عليها ، وتقتصر ممارستهم لها عند اللزوم على الفرجة على مباراة لكرة السلة أو الذهاب لأحد الأفلام مساء والانفعال مع أى منهما . الواضح كثيرا أننا لا نملك من الخصائص الچيينية والنفسية إلا أقل القليل مما يؤهلنا لاكتساب هذه الصفات الجديدة ، ومن ثم نجد أن مقاومة التقدم أقوى بكثير عندنا مما هى عليه فى الثقافات الصفراء أو اللاتينية . هذا الرفض للتقدم هو ما يسمى عندنا الطبع يغلب التطبع ( أو بالعامية عندنا عبارات وفيرة مثل الكبير كبير ، أو ع الأصل دور …إلخ . وكلها تصب فى الحقيقة اليمينية جدا القائلة بأن الناس يولدون ثم لا يتغيرون أبدا ، ذلك أن الچيينات قدر المرء الوحيد الذى لا فكاك منه ) .

قد يقال إن الآلات هى التى صبغت البشر ‑وستظل تصبغ المزيد منهم‑ بهذه الصفات . هذا صحيح بدرجة ما ، لكنه لا يجب أن يعمينا عن حقيقة أن هناك عرقين من البشر بالذات دون غيرهما ، كانا الأسرع فى تقبل هذا التحول إن لم نقل صنعه ‑وهذه الأخيرة هى الأدق .

إنهم من كانت لديهم أصلا تلك العقلية الباردة ودشنوا بها بسرعة وقوة مذهلين الثورة الصناعية بشقيها التقنى والمالى ، ألا وهم تحديدا الإنجليز واليهود .

Members of the Grenadier Guards march through London in their trademark bearskins hats, 2001.

Post-Human Machines:

The Industrial Revolution Was Anglo. Didn’t Ask Why?

وقبل الاسترسال فى هذا يجب التوضيح هنا أننا لسنا بصدد الحديث هنا عن الأعراق races ، أو إحياء محاولات قديمة لإثبات تطابق الأصول العرقية لذلكما الشعبين ، وأشهرها ما سمى النظرية الأنجلو‑إسرائيلية ، والتى باءت بالفشل علميا فى حينها ، وإن كان من آثارها غير المباشرة أن اتضح أن الرابطة الأنجلو‑ساكسونية هى أيضا رابطة واهية ، وأصبح الإنجليز يصرون على أن القبائل التى استوطنت إنجلترا وسميت الساكسون لا تحمل تشابها لغويا أو ثقافيا يذكر بينها وبين ساكسون القارة ، بل هم شديدو الصلة ببقية سكان الجزر البريطانية من الأنجلى ( مثلا ترى الموسوعة البريطانية طبعة 1910 فى مدخلها الموجز عن نظرية الـ Anglo-Israelite Theory ، أن الكتاب الذى صدرت فيه لأول مرة واسمه Philo-Israel ، كان معيبا ثيولوچيا وأنثروپولوچيا حيث يفترض أن الإنجليز ومستعمراتهم والولايات المتحدة هم سلالة ’ الأسباط العشرة ‘ بعد شتات الملك الفارسى سرجون لليهود . لكن فى ذات الوقت ترى ذات الموسوعة كم هى واهية أيضا الرابطة الأنجلو‑ساكسونية . فالساكسون البريطانيون لا يشبهون ساكسون القارة ، ويشبهون بشدة الأنجلو من حيث العادات واللغة والسلوك ) .

ثورة إخناتون أم كل كوارث العالم القديم ، والثورة الفرنسية أم كل كوارث العالم الحديث . بإضافة حقيقة التوطن الچيينى للفكر اليسارى فى مصر يمكن تعديل هذا لأن مصر هى أم كل كوارث العالمين القديم والحديث !

نعم ، ثورة إخناتون هى الزلزال ، والأديان المتجلاة الثلاث وكل عصور الظلام هى التوابع . والثورة الفرنسية ( أو هوجة الباستيل لو شئت ) هى الزلزال ، والثورة البلشفية ( أو هوجة قصر الشتاء لو شئت ) وهوس الديموقراطية وحقوق الإنسان ( أو هوجة البناية النيو يوركية ذات الاثنين وأربعين طابقا لو شئت ) هى مجرد توابع . إذا كانت هوجة قصر الشتاء قد انحسرت فى نهاية المطاف ، وهوجة نيو يورك تعانى من إرهاصات الاحتضار المحتوم ، فإن هوجة الباستيل لا تزال نشطة للغاية ومتغلغلة فى كل مكان ، والأسوأ أن لا يكاد يوجد وعى عالمى يذكر بمدى الشرور والتخلف الكامنة فيها . هذه ( بغض النظر إذا ما كان منبعها وادى النيل أم لا ) ، هى الإشكالية رقم 1 أمام العقل العالمى اليوم ، والتحدى رقم 1 أمام مستقبل هذا الكوكب !

تابع المزيد عن الثورة الفرنسية فى صفحة الليبرالية ، وعن مصر القديمة فى صفحة العلمانية ، أو فى مدخل جديد عن ’ عبقرية مصر ‘ فى صفحة الثقافة هذه .

نحن لا نتوق لإحياء نظرية كهذه ، بل ننطلق فقط من التشابه العميق الذى ينفرد به العرقان الأنجلو واليهودى من حيث خصائصهما النفسية بعد‑الإنسانية ( بالطبع نقصد باليهود الأشكيناز منهم ، من عركتهم محارق بلاد الصقيع فصاروا عرقا لا يمت بصلة للعرق الساموى شرق الأوسطى الانفعالى التطيرى التقليدى ، والمسمى بالبرابرة فى القاموس الأرسطى ، ذلك الذى لا يزال بالتأكيد على تخلفه أيا ما كانت دياناته ، والتى لا يمكن أن نستثنى اليهودية منها ) . بالتالى لا يهمنا هنا إثبات أى شىء يتعلق بالأعراق رغم أن بحوث الهندسة الچيينية تجعلنا نشم فى الهواء نظريات سوف تقلب خلال من 5-7 أعوام من الآن كل نظريات البشر السابقة عن أنفسهم ، وأقلها تفجير فكرة المساواة التى جاءت بها ما تسمى بمبادئ الثورة الفرنسية ، مبادئ جمهورية المقصلة ، تلك التى ما أن مدت على استقامتها حتى أتتنا بالشيوعية البغيضة . ورغم كل ما تبدو عليه حضارتنا اليوم من اندفاع العودة إلى اليمين كما أرادته لها الطبيعة منذ فجر التاريخ ، لم تتخلص بالكامل بعد من بذور الاشتراكية الدخيلة فيها ، ولا تزال تخشى إجراء مراجعة لها رغم مرور أكثر من قرنين عليها . وبالمناسبة يجب القول إن الثورة الفرنسية التى أتت بحكم الدهماء المدعو الجمهورية أحيانا والديموقراطية أحيانا أخرى والاشتراكية أحيانا ثالثة ، هى أم كل كوارث العالم الحديث ، تماما كما كانت ثورة إخناتون التى أتت بالأديان المتجلاة ووأدت كل الحضارات القديمة هى أم كل كوارث العالمين القديم والوسيط . نعم ، ثورة إخناتون هى الزلزال ، والأديان المتجلاة الثلاث وكل عصور الظلام هى التوابع . والثورة الفرنسية ( أو هوجة الباستيل لو شئت ) هى الزلزال ، والثورة البلشفية ( أو هوجة قصر الشتاء لو شئت ) وهوس الديموقراطية وحقوق الإنسان ( أو هوجة البناية النيو يوركية ذات الاثنين وأربعين طابقا لو شئت ) هى مجرد توابع . إذا كانت هوجة قصر الشتاء قد انحسرت فى نهاية المطاف ، وهوجة نيو يورك تعانى من إرهاصات الاحتضار المحتوم ، فإن هوجة الباستيل لا تزال نشطة للغاية ومتغلغلة فى كل مكان ، والأسوأ أن لا يكاد يوجد وعى عالمى يذكر بمدى الشرور والتخلف الكامنة فيها ، بفضل مساحيق التجميل الكثيفة التى تتجمل بها ، مما برعت فرنسا فى تصنيعه وتصديره للعالم . بعد قليل سنتحدث عن مدى التوطن الچيينى للفكر اليسارى أيضا فى مصر ، ومن ثم قد نقترح تعديل هذه المقولة لأن مصر هى أم كل كوارث العالمين القديم والحديث معا . على أنه ‑بغض النظر عن إذا ما كان منبع كوارث البشرية الآنية هو وادى النيل أم لا ، يظل حسم الموقف تجاه ما أتت به الجمهورية الفرنسية من أطروحات أيديولوچية ، هو ‑فى اجتهادنا المتواضع‑ الإشكالية رقم 1 أمام العقل العالمى اليوم ، والتحدى رقم 1 أمام مستقبل هذا الكوكب !

تأكيدا ما نحن برجعيين نريد العودة بالتاريخ لما قبل الثورة الفرنسية . فقط نريد له مواصلة مسيرته وحضارته التى شبه تجمدت لقرنين بسببها ، منطلقا تحديدا نحو عالم يتجاوز كل ديماجوچيتها الإنسانية البغيضة ، إلى عقلانية آلية موضوعية يحكمها ذكاء بعد‑إنسانى فائق .

[ الكلام عن فرنسا لا ينتهى فى هذا الموقع . للمزيد انظر أعلاه حيث جمعنا الكثير من الإحالات لما كتب لاحقا عنها . للمزيد عن إخناتون انظر صفحة العلمانية . أما أوسع إعادة معالجة لمسألة الشخصية المصرية فجاءت لاحقا فى ذات صفحة الثقافة هذه ] .

المهم ، ما يعنينا هنا أقل طموحا بكثير من حديث الچيينات ، وهو مجرد رصد ظاهرى وإحصائى ( ولتقل إن شئت أن هذه حالة مشابهة لوضعية فرويد عندما لم يجد بين يديه الأدوات العلمية الحاسمة اللازمة ، ومع ذلك مضى فى تنمية نظرياته ) ، رصد لنوعية العقلية التى تتجاوب بسهولة مع الطبائع اللا عاطفية لعصر الآلة‑و‑المصرف ، وللطبائع المتقاربة بين تلكما الفئتين المذكورتين من البشر ، شديدة التباعد عن طباع بقية البشر ، بحيث نميل مجازا أو مؤقتا لرؤيتهما كعرق حيوى واحد تجمعه سمات كثيرة مشتركة لا تكاد تتوفر للأعراق الأخرى .

تحديث : أكتوبر 2001 : لا أعتقد أن من التسرع القول الآن إن حقبة الأيديولوچية الإنسانية ، أو الفكر اليسارى ككل ، قد بدأت بسقوط الباستيل فى 14 يوليو 1789 ، وانتهت يوم 11 سپتمبر 2001 بالهجوم الإسلامى على مركز التداول العالمى فى نيو يورك ، ذلك مع كل ما نراه الآن من مراجعة أمنية وستراتيچية وثقافية وأيديولوچية لأغلب المفاهيم الأساسية التى قام عليها هذا النسق الفكرى المتداعى والمعادى للتقدم على طول الخط . حيث لا نعتقد أن التاريخ سيعود للوراء من جديد ويسمح بمثل هذه الأفكار مرة أخرى . فى صفحة سپتمبر ستجد تحليلا لكيف كان هذا الحدث الأخير نتيجة طبيعية ومنطقية للحدث الأول فى عمر هذه الحقبة ] .

Lower East Side (1900), collection of Lisa Ades, Jewish Museum, New York.

A Vision to the World:

It’s Dawn of the 20th Century. The Anglo-Jewish Life Style Is Prevailing!

بعبارة توجز ما سبق نقول : أولا أن شعلة حضارتنا المعاصرة ( وتعريف الحضارة هو فتح جبهة frontier جديدة للتقنية ) نجمت عن اتحاد ربما بدا غريبا فى حينه وإن كان منطقيا فى الحقيقة ، بين شايلوك وچيمس وات ، وأن هذا اللقاء بين هذين العقلين العمليين الرياضياتيين الآليين الباردين ، لم يكن فقط مجرد لحظة تاريخية عملاقة أفضت للعالم الجديد المقدام الذى نعيشه ، بل كان لها أن كشفت عن وجود قطاع بشرى ربما لا تقل جذوره عن عشرة قرون مضت ، يتميز بوفرة العقل وقلة العاطفة لأبعد مدى ، ويتجاوز الصفات المألوفة لبقية البشر العاديين ، ذلك رغم أنه كما قلنا لم يتم بعد ( وقد لا يتم أبدا ) إثبات وجود تاريخ چيينى مشترك لعنصرى هذا الاتحاد ( وبالمناسبة ليس فى كل هذا الكلام جديد ، فهو ذات المنهج الأرسطى القديم فى تصنيف الأمم لحضارية وهمجية ، أو بما يحمل ذات المغزى لبلاد باردة وبلاد حارة أو لغربية وشرقية أو لأورپية وساموية أو كل ما إلى ذلك . فقط العيب الوحيد فى كلام ’ المعلم ‘ أنه صواب . المهم دائما أبدا أن كان أرسطو والكثيرون ممن ساروا على خطاه السديدة من بعده يحكمون على الشعوب بناء على معيار أساس واحد : قدرتها على كبح عواطفها إعمالا للمنطق العقلى البارد أم فى الاستسلام لها ) . ثانيا أن ذلك اللقاء الحضارى الأنجلو‑يهودى تواصلت إنجازاته بأن نجمت عنه الحضارة الصناعية ثم ومن قلبها بزغت الحضارة بعد‑الصناعية الراهنة ، واللتان يمكن تسميتهما معا ودون خطأ يذكر باسم واحد مشترك هو الحضارة الأنجلو‑يهودية ، وشاء من شاء وأبى من أبى فالغالبية العظمى لإنجازات الخمسائة عام الأخيرة تقنية وعلمية وحتى فكرية وثقافية جاءت كلها من يهود أو پروتستانت ، أول دينين تعلمنا فى التاريخ . ثالثا أن هذه الحضارة الأنجلو‑يهودية أسفرت بمرور الوقت عن أول حضارة بعد‑إنسانية يعرفها كوكب الأرض ، أولا لأنها دفعت لأول مرة إلى طليعة صفوف العشيرة البشرية بفئة خاصة مغمورة من الناس لم تكن تتجانس سلوكيا مع الطبائع البشرية التقليدية التى يمثل الانفعال والمبالغة فى شأن القيم المعنوية مكونا عضويا جوهريا فيها ( أى بعد‑إنسان ) ، وثانيا لأنها أفلحت بالتوازى فى إكساب بعض من البشر أنفسهم الكثير من صفات وخصائص الآلات التى كان يبدو أن هذا الكائن البشرى فى مجمله لم يكن مؤهلا أو صالحا لها ، وثالثا وهو الأهم لما آلت إليه تلك الحضارة من سيادة للآلات ككل ‑باعتبارها العشيرة الأكثر قدرة ماديا وعقليا التالية للإنسان فى شجرة التطور الدارونية للكوكب‑ على مقدرات هذا الكوكب بنحو مباشر وغير مباشر ( ونقصد بالدرجة الأولى اليوم الآلات السيليكونية الذكية التى أصبحت تتخذ وبوضوح كبير معظم القرارات الكبيرة الحاسمة ، وكانت قد بدأت بداية متواضعة فى الخمسينيات فى الحقول العسكرية ثم امتدت وتشعبت وتعاظمت قدراتها بما لا يقاس الآن ) . ( ملحوظة : أنت تعرف چيمس وات لكن شايلوك يستوجب وقفة لبرهة . نحن لا نستطيع الإشادة بمنطقه العقلانى البارد قدر إشادة داهية الكتابة شيكسپير نفسه . ويقيننا الأكيد أنه كتب عنه ‑أو بالأحرى اضطر للكتابة عنه‑ تماما بالطريقة التى اضطر مثلا للكتابة بها لاحقا سلامة موسى عن الخليفة المأمون . ذاك الأخير خصص فى كتابه ’ حرية الفكر وأبطالها فى التاريخ ‘ فصلا عن رجل الدين المتطرف أحمد بن حنبل ، وصوره على أنه شهيد للفكر ، بينما كلنا يعلم أنه يمقته ويمقت أمثاله أشد المقت ، وأن كل ما قصده أن يخبر القارئ بمعلومة أن من بين خلفاء المسلمين من لم يكن يؤمن بالقرآن أصلا ، كذاك المأمون الذى راج اسمه فجأة بين المصريين فى مطلع القرن حين اختاره خلفاء فرض خطأ أن إمپان نفسه قدد سمى الشارع بنفسه الثلاثاء 14 يناير 2008 01:33 م : لافتة قبيل الوصول للشبراوى للغداء قبل شراء واستلام الحاسوب VBasic : ’ الخليفة المأمون —مصر سابقا ‘ . البارون إمپان اسما لأهم شارع ‑أو بالأحرى المدخل الرئيس‑ لضاحية مصر الجديدة التى بناها ، وكذا أولاده ‑أى المأمون‑ الخلفاء لجيلين من بعده على الأقل ! ) .

تحديث : يناير 2001 : لاحقا توسعنا فى هذا بتدشين صفحة الحضارة بدراسة رئيسة كتبنا كجزء منها لأول مرة نظرية كنا نطرحها شفاهة منذ عقود وكان بالأحرى أن تقرأها هنا لولا أن لم نشأ فى حينه لأطروحة الثقافات القومية هذه أن تكون أكثر صراحة ، أو قل عدوانية لو شئت ، مما هى عليه بالفعل . تلك النظرية تقضى تقسيم البشر تقسيما چيينيا لست طبقات هى التى فرضت على دياناتها ( وليس العكس ) ، ومن ثم أوغلنا فى تعريفنا الخاص لمعاداة الساموية الذى لامسناه أكثر من مرة عبر هذه الصفحة ونراه يحل الكثير من الالتباسات المعاصرة بأن يرصد أن لم يعد منها اليهود ، بالذات الغربيين منهم ، بحكم التحولات الكبرى التى طرأت على خصائصهم الچيينية خلال ألفى عاما من الشتات ، ثم يجعل من معاداة الساموية جزءا من عقيدة كل نخبوى حق نصير للمسعى الحضارى للكوكب ] . [ الجزء المقصود استقل لاحقا ليصبح جزءا من صفحة جديدة أخرى هى العلمانية فاقراه هناك ] .

 

2- الأوقاع السياسية :

التركيبة الطبقية لعالم اليوم هى إحدى نتائج تلك الفوارق الچيينية ‑السلوكية والنفسية والعقلية‑ بين الشعوب ( وهو أمر بدأ بعض الدارونيين الجدد يتنبهون له ويولونه اهتماما خاصا ، وتوالت فيه الكتب فى السنوات الخمس الأخيرة ) . تستطيع الأرقام أن تثبت بسهولة مدى تربع العرق الأنجلو‑يهودى على قمة هذه التركيبة ، هذا بجبروت لم يسبق له مثيل ربما تبدو الإمپراطورية الرومانية بجانبه كمجرد دويلة صغيرة ، وليكن ذلك مثلا بالمقارنة بين الناتج الداجن الإجمالى GDP لأميركا الناشئة وأوروپا المجيدة ، أو بين الناتج الداجن لدويلة إسرائيل الصغيرة ونواتج المحيط الواسع من الدول المحيطة بها رغم ما فى هذه الأخيرة من ثروات طبيعية غير مسبوقة . إلا أن تفسير وتحليل هذه الهوة الطبقية لن يتأتى إلا من خلال إمعان النظر فى تلك الطباع التى جعلت من بعض شعوب أكثر تقبلا للمستقبل من شعوب أخرى ، وذات استعداد لدوس ماضيها بلا هوادة أو رحمة أو ندم ، فى مقابل شعوب تجد ملاذها الوحيد فى الاعتصام بماضيها ، على الأقل كنوع من التعويض النفسى أو من الاستجابة التكيفية تجاه ما يمليه عليها المستقبل من قرارات تجدها مؤلمة وصعبة بسبب تركيبتها النفسية .

هناك على قمة سلم تقبل المستقبل ( ومن ثم سلم الثروة الطبقى ) من يمكن تسميتهم بصناع تقنيات الغد وهم أناس لا تكبلهم تقريبا أى عوائق تراثية ( أو دينية بالطبع باعتبار الدين الجزء الأهم من التراث ) ، ويأتى على رأسهم الكثير من دول الغرب بطبيعة الحال . ونحن نطرح هذا التصنيف المعتمد على نوع التقنية لما ثبت بداهة من رابطة قوية بين حجم تراكم الثروة وبين نوع التقنية محل التخصص . إذن فالمحدد الأساسى لتصنيف دولة فى الصف الأول هو مدى استثمارها فى تقنيات الغد ، والأرقام لا ترى بعد الولايات المتحدة أكثر من إسرائيل دولة تستثمر بكثافة فى الهندسة الچيينية التى ستكون المصدر الأساسى للثروات فى ربع القرن القادم ( تقريبا كل ما نأكله فى مصر هو منتجات منماة چيينيا هناك حيوانية كانت أو نباتية ) ، أو فى ‑وهو أقل حداثة نسبيا من الهندسة الچيينية‑ الرقاقات والبرمجيات الحاسوبية [ فى أسبوع واحد من شهر ديسيمبر 1995 قررت إنتل وموتورولا أكبر صانعتين للرقاقات فى أميركا والعالم استثمار أكثر من ثمانية بلايين دولار فى إسرائيل ، فقط فى هذا الشق الدقيق من تقنيات الحاسوب . أما برمجيا فيكفى إسرائيل أنها صاحبة المعمل الوحيد لشركة مايكروسوفت خارج أميركا وأنها صانعة النسخة العربية من برمجيات الويندوز الكبرى التى تشتغل بها كل حواسيب العالم العربى ولعل من المفروض من حيث المبدأ أن نستحى من كتابة مقالات تهاجمها باستخدامها ] .

أميركا ، إسرائيل ، بريطانيا ، وربما هولندا ، هى القيادة المؤهلة لأن تحكم ما عداها من الدول فى عالم المستقبل .

على أن الخطر الكبير على الولايات المتحدة أو غيرها يأتى من القوى المحافظة والمتدينة داخلها وتحديدا تلك التى تقاوم بشراسة هذا التوجه المستقبلى . ومن دلالات الأرقام الصارخة استطلاع نشرته مؤخرا مجلة نيوزوييك يقول إن ثلثى الشعب الأميركى يؤدى صلوات بين الحين والآخر وأن نصف هؤلاء يترددون بين الحين والآخر على دور العبادة . الصارخ فى هذا ‑وما لم تقله المجلة‑ أن هذه النسب هى أكثر من 10 أضعاف مثيلتها فى أوروپا ! من هنا وعلى المجرى البعيد يجب أن نضع بشدة الاعتبار لدول أخرى تبذل جهودا قوية لقهر قوى التراث فيها وتقبل المستقبل على عواهنه وبلا تحفظات تذكر ، وقطعت بالفعل شوطا مهما فى هذا ، ويجب القول أن زحرحة القدرة power shift لم يتأت تاريخيا إلا من هذا تحديدا أى من تبنى التقنية الجديدة أو التحفظ نحوها . إن الفارق بين أن يكون الدين مخدرا يعين العبيد على تحمل العمل الشاق وبين أن يصبح سلطة ونفوذ ، هو بالضبط الفارق بين أن تكون الإمپراطورية الرومانية ( أو أية إمپراطورية أخرى ) وبين أن لا تكون . ويوم تضمحل الولايات المتحدة وتتحول لقوة من الدرجة الثانية فلن يكون الأمر إلا لهذا السبب . إن الإمپراطوريات تختنق بعبيدها وليس لأى سبب آخر ( وبأخص الأخص لو كانوا متدينين ) ، أو هكذا علمنا التاريخ . ومن غير المؤكد حاليا أن أميركا أو حتى أوروپا تجيد انتقاء عبيدها لا كما ولا كيفا ، فما بالك إن كانت تستجلبهم متدينين جاهزين ومعادين لمفاهيم الحضارة والتطور أصلا ! إنهم يسمحون حاليا باستجلاب المهاجرين من كسالى وسط العالم القديم ، بنفس القواعد التى يطبقونها مثلا على مهاجرى شرق آسيا وشرق أوروپا الأكثر علمانية ودينامية . لقد انهارت الإمپراطورية الغربية يوما بمعاول العبيد المسيحيين ، والآن يحلم خلفاؤهم المسلمون بتكرار التجربة بنجاح ساحق مشابه وعشر قرون أخرى من الظلام ) ، ولا شك أن يوما قاسيا للندم قريبا سوف يحل بالحضارة إذا استمرت على مثل هذه الدرجة من عمى البصيرة .

An anti-Euro protester the day Chancellor Gordon Brown announced a not-yet Euro joining decision, Westminster, London, June 9, 2003.

Our ‘Natural’ Union Should Be Across the Atlantic not the Channel!

بريطانيا الشريك المؤسس فى الحلف الحضارى الأنجلو‑يهودى هى إحدى الدول المؤهلة لهذا الاختراق المستقبلى ( فقط بمناسبة الكلام عن الظلام وعصور الظلام ، عصور الظلام عندهم تشتمل على الفروسية والملك آرثر وإعلان الماجنا كارتا ، ومع ذلك يسمونها عصور ظلام ، إما للأدب الزائد ، وإما لأن معايير النور والظلام تختلف عندهم عنا ، أو على الأقل لوجود فارق بين ضوء منطفئ وبين ظلام أصيل وحقيقى ! ) . ولعل المطلوب فقط هو التمسك بالتراث الثاتشرى العظيم ، والإنسحاب فورا من الاتحاد الأوروپى ذو الميول اليسارية الماضوية والمعادية بدرجة أو بأخرى للجلوبة . وأنا شخصيا أحرص على شراء وقراءة الفاينانشيال تايمز يوميا ، زائد غيرها من الجرائد البريطانية المختلفة وإن على نحو أقل انتظاما نسبيا ، ولم أجد لمرة واحدة ، حتى فى حدود الرؤية البريطانية المميزة للوحدة الأوروپية كوحدة اقتصادية محض دون أية أبعاد سياسية أو ثقافية أو تنطوى على أى تخالط آخر من أى نوع ، لم أجد رأيا يمكن أن يقنعنى بجدوى استمرار بريطانيا فى التحالف شرقا وليس غربا . بالعكس كانت الآراء الأكثر إقناعا تلك الداعية للوحدة مع النافتا ، مصدر جديد هو الإندپندنت مقال يسخف مواقف مايكل هاوارد ومنها معارضته لبلاك حين كان الأول وزير ظل الخارجية تحت رئاسة ويلليام هيج كالتى أطلقها مثلا كونراد بلاك صاحب التليجراف . عامة أردنا هنا فقط التأكيد على الكمون الحضارى الهائل لبريطانيا ، أما فكرة ما يسمى بالتكتلات الكبرى ، وبالذات منها الاتحاد الأوروپى ، فسوف نأتى لها بعد قليل .

[ فى تلك الأيام كانت ‑ولا تزال فى الواقع‑ الجرائد الأميركية وفى طليعتها النيو يورك تايمز لا تصل لمصر بسبب الثمن الباهظ للنقل ، وطبعا لم تكن قد دشنت بعد مواقعها الرائعة الحالية على الغشاء . رغم ذلك لا يوجد ما يمكن أن يقلل من أهمية جرائد عظيمة كالتايمز والفاينانشيال تايمز ] .

بالمثل يمكن أن نرى أيضا أفعالا عميقة المدلول فى دول أخرى كدعوة ملكة هولندا لعلماء الهندسة الچيينية الذين تحظر بلادهم تجاربهم لإجرائها فى بلدها ، وهو بلد ليس بعيدا عن القيم الأنجلو‑يهودية إن عرفنا أن يهود أمستردام وبنوكهم كانوا الممول الرئيس لاكتشاف أميركا وللثورة الصناعية الإنجليزية . وبالطبع من نافلة القول إنها البلد الرائد فى تحرير الجنس والعقاقير لأبعد الحدود المعروفة حتى الآن ، ولعل ذلك السلوك من ملكتهم قد يصبح أنموذجا نمطيا بعد قليل لكل أمه تنتوى بالفعل الدخول فى سباق الثروة القادم .

 ببساطة : أميركا ، إسرائيل ، بريطانيا ، وربما هولندا ، هى القيادة المؤهلة لأن تحكم ما عداها من الدول فى عالم المستقبل .

General Douglas MacArthur

‘Japanization’ of the World:

Say Welcome to the Victorious!

الطبقة الثانية تصنع ما يمكن تسميته تقنيات اليوم وهى التقنيات ذات القيمة السوقية العالية للوقت المعين ، ومثالها العظيم للوهلة الأولى هو الياپان . ونحن نقبل مؤقتا جدلية أنهم مجرد ’ قطط استنساخ ‘ copycats ، لكن حتى نعود لتصنيف جديد لهم فى مرحلة متأخرة من هذه الدراسة ، ربما تضعهم فوق العرق الأنجلى نفسه بكثير ، فسنقبل الحديث عنهم هنا كنموذج مبكر ، أو النموذج الأول ، لصناع تقنيات اليوم . والأدق أننا نقصد بهؤلاء عامة كل من يسير على خطى معسكر الحضارة فى اكتساب التقنية منها بجد وأدب ، أو ما يكمن تسميته بالأمم المتحضرة ، أو بمعسكر التحضر ( لغويا التحضر هو اكتساب الحضارة ) . هى دول تبدو ناجحة للغاية لكن لا يجب أن يخفى هذا كون أن لها درجة ما من السقف التراثى يحول بينها وبين الخوض العميق فى مجاهيل المستقبل . الفارق بين هاتين الطبقتين هو الذى غاب عن أذهان الكثيرين بمن فيهم الأميركيون أنفسهم ، ذلك وهم يرون صناعات الصلب والسيارات تتهاوى فى بلادهم فى الخمسينيات والستينيات لصالح الصناعة الياپانية ، ولم يهتموا كثيرا أن النخبة الصناعية والعسكرية الأميركية كانت تنمى فى هذه الفترة تحديدا تقنيات الترانزيستور والحاسوب والليزر والفضائيات . واليوم يشكو الأميركيون أن حواسيبهم الشخصية وإليكترونياتهم المنزلية لا تقوى عالميا على منافسة منتجات نمور آسيا مثلا ( بلاد أخرى لها سقف للتنمية سوف تصله يوما أو وصلته فعلا وسوف تتجمد أو تبدأ فى الهبوط بعده ) ، ولا يرون ‑إن لم يكن يهاجمون‑ نخبتهم التى تنمى بلا قيود أخلاقية تذكر تقنيات الهندسة الچيينية التى أنها ستكون كما قلنا مصدر الثروة الأول فى ربع القرن القادم ، أو لا تزال تجنى أرباحا هائلا من القطاع الأعلى تقنية فى تقنيات اليوم كالرقاقات الحاسوبية أو كتابة البرمجيات ، وكلتاهما موجة أحدث وأعلى تقنيا من بقية تقنيات الحاسوب والرقميات الأخرى ، التى تشتغل بها دول التصنيف الثانى .

حين تضرب أميركا الياپان بالقنابل النووية لا تزداد كراهية الياپانيين لها ، إنما يزداد انبهارهم بها . هذا هو الفارق بين الياپانيين والعرب . تأكيدا لم ير التاريخ تحولا ديناميا فى حياة شعب مثلما حدث فى يوم واحد فى الياپان هو الثانى من سپتمبر 1945 ، عندما كان فى الصباح أشرس شعب مقاتل فى التاريخ ضد الغرب ، وبالمساء تقدم فتياته الورود وكئوس الساكى لجنود الأسطول الأميركى . لو كان الياپانيون قد قالوا يومها ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة لما أصبحوا ثانى أكبر قدرة اقتصادية فى العالم . كانوا قد أبيدوا . ما حدث أن بعد عشر سنوات فقط كانت إليكترونياتهم تملأ العالم وصلبهم يغلق ديترويت ’ بالضبة والمفتاح ‘ ، ولو كانت أميركا تريد الهيمنة فعلا كما يقول خصومها لضربتهم نوويا من جديد ، فإغارتهم على ديترويت وحدها أجدر بهذا ألف مرة من إغارتهم على  پيرل هاربور . شعب ترك كل ’ ماضيه ‘ الإنسانى قى ذلك اليوم ، واستحال بين ضحية وعشاها آلات سيليكونية بلا انفعالات من أى نوع ، لهو شعب ذو چيينات خاصة مختلفة . ولن يستغرب المرء قط إن أصبح قائدا لكل العالم فى عصر حضارة بعد‑الإنسان ، الذى ربما يتطلب ما يتجاوز الخصائص الچيينية للأنجلو‑يهودية !

على أية حال هذه كما قلنا ليست نبوءات قاطعة ونحن نرى بالفعل الياپان وهى تولى مثلا الهندسة الچيينية اهتماما كبيرا . ولا نستبعد قط على بلد قال له إمپراطوره أن يخرج للترحيب ’ بالمنتصرين ‘ عشية الحرب العالمية الثانية ، أن يقهر فى داخله كل ما تبقى من عوائق التراث وهى قليلة للغاية مقارنة ليس بقرون مضت بل بصبيحة نفس يوم ذلك الخطاب الإمپراطورى الشهير .

نعم ، نحن نسهب هنا فى الكلام عن شعوب ’ المستوى الثانى ‘ هذه لأننا نرى من خلالها الكثير جدا من الدورس المستفادة لنا نحن ، هذا إن حدث وكان لنا أصلا ‑نحن الذين وصلنا للحقيقة المطلقة والنهائية فى كل شئون الحياة قبل 14 قرنا من الآن‑ أن نقرر أن نتعلم من أحد . الياپانيون بكلمة هم شعب المفاجآت وتأكيدا لم ير التاريخ تحولا ديناميا فى حياة شعب مثلما حدث خلال ساعات قليلة فى الياپان هذه تضخيم درامى لحد ما فقرار الاستسلام اتخذ قبل أسبوع بل كان ثم حتى محاولة انقلاب ، التاريخ المذكور هو تاريخ ( البريطانية الحرب الثانية وبتفصيل أكبر The atomic decision ) وأهلا بالمنتصرين قراءات محمد عبد النبى ما بين إسقاط القنبلة الثانية على ناجازاكى وتسليم مذكرة الاستسلام للچنرال ماكآرثر على ظهر البارجة ميسورى وتوقيع اتفاقية التسليم فى ذات اليوم الثانى من سپتمبر 1945 .

 قبل أيام بل ساعات كان الياپانيون أشرس شعب مقاتل ‑ولحد الانتحارية ( كاميكازى )‑ فى التاريخ ضد الغرب ، بل كان بعضهم مستعدا للانقلاب على الإمپراطور لو فكر فى الاستسلام ، لكن بالمساء كانت فتياته تقدمن الورود وكئوس الساكى لجنود الأسطول الأميركى . لو كان الياپانيون قد قالوا يومها ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة لما أصبحوا ثانى أكبر قدرة اقتصادية فى العالم . كانوا قد أبيدوا . ما حدث أن بعد عشر سنوات فقط كانت إليكترونياتهم تملأ العالم وصلبهم يغلق ديترويت ’ بالضبة والمفتاح ‘ ، ولو كانت أميركا تريد الهيمنة فعلا كما يقول خصومها لضربتهم نوويا من جديد ، فإغارتهم على ديترويت وحدها أجدر بهذا ألف مرة من إغارتهم على  پيرل هاربور .

Akio Morita holding the DVK-2400 ensemble which consists of the DVC-2400 Camera and the legendary first portapack VTR named Video Rover, 1966.

www.sony.com/SCA/press/morita_bio.shtml Never Jealous of America:

Sony Corporation Was Founded in 1946 by Two Former Officers of the Defeated Japanese Navy.

Their First Gigantic Victory Was to Launch Sony Corporation of America in 1960.

Akio Morita Lived in the States Ever After!

 طبعا بجانب ما فعلوه فى ذلك اليوم الدرامى العاصف يتضاءل شأن ما فعلوه مثلا إزاء إهانات الآخرين ( فى الأربعينيات وصفهم دووجلاس ماكارثر بصبى فى الثانية عشرة بينما الحضارة الغربية ناضجة فى الخامسة والأربعين ، فى الخمسينيات قال نيكيتا خروتشوف إن ليس لديهم ما يقدموه للعالم إلا الزلازل والبراكين ، وفى الستينيات تهكم ديجول واصفا إياهم بباعة ترانزيستور جوالون ) ، لم يعلنوا الحرب ولم يسحبوا السفراء بل حتى لم يصدروا بيان شجب وإدانة ، كل ما فعلوه ببساطة أن قرروا أن يغيروا ما بأنفسم . ما هذا الذى نقوله ، وفى أى سياق ؟ من العبث أن نتحدث عن التهذيب وآداب السلوك فى سياق أصلى هو الحديث عن العرب ، أصل كلمة الغطرسة فى كل التاريخ الإنسانى . الأجوف فقط هو الذى يتغطرس . المملوء حتى لو تغطرس فهو يمارس حقه ، بل فى الحقيقة امتلاؤه يميل لجعله متواضعا عفا .

 ببساطة تلك شعوب تتعلم من هزائمها وأخطائها ، أو بعبارة أخرى : تعرف شيئا لا نقوى عليه نحن اسمه سعادة الاستسلام . حين تضرب أميركا الياپان بالقنابل النووية لا تزداد كراهية الياپانيين لها ، إنما يزداد انبهارهم بها . هذا هو الفارق بين الياپانيين والعرب . وبكل كل تأكيد فإن شعب ترك كل ’ ماضيه ‘ الإنسانى قى ذلك اليوم ، واستحال بين ضحية وعشاها آلات سيليكونية بلا انفعالات من أى نوع ، لهو شعب ذو چيينات خاصة مختلفة . ليس مفاجأة أن كان أول من فكر فى مشروع الجيل الخامس فائق الذكاء للحوسبة . ولن يستغرب المرء قط إن أصبح قائدا لكل العالم فى عصر حضارة بعد‑الإنسان ، الذى ربما يتطلب ما يتجاوز الخصائص الچيينية للأنجلو‑يهودية . فأنت حين تجمع الآلية السيليكونية للسلوك مع التراث الچيينى شديد الدموية الذى وصل من الطموح لدرجة أن شرع بالفعل فى إبادة كامل الشعب الصينى هائل العدد مستخدما الأسلحة البيولوچية ، سوف تحصل ساعتها على مزيج مذهل غير مسبوق . نقول هذا دون أن نقصد الإيحاء بإن شيئا قد استجد على الخصائص الچيينية للأمة الياپانية حين هزمت فى الحرب الثانية ، فبالتأكيد كلا الشقين موجود منذ أزل الدهر ، وأقصى ما فى الأمر أن كنا نرى واحدا فقط وها نحن نكتشف الوجه الآخر ، أى السيليكونى صارم العقلانية المذكور . بالتأكيد إن لذلك التراث الچيينى الذى لا يعرف الرحمة وجهه الإيجابى الكبير على المجرى البعيد ، ولعلنا سنغامر بمد هذه النبوءة على استقامتها فى تذييل هذه الدراسة ، وندفع أنها ، أى الأمة الياپانية ، ربما تكون الوحيدة الأكثر قاطبة من أمة الأنجلى فى اتساقها مع قوانين أمنا الطبيعة مطلقة التنافسية ، والمؤهلة من ثم لوراثة الإمپراطورية الأميركية فى حال انهيار هذه الأخيرة . وأن ساعتها ستبدو الاعتبارات التقنية شيئا سهل المنال بل وشديد الوقتية إذا ما قورن بما يمكن تسميته معادن الشعوب أو أعماقها الچيينية هذه التى لا تتغير بسرعة أو بسهولة بل يكاد يستحيل محوها ، وقطعا يستحيل للغير اكتسابها ما لم تكن قد ورثتها فى دمائك بالفعل .

الحروب لم تصنع من أجل التطاحن حتى الموت . الحروب احتكام ، بل احتكام شبه ودى إن جاز القول ، بين طرفين اختلفت رؤاهما للعالم . حين تفشل كل وسائل الاتفاق ، يبعثان بجيوشهما لساحة خاوية ذات صباح مشرق ، وفى المساء يوقعان وثيقة يقر فيها أحدهما بأنه كان يرى الأمور خطأ ويواصلان التعايش والتعاون على هذا الأساس الجديد . هذه هى الحرب ، وهذا هو شرفها ونبلها ، وسر انتحار القائد المهزوم فيها هو اعترافه بأن خطأ نظرته للعالم هو الذى أدى لموت جنوده ومعاناة شعبه . عندنا الحرب هى فقط حرب إبادة ، لا أحد يستسلم ولا أحد ينتحر ولا حتى ’ يتنحى ‘ . إما أن نقضى على إسرائيل أو أن تقضى هى علينا ، أقصد إما أن نقضى على إسرائيل أو أن نقضى على إسرائيل . نستخدم كل الوسائل عدا تلك الحرب الشريفة ، بدءا من أن نخطف الطائرات والرهائن ، حتى الإرهاب والمحاربة ’ بفدائيين ‘ يحتمون بالمدنيين فى غزة ولبنان وكل مكان كى نولول للعالم حين يقتل بعض هؤلاء المدنيين . وحتى فى المرات النادرة جدا التى حاربناها فيها بجيوش ترتدى زيا عسكريا فإننا اخترنا أن نهاجمها خلسة فى يوم العيد .

الدرس الأكبر ، أو بالأحرى الأصغر الأبسط والأكثر بديهية ، المستفاد هنا أن الحروب لم تصنع من أجل التطاحن حتى الموت . الحروب لم تصنع من أجل التطاحن حتى الموت . الحروب احتكام ، بل احتكام شبه ودى إن جاز القول ، بين طرفين اختلفت رؤاهما للعالم . حين تفشل كل وسائل الاتفاق ، يبعثان بجيوشهما لساحة خاوية ذات صباح مشرق ، وفى المساء يوقعان وثيقة يقر فيها أحدهما بأنه كان يرى الأمور خطأ ويواصلان التعايش والتعاون على هذا الأساس الجديد . هذه هى الحرب ، وهذا هو شرفها ونبلها ، وسر انتحار القائد المهزوم فيها هو اعترافه بأن خطأ نظرته للعالم هو الذى أدى لموت جنوده ومعاناة شعبه . عندنا الحرب هى فقط حرب إبادة ، لا أحد يستسلم ولا أحد ينتحر ولا حتى ’ يتنحى ‘ . إما أن نقضى على إسرائيل أو أن تقضى هى علينا ، أقصد إما أن نقضى على إسرائيل أو أن نقضى على إسرائيل . نستخدم كل الوسائل عدا تلك الحرب الشريفة ، بدءا من أن نخطف الطائرات والرهائن ، حتى الإرهاب والمحاربة ’ بفدائيين ‘ يحتمون بالمدنيين فى غزة ولبنان وكل مكان كى نولول للعالم حين يقتل بعض هؤلاء المدنيين . وحتى فى المرات النادرة جدا التى حاربناها فيها بجيوش ترتدى زيا عسكريا فإننا اخترنا أن نهاجمها خلسة فى يوم العيد .

المشكلة ليست فقط أن العرب ليس فقط يهزمون ولا يستسلمون ، بل إنهم لا يتخيلون أن للهزيمة ثمن أصلا . يتصورون بعد كل هزيمة أن من الممكن إعادة الوضع إلى ما هو عليه . تقول sorry وكل شىء يرجع لسابق عهده . الأرض تعود ، حتى المعونات الغربية تعوض الدمار . ينسون أنهم كبدوا الخصم خسائر اقتصادية وفى الأرواح ، وكل ما عليه أن ينسى هو أيضا . لهذا السبب لا تكون شروط الخصم هى عينها بعد كل حرب ، وهذا ما يسمى فى أدبياتنا المصرية عن السلام الفلسطينى ، أنه تاريخ الفرص الضائعة !

حين تهزم عليك أن تقول إن لديك مشكلة . مشكلة فى علمك ، مشكلة فى تقنيتك ، مشكلة فى اقتصادك ، أو بالأولى مشكلة فى عقلك ، مشكلة فى ’ هويتك ‘ ، مشكلة فى ’ ثوابتك ‘ ، ولو كنت متدينا لقلت أيضا إن لديك مشكلة فى دينك . نعم ، حتى منطق الدين الذى نتشدق به طوال الوقت ننساه فى خضم شهوة الانتقام هذه . أنا شخصيا لو كنت متدينا وتلقيت الهزيمة تلو الأخرى كهذه ، لآمنت على الفور أن الله إله الإسلام إله مزيف وأن يهوه إله التوراة القديم هو الإله الصحيح ، أو بالأحرى طبعا علمانية الصهيونية هى الإله الأصح . مبدأ الحرب كاحتكام للوصول للحقيقة آخر ما يمكن أن نعرفه ، نحن لا نعرف الحرب كما يعرفها بقية البشر ، بل اخترعنا لها قواعدا من عندنا ( أو للدقة استقيناها من الهنود الحمر ) . نحن نهزم ونهزم ولا نستسلم أبدا . وأنت حين تهزم ولا تستسلم تكون ببساطة قد اخترت الإبادة ، خيارا اخترته لنفسك بنفسك ، ولم يختره لك أحد .

الدرس الأكبر ، أو بالأحرى الأصغر الأبسط والأكثر بديهية ، المستفاد هنا أنك حين تهزم عليك أن تقول إن لديك مشكلة . مشكلة فى علمك ، مشكلة فى تقنيتك ، مشكلة فى اقتصادك ، أو بالأولى مشكلة فى عقلك ، مشكلة فى ’ هويتك ‘ ، مشكلة فى ’ ثوابتك ‘ ، ولو كنت متدينا لقلت أيضا إن لديك مشكلة فى دينك . نعم ، حتى منطق الدين الذى نتشدق به طوال الوقت ننساه فى خضم شهوة الانتقام هذه . أنا شخصيا لو كنت متدينا وتلقيت الهزيمة تلو الأخرى كهذه ، لآمنت على الفور أن الله إله الإسلام إله مزيف وأن يهوه إله التوراة القديم هو الإله الصحيح ، أو بالأحرى طبعا علمانية الصهيونية هى الإله الأصح . مبدأ الحرب كاحتكام للوصول للحقيقة آخر ما يمكن أن نعرفه ، نحن لا نعرف الحرب كما يعرفها بقية البشر ، بل اخترعنا لها قواعدا من عندنا ( أو للدقة استقيناها من الهنود الحمر ) . نحن نهزم ونهزم ولا نستسلم أبدا . وأنت حين تهزم ولا تستسلم تكون ببساطة قد اخترت الإبادة ، خيارا اخترته لنفسك بنفسك ، ولم يختره لك أحد .

[ فى أپريل 2001 وصل الكاتب لتثمين جديد لمعدن وقماشة الشعب الياپانى عندما رأى شبابه المحتفل بفوز الزعيم اليمينى چونيتشيرو كوئيزومى برئاسة الحزب ومن ثم الوزارة ، يرقص ويغنى بحماس وشبابية لا تذكرنا إلا بالأحداث الشبابية الكبرى التى غيرت التاريخ ، ولنقل مثلا مايو 1986 أو الوودستوك . فقط ثم فارق واحد أنه هنا لا ينادى بالسلام أو المساواة أو كبح الشركات الكبرى ، بل فقط العكس مائة وثمانون درجة ! يتظاهر مطالبا بحرية الاقتصاد وتحرير المنافسة ، وتفكيك الشركات المتعثرة وعدم محاولة انقاذها أو الإبقاء على شغيلتها ، شباب يتظاهر مناديا بإطلاق نسب البطالة ، وليس محاربتها ! شباب يأتى بما لا يقل صعقا بحال عما فعلته أمهاته ذات يوم حين سمعن الإمپراطور يقول ’ أهلا بالمنتصرين ! ‘ . شباب يخطو خطوة كبرى جديدة نحو أن يصبح الشعب بعد‑الإنسانى الأول لهذا الكوكب . اقرأ هذا المدخل الذى هو جزء من صفحة الجلوبة الحالية ، مردفا بتحليل شخصى مطول من الكاتب عن كيف هزه هذا الحدث ، وجعل كل حياته تتداعى أمامه من جديد بكاملها مساء ذلك اليوم 23 أپريل 2001 .

عاود الكاتب الحديث عن الشباب الياپانى فى صفحة بعد‑الإنسان حين رأى العصابة اليسارية‑العروبية‑الإسلامية العالمية تشعل الأرض نارا فى كل مكان من كوكب الأرض قبيل حرب تحرير العراق ، ولم يكن ليتجاهل ساعتها مقارنة أى شباب هنا وهناك بشباب المستقبل الحقيقى فى الياپان العظيمة .

أيضا بمناسبة فضيحة رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد بالهجوم على اليهود قبيل تقاعده فى أكتوبر 2003 ، عقد الكاتب مقارنة فى صفحة الحضارة بين تجربة التحديث كما جربتها ماليزيا ويبدو أنها وصلت لطريق مسدود ، وبين تجربة الياپان لا نهائية التجدد ، والتى تلخصها أفضل تلخيص فى كل زمان وأوان كلمة ’ أهلا بالمنتصرين ‘ هذه ، والتى على العكس لم تتمسك بأية هوية ولا تراث ولا مقدسات لا ’ ثوابت ‘ يمكن أن تعوقها عن عناق المستقبل . فى هذه القصة الكثير من الأمثلة لما أسميناه أعلاه أن يغيروا ما بأنفسهم ] .

وبعد ، هكذا تحدثنا عن المستويين الأول والثانى ، وأخيرا يأتى بالطبع المستوى الطبقى الثالث فى عالم اليوم وهو صناع تقنيات الأمس أى تقنيات الثورة الصناعية التى لم يعد يوجد عليها اليوم سوى تحفظ أخلاقى وتراثى واحد هو تلويث البيئة ، ويمكن أن تقبله ‑أو بالعكس تتجاوز عنه‑ هذه الدول بسهولة . ويمكنك لو شئت أن تبحث هنا أو هناك عن تصنيف رابع لدول تقنيات أمس الأول والتى تكاد تقتصر على الاشتغال بالزراعة والحرف القائمة عليها .

A go-go bar surviving SARS epidemic, Walking Street, Pattaya, Thailand, June 2003.

200306/20THAI.html Thailand’s National Industry No. 1!

باختصار ، ومما يحلم المرء بتنفيذه يوما هو تأسيس مؤشر يعتمد على قياسات علمية محكمة ربما نسميه ’ مؤشر قبول المستقبل Future Acceptance Indicator . المعايير التى نتخيلها ربما تشمل أشياء كثيرة تتراوح ما بين قبول بل الحماس لمبدأ الاقتصاد الحر بما يعنيه من موت غير رحيم للضعفاء فى خضم سعير المنافسة ، وما بين قبول بل الحماس لمبادئ الحريات الشخصية وإلى القلب منها بالطبع الحرية الجنسية فحرية تناول العقاقير . وأن ربما على الأرجح سوف نجد هولاندا أو إسرائيل أو ربما تايلاند ( التى جعلت من تجارة الجنس صناعتها القومية رقم 1 وتألقت فيها ) ، فى طليعة الشعوب المتنافسة على المركز رقم 1 على رأس هذه القائمة !

[ فى صفحة العلمانية حانت لاحقا فرصة للمزيد من المناقشة عن الخلفيات التى كانت وراء التفكير فى مثل هذا المؤشر ، مما تحرجنا ربما من ذكره فى حينه هنا فى صفحة الثقافة ، رغم أنه كان مكونا أساسا لدى كتابة هذا الكلام الذى قرأته للتو . وكان ذلك إنطلاقا من فكرة نمو أديان معينة لدى شعوب بعينها ، مما يربط الاثنان معا ‑قبول المستقبل ونوع العقيدة‑ بالجذور الچيينية لتلك الشعوب كل على حدة ] .

[ بمرور الوقت وبعد 11 سپتمبر ومن ثم احتلال العراق ، أصبح كلامنا يتخذ منحيا سياسيا أكثر ، وأسسنا بالفعل نواة لمؤشر آخر عكسى أسميناه مؤشر النشاز Roguery Indicator . إلى هذا الحد ساءت الأمور ، وكله تأكيد لتوقعاتنا المبكرة فى صفحة الثقافة هذه ( بالأسفل ) أن المحك الحقيقى فى قبول أو رفض المستقبل ‑ناهيك عن اختراعه‑ هو البنية الچيينية للشعوب أو ما أسماه كيسينچر لاحقا بالطبقات الچيولوچية للأمم ( اقتباس وضعناه أعلى صفحة العلمانية ) . كما توصلنا لأن التحالفات لا يجب أن يعقدها معسكر الحضارة أبدا بناء على قوة هذا الحاكم المحلى أو ذاك ، أو حتى بناء على اعتبارات المصلحة ، إنما فقط على المعايير الچيينية للشعوب ، هذا كى تدوم وتأتى بنتائجها على المجرى الطويل . فتلك وحدها التى تحدد مدى استعداد هذا الشعب أو ذاك للسعى للتغيير أم التمسك بالمكون ’ التيمايوسى ‘ timaeus بالمصطلح الأفلاطونى ، أى المكون الانفعالى غير العقلانى فيه . وهذه كلها أكدتها شواهد انتكاسة تركيا للإسلام رغم عقود التحديث الصارم الذى تبناه كمال أتاتورك وبضعة أجيال بعده ، وهى مفاجأة أفدح بكثير بكل ما يمكن قوله مثلا عن الفشل شبه المتوقع لتجربة التحديث الماليزية العابرة أو لأن پاكستان من تحت أنف رمز حداثتها پيرڤيز مشرف راحت توزع سرا خبرتها التقنية النووية على كل من يطلبها من المارقين من العرب والمسلمين ، كلها بما يثبت أن المكون الثقافى‑الچيينى هو أقوى من أى شىء دنيوى عند تلك الشعوب عالية المكون التيمايوسى . لكن ربما فى المقابل لا تكون الانتكاسة التركية الدرامية أقل فدحا من انتكاسة روسيا للشمولية اليسارية بعد أن تخيل الجميع إمكانة تحولها لليبرالية بعد سقوط الشيوعية ، حيث اتضح أن مدى قبولها للمستقبل يمكن أن يتوقف عند بعض الحريات الجنسية هنا أو هناك ، بما يتماشى مع أفضل الحالات التى ترتقى فيها الچيينات الأرثوذوكسية لتقارب الچيينات الكاثوليكية ، لكن ليس أكثر من ذلك أبدا . اقرأ أيضا عن هذه الهيراكية الچيينية فى صفحة العلمانية ] .

لا يجب أن تحدونا أية رحمة ونحن نحيل قيمنا وتراثنا وثقافتنا إلى المتاحف وجمعيات حفظ التراث ، فليس بتلك القيم أو التراث شىء جيد واحد لا يوجد بالفعل فى الحضارات الأحدث . علينا بالتالى أن نكف عن محاولات التهجين الثقافى المستحيلة بيننا وبين ما يعجبنا فى هذا ’ الآخر ‘ ، فالتهجين أخبث فكرة ممكنة طالما أدت ببساطة وبلا مجهود يذكر من أصحابها إلى تمييع عملية التغيير بل إجهاضها برمتها . السؤال ببساطة : إما تقدم أو لا تقدم !

إذن ، الطبيعة الأنجلو‑يهودية للتقدم هى مكمن الأس الثالث لإشكالية الثقافة العربية ، الذى يجعل وضعيتها أصعب كثيرا من تلك الشعوب التى تعانى من التخلف أحادى الأس ، أو ثنائى الأس ، إن جازت هذه الأوصاف الرياضياتية . ذلك أنها ‑أى الثقافة العربية‑ نصبت لقرون تلك الفئة من البشر تحديدا كعدو تاريخى عقائديا وأيديولوچيا لها ، وآخر ما تبغيه اليوم أن يقال لها إن هؤلاء هم الصواب ، فما بالك أن تطالبها بإدارة المفتاح القلاب للثقافة نحوهم . لكننا رغم كل شىء لا يجب أن يملى علينا الصدق الأخلاقى والعلمى سوى القول بأن لا أمل ولا مكان لنا فى عالم الغد سريع التحرك هذا إن لم نفجر وبأسرع إيقاع ممكن كل ما نسميه تراثا وقيما إلى آخره ، ونستقبل بلا تحفظات قيم ومنجزات التقدم حتى لو كان ذلك التقدم هو ما أسميناه اصطلاحا الحضارة الأنجلو‑يهودية . ويجب فى كل الأحوال أن لا ننسى أن كل ما ندعوه قيمنا وتراثنا الأصيل ، ليس بالشىء المختلف كثيرا عن قيم وتراث الغرب قبل خمسة أو عشرة قرون فى عصر الحروب الدينية وما قبلها ، وهو تأكيدا ليس بالشىء الجديد أو الغائب عنهم ، بل أنهم عاشوه بالفعل ويرون فينا أنفسهم لكن فقط من خلال آلة زمن يودون أن لا يركبونها ثانية أبدا . لا يجب أن تحدونا أية رحمة ونحن نحيل قيمنا وتراثنا وثقافتنا إلى المتاحف وجمعيات حفظ التراث ، فليس بتلك القيم أو التراث شىء جيد واحد لا يوجد بالفعل فى الحضارات الأحدث . علينا إذن أن نكف عن محاولات التهجين الثقافى المستحيلة بيننا وبين ما يعجبنا فى هذا ’ الآخر ‘ ، وأبسط نتائج هذا ما نراه اليوم من نفاق دينى كاسح فى أوساط الشباب والشابات بأن يرتدى ويقول شيئا ويفعل أشياء أخرى . إن علينا أن نعلم أن دعوة التهجين هى أخبث فكرة ممكنة طالما أدت ببساطة وبلا مجهود يذكر من أصحابها إلى تمييع عملية التغيير بل إجهاضها برمتها . وعلينا بإيجاز أن نسارع لفصل الثقافة ( والتراث ) عن الدولة ( والحياة اليومية ) ، ولنرحب ببساطة بكل ما نسميه حاليا غزوا ثقافيا ، فأن نقبله بفهم ووعى بجدواه سيجعلنا نستفيد منه ، وقبوله قهرا لن يكون بالشىء المفيد بالذات بعد فوات الأوان ، وإن كان فى كل الأحوال قادما لا محالة . إن السؤال ببساطة : إما تقدم أو لا تقدم !

القدرة حق ، أنت لا تجدها على عتبة منزلك فى الصباح ، بل تكافح عقودا من العلم والتقنية لاكتسابها . هى العدل الذى يعطى كل ذى حق حقه ، وقبل كل شىء هى قانون الطبيعة الأسمى ، ومحاولة الالتفاف عليها تعنى تغليب الضعف والكسل والتخلف .

أيضا علاقات القوة ليست اختراعا أميركيا أو إسرائيليا ، هى موجودة منذ فجر الكون ، منذ لحظة الانفجار الكبير . هى موجودة فى القوى التى تربط المجرات معا كما فى القوى التى تسبب ترابط مكونات الذرة .

القدرة حق ، أنت لا تجدها على عتبة منزلك فى الصباح ، بل تكافح عقودا من العلم والتقنية لاكتسابها . هى العدل الذى يعطى كل ذى حق حقه ، وقبل كل شىء هى قانون الطبيعة الأسمى ، ومحاولة الالتفاف عليها تعنى تغليب الضعف والكسل والتخلف .

أيضا علاقات القوة ليست اختراعا أميركيا أو إسرائيليا ، هى موجودة منذ فجر الكون ، منذ لحظة الانفجار الكبير . هى موجودة فى القوى التى تربط المجرات معا كما فى القوى التى تسبب ترابط مكونات الذرة .

إن الكون لا يحكمه سوى قانون أكثر قاعدية واحد منذ لحظة ما يسمى بالانفجار الكبير هو قانون القوة ( أو للدقة هى أربعة أشكال من القوة تلك التى تحكم كل الكون بدءا من المجرات حتى الجسيمات ) ، وقد ساعدنا داروين على اكتشاف ذات القانون على الصعيد البيولوچى لكوكب الأرض ، لكننا مع ذلك نملك من العواطف القديمة ما يعمينا عن هذا القانون ، ونفضل نعته بقانون الأدغال ، أو نتحدث عن الكيل بمكيالين ( ما يسمى عالميا المعايير المزدوجة Double Standards ) ، بيننا وبين من نعتبرهم أعداءنا . بينما الحقيقة أنه يوجد ألف مكيال إذا كنا أمام ألف حالة ، أو بالأحرى لا يوجد سوى مكيال واحد فى كل العالم هو مكيال القوة . ومن المثير للشفقة حقا أن يتوقع الضعيف المتخلف ذات المعاملة كالقوى المتطور لدى تطبيق هذا المكيال . منذ قديم الزمن اعتاد البشر اللجوء إلى الملاكمة لحسم أى صراع بين فردين منهم . ويسمون من الذاكرة هذا الأسلوب ’ الطريقة العادلة ‘ . ودائما أبدا يخرج الطرفان راضيان تماما عن وسيلة التحكيم هذه ، وهى فكرة ’ طبيعية ‘ للغاية تضرب بجذورها لملايين السنين ، اعتمدت عليها الطبيعة على نحو محورى كإحدى آليات التطور . ولطالما لجأت إليها كافة الحيوانات لحسم الصراع على الأنثى أو الطعام أو غيرها ، وهى أسلوب حضارى للغاية باعتبار أن الحضارة تعنى بالضرورة التطور إذ أنها تنحى الأضعف وتعزز وجود الأفراد الأقوياء .

الأسوأ هنا أن الپارانويا المتمثلة فى مقولة الكيل بمكيالين المتواصلة ، أنها مجرد تظاهرة أخرى لپارانويا التمحور حول الذات المركبة لدينا ( الأم عندنا تقول لطفلها كل صباح وهو ذاهب للمدرسة فى الصباح ’ اوعى تضيع حقك ‘ ’ اوعى حد يضحك عليك ‘ ’ اضرب إللى يقرب منك ‘ ، لكنها لا تقول له أبدا ’ واجبك كذا ‘ ’ لا تأخذ دون أن تعطى ‘ ’ كن مهذبا مع الجميع الأفضل منك والأقل ‘ ! ) . تلك مقولة الكيل بمكيالين هى أيضا مجرد تظاهرة أخرى لعاطفيتنا فى الحكم على الأمور ، والتى هى المقوم الأساس لفشلنا الحضارى ، كما سبق وذكرنا ، بينما لأن الغرب يحكم بصرامة باردة بمكيال واحد هو القوة ، لذا هو موضوعى وعادل …إلخ . نكتفى هنا بواحد من الأمثلة البسيطة على هذا ، هو الطريقة التى نتحدث بها عن ’ المذابح ‘ الإسرائيلية . دائما ما ننسى المقدمات التى أجبرتها عليها ، وننسى عشرات التحذيرات التى وجهت لنا ، وطبعا قبل وبعد كل شىء ننسى قوانين القوة وحقائقها القائمة على الأرض . تأمل مثلا واقعة قريبة من هذا ما يسمى مذبحة صابرا وشاتيلا ، لم يكن لإسرائيل دخل مباشر بها ، إنما الكتائبيون اللبنانيون . نتذكر الحادث ونملأ الدنيا دنيا صياحا ونحيبا حوله ، وننسى سيناريو الأيام السابقة عليه . ذلك كان أقل ما يمكن أن تفعله عندما يحتل شعب آخر سريع التوالد لبلادك . وتتحالف منظمته المسلحة مع المسلحين من أبناء بلدك من ذات دينهم ممن كانوا أقلية فقيرة تافهة لكنهم سريعو التوالد أيضا . ويتحالف الاثنان مع دولة توسعية مجاورة من ذات دينهم متخلفة اقتصاديا ونهمة لالتهام ما بنيته من رخاء ونجاح فى بلدك . ماذا تفعل عندما يفضى كل هذا فى لحظة إلى أن ترى رئيس جمهوريتك المنتخب بشير الجميل البريطانية 24 سپتمبر 1982 قبل استلامه الرئاسة بعشرة أيام على شاشة التليڤزيون مضرجا فى دمائه ؟ أليس أقل ما يمكن أن يكون عليه رد فعلك أن تتوجه إلى ذلك الشعب الدخيل الذى يكاد يبنى مستوطناته فى قلب عاصمة بلادك نفسها ، محاولا طرده . وماذا تفعل حينئذ لو رفضوا ركوب الشاحنات والرحيل ؟ إن من فعلوها ليسوا حتى سفاحين متعطشين للدماء طبعا أو تاريخا ، بل بالعكس تماما كانوا نخبة نخبة المتحضرين العرب ومحل حسد الجميع . مرة أخرى وعاشرة ، من ذا الذى يكيل بمكيالين فى هذا العالم ؟ الآلات نفسها لم تكن لتقف ساكنة فى حالة كتلك . للأسف نكتب هذا [ أپريل 1996 ] ، والعويل العربى حول عملية عناقيد الغضب ومذبحة قانا فى ذروته . لم أجد شخصا واحدا أسأله عن المقدمات التى أدت لها ، وإلا واكتشفت أنه يتخيل أنها جاءت فجأة ، ولمجرد ممارسة إسرائيل لتسليتها المعتادة فى قتل العرب . لو أردت الصراحة أكثر ، الكل عرف بهذه المقدمات فى وقتها حتى سواء تباهت بها تليڤزيوناتنا أو ذكرتها على نحو عابر وكأنها أحداث غير مهمة . نحن نفرح فى ظواهرنا أو على الأقل فى بواطننا بقتل حزب الله للإسرائيليين ، أو على الأقل جدا جدا أننا لا نحزن لهم أبدا أطفالا كانوا أو فتيات أو نساء . هذا هو الشعور الوحيد الذى يتملكنا ساعتها ولا نفكر فى العواقب . وحين تأتى العواقب وساعة دفع الحساب تنمسح الفعلة كلية من ذهننا ، ويبدأ العويل المذل عن القوة الغاشمة والمجازر والمذابح ، إلى آخر هذه الأسطوانة المشروخة . هذا فقط واحد من المعايير المزدوجة المتغلغلة فى عقولنا الباطنة ، وربما تلوح لنا فرص لكثير غيره فى مراحل لاحقة من هذه الدراسة .

تحديث : مثال آخر على كوننا نحن لا العالم ، هو الذى يكيل بمكيالين ، الضجة الهائلة التى ملأت سوريا بها العالم طيلة سنة 2001 عن عضو الكنيسيت عزمى بشارة الذى تحاكمه إسرائيل بتهمة الاتصال مع سوريا . لم يسأل أحد نفسه قط ، ماذا كان سيفعل بشار الأسد لو ذهب عضو برلمان من عنده ليزور إسرائيل ، لا حتى ليحرض على الحرب ضد بلده الذى يحمل جنسيته كما فعل عزمى بشارة ، إنما فقط ليدعو للسلام . المؤكد أن هذا الشخص لم يكن ليرى نور صباح اليوم التالى . أيضا لم يسأل أحد عزمى بشارة نفسه الذى يضع هذه الخيانة كمحك للديموقراطية فى إسرائيل : ألم يسمع عن شىء اسمه الخيانة العظمى فى البلاد التى يدافع عنها وأن عقوبتها هى الموت ، وأنها تطبق لأشياء أهون بكثير مما يفعل هو ؟ العالم يكيل بمكيال واحد هو مكيال القدرة ، وحين نقول القدرة أو القوة فنقصد الحداثة والتقنية والثروة والعلمانية وأشياء كثيرة هى التى تأتيك بتلك القدرة والقوة . وما يهمنا قوله ثانية هنا إن المشكلة فى الكلام الكثير عن الكيل بمكيالين أنه مؤشر للپارانويا وللضعف والهزيمة ، أكثر منه يؤشر أو يؤسس لأى حق ] .

تحديث آخر : 3 أپريل 2002 : مظاهر لا حصر لها للكيل بمكيالين فى السلوك العربى خلال الحرب ضد الانتفاضة . التفاصيل هنا فى صفحة الإبادة ] .

الساسة المصريون يجلبون لنا سخرية العالم حين يتحدثون عن دور مصر الستراتيچى بينما الكل يعلم أن مصر صفر تاريخى كبير ، فجوة ستراتيچية يتوالى عليها المحتلون لا أكثر ( المغتصبون لو كنت تفضل المدلول الجنسى لكلمة فجوة . ولا نريد أن نذهب أبعد من هذا ونذكرك بكيف اعتاد عموم المصريين تمثل خريطة النيل امرأة ترفع ساقيها لأعلى ، وأنهم اختاروا وضع العاصمة فى المكان الأكثر إغراء للقادمين . هذه الصورة الإدراكية الرمزية بالغة الذيوع ، التى لم نخترعها نحن ولم يخترعها أى أحد محدد ، إنما فقط ترسخت لقرون فى الوجدان الفلكلورى للمصريين  تترجم بجلاء تصورهم الإداركى لأنفسهم ولبلدهم ولتاريخهم كمجرد خنوع خالص لا أكثر . أقصى ما فى الأمر أن يقولوا لك إن مصر ، الفجوة ، قد ابتلعت أو استوعبت كل الغزاة وطبعتهم بطبعها ، وتأكيدا ما هذه إلا بأكذوبة لحفظ ماء الوجه ولمداراة تاريخ كامل من استمراء الهزيمة والاستعباد ! ) . عامة وبالذات الآن أنت لا تستطيع أن تلعب دورا إقليميا أو غير إقليمى دون أن تنتج تقنية . وباستثناء براعتنا فى تحنيط الجثث وبناء المقابر لها ، ذلك ما لم نفعله أبدا . الطبيعى بعد ذلك أن المرة الوحيدة التى لعبت فيها مصر دورا إقليميا بالفعل كان دور زعيمة قطاع الطرق فى المنطقة وكل العالم . وهذا الذى حدث بعد 1952 كان بالتحديد قطع طريق فى ذات الوقت على إرهاصات وليدة لنهضة اقتصادية ومن ثم دور إقليمى إيجابى تنويرى وحقيقى ، هو الإشعاع الثقافى لتجربة الليبرالية المصرية ، الذى نشر الحداثة والفنون المصرية لدرجة أن كاد يجعل العامية المصرية لغة لكل العرب ، لكنها التجربة التى وأدها هؤلاء أنفسهم بالشعارات السوداوية لما أسموه ثورتى 1919 و1952 . والحقيقة الأبعد والواضحة تماما أن تجربة الليبرالية المصرية برمتها لم تكن لتوجد أبدا لولا احتلال الإنجليز لمصر ، فكانت ‑وهذا مما لا يقلل من شأنها بالمرة‑ مجرد المرآة التى تعكس حضارة المستعمر ونور الاستعمار .

مع ذلك نقول إن ربما يوجد بالفعل ما يبرر لدى ساستنا الحاليين توهمهم بأن لمصر دورا إقليميا . فمصر تقوم بتوصيل خمس أو ست رسائل سنويا من أميركا لخصومها فى المنطقة ، مقابل أجر قدره 3 بلايين دولار . أما مجموعة الرسائل التى وجهت لصدام حسين قبيل حرب تحرير الكويت ، فهى مهمة خاصة خارج نطاق المرتب السنوى الثابت ، وحصلت فى مقابلها على إلغاء ديون بأربعين بليون دولار . المؤكد شيئان : أن مصر المعاصرة هى أغلى بوسطجى فى التاريخ ، وأن أميركا طيبة القلب وفيرة الموارد راضية جدا عن خدماتها !

إن هذه الصفحة التى تقتبس كلاما كثيرا فى صدرها من طه حسين وزكى نجيب محمود ونجيب محفوظ ( كما ستتحدث كثيرا بالضرورة عن الخديوى إسماعيل ) ، إنما تفعل ذلك عامة لتقديرها للشق التنويرى الانفتاحى العام الذى ناضلوا من أجله ، وليس بالضرورة تبنيا لمواقفهم السياسية . منها مثلا كون التعليم كالماء والهواء حقا لكل من يولد أيا كانت ظروف هذه الولادة !

 الواقع أننا نرى الأمر أعمق بعدا من مجرد ميول تنويرية إنسانية لبعض الأفراد . إن مصر فى ذروة جبروتها الفرعونى نكصت عن إفعال قوانين القوة فلم تحتل أحدا قط ، وهذا لم يحدث قط إلا أيام حكم الألبانى محمد على باشا لها ، ونفذه ‑وليس هذا بمستغرب بعد كل ذلك التاريخ المصرى المستفز لأى أحد‑ بقدر غير قليل من التهور ! للأسف حتى لحظة كتابة هذا ، لا يزال الساسة المصريون يجلبون لنا سخرية العالم حين يتحدثون عن دور مصر الستراتيچى بينما الكل يعلم أن مصر صفر تاريخى كبير ، فجوة ستراتيچية يتوالى عليها المحتلون لا أكثر ( المغتصبون لو كنت تفضل المدلول الجنسى لكلمة فجوة . ولا نريد أن نذهب أبعد من هذا ونذكرك بكيف اعتاد عموم المصريين تمثل خريطة النيل امرأة ترفع ساقيها لأعلى ، وأنهم اختاروا وضع العاصمة فى المكان الأكثر إغراء للقادمين . هذه الصورة الإدراكية الرمزية بالغة الذيوع ، التى لم نخترعها نحن ولم يخترعها أى أحد محدد ، إنما فقط ترسخت لقرون فى الوجدان الفلكلورى للمصريين  تترجم بجلاء تصورهم الإداركى لأنفسهم ولبلدهم ولتاريخهم كمجرد خنوع خالص لا أكثر . أقصى ما فى الأمر أن يقولوا لك إن مصر ، الفجوة ، قد ابتلعت أو استوعبت كل الغزاة وطبعتهم بطبعها ، وتأكيدا ما هذه إلا بأكذوبة لحفظ ماء الوجه ولمداراة تاريخ كامل من استمراء الهزيمة والاستعباد ! ) . عامة وبالذات الآن أنت لا تستطيع أن تلعب دورا إقليميا أو غير إقليمى دون أن تنتج تقنية . وباستثناء براعتنا فى تحنيط الجثث وبناء المقابر لها ، ذلك ما لم نفعله أبدا .

الطبيعى بعد ذلك أن المرة الوحيدة التى لعبت فيها مصر دورا إقليميا بالفعل كان دور زعيمة قطاع الطرق فى المنطقة وكل العالم . وهذا الذى حدث بعد 1952 كان بالتحديد قطع طريق فى ذات الوقت على إرهاصات وليدة لنهضة اقتصادية ومن ثم دور إقليمى إيجابى تنويرى وحقيقى ، هو الإشعاع الثقافى لتجربة الليبرالية المصرية ، الذى نشر الحداثة والفنون المصرية لدرجة أن كاد يجعل العامية المصرية لغة لكل العرب ، لكنها التجربة التى وأدها هؤلاء أنفسهم بالشعارات السوداوية لما أسموه بثورتى 1919 و1952 . والحقيقة الأبعد والواضحة تماما أن تجربة الليبرالية المصرية برمتها لم تكن لتوجد أبدا لولا احتلال الإنجليز لمصر ، فكانت ‑وهذا مما لا يقلل من شأنها بالمرة‑ مجرد المرآة التى تعكس حضارة المستعمر ونور الاستعمار .

مع ذلك نقول إن ربما يوجد بالفعل ما يبرر لدى ساستنا الحاليين توهمهم بأن لمصر دورا إقليميا . فمصر تقوم بتوصيل خمس أو ست رسائل سنويا من أميركا لخصومها فى المنطقة ، مقابل أجر قدره 3 بلايين دولار . أما مجموعة الرسائل التى وجهت لصدام حسين قبيل حرب تحرير الكويت ، فهى مهمة خاصة خارج نطاق المرتب السنوى الثابت ، وحصلت فى مقابلها على إلغاء ديون بأربعين بليون دولار . المؤكد شيئان : أن مصر المعاصرة هى أغلى بوسطجى فى التاريخ ، وأن أميركا طيبة القلب وفيرة الموارد راضية جدا عن خدماتها !

إن التاريخ الثقافى والفكرى وحتى السياسى ، المصرى ‑وربما أيضا العربى كله‑ هو تاريخ يتراوح ما بين اليسار المتطرف واليسار المتطرف جدا ، ونادرا ما بزغت فيه فكرة القوة ناهيك عن فكرة القوة المستنيرة التطورية أو مفهوم الانتخاب الطبيعى . أليست مهزلة تثير الشفقة أن ينظر فى مصر لحزب الوفد الجمهورى الدهمائى صاحب هوجة 1919 على أنه حزب ’ اليمين ‘ و’ الليبرالية ‘ ؟ المؤكد فى عالمنا العربى أنه لا يوجد شىء على يمين الحكومات ، تلك التى تحاول ‑رغما عنها على الأرجح‑ تبنى قدر ما من أچندة التحديث والانفتاح على العالم ومنافساته الإجبارية الشرسة . والمعارضة ‑كل المعارضة‑ معارضة يسارية تتمسح بالطبقات الشعبية ( حتى ‑وهى مفارقة‑ لو كانت باسم الدين الذى يصنف تقليديا ‑وإن دون أى سند موضوعى فى الحقيقة‑ كيمين ) ، ومن ثم لا يعنيها سوى تحجيم ذلك التحديث لأدنى درجة ممكنة ، باعتباره رجسا من عمل الشيطان ، الذى هو عادة الخارج المسمى الغرب أو القدرة العظمى أو الغزو أو الإملاءات أو التبعية …إلى آخر هذا القاموس !

إن التاريخ الثقافى والفكرى وحتى السياسى ، المصرى ‑وربما أيضا العربى كله‑ هو تاريخ يتراوح ما بين اليسار المتطرف واليسار المتطرف جدا ، ونادرا ما بزغت فيه فكرة القوة ناهيك عن فكرة القوة المستنيرة التطورية أو مفهوم الانتخاب الطبيعى ، وذاكرتى تحاول هنا تمثل مسيرة أناس بالغى البأس مثل رمسيس الثانى ومحمد على . أليست مهزلة تثير الشفقة أن ينظر فى مصر لحزب الوفد الجمهورى الدهمائى صاحب هوجة 1919 على أنه حزب ’ اليمين ‘ و’ الليبرالية ‘ ؟ ( وأتحداك أن تأتى فى أية قضية ، حتى لو كانت الخصخصة نفسها ، باختلاف واضح ، جذرى أو حتى ثانوى ، بين مواقف جريدته وبين مواقف جريدة حزب التجمع اليسارى ! ) .

المؤكد فى عالمنا العربى ‑مثله تقريبا مثل معظم العالم الثالث البائس‑ أنه لا يوجد شىء على يمين الحكومات [ التى أصبحت قناة الجعيرة تسميها لاحقا ’ النظم ‘ ] ، تلك التى تحاول ‑رغما عنها على الأرجح‑ تبنى قدر ما من أچندة التحديث والانفتاح على العالم ومنافساته الإجبارية الشرسة . والمعارضة ‑كل المعارضة ، وهنا تأتى المقارنة الشهيرة بين من يده فى النار ومن يده فى الماء ، أو من يتكلم ’ من وسع ‘‑ معارضة يسارية تتمسح بالشعب ( حتى ‑وهى مفارقة‑ لو كانت باسم الدين الذى يصنف تقليديا ‑وإن دون أى سند موضوعى فى الحقيقة‑ كيمين ) ، ومن ثم لا يعنيها سوى تحجيم ذلك التحديث لأدنى درجة ممكنة ، باعتباره رجسا من عمل الشيطان ، الذى هو عادة الخارج المسمى الغرب أو القدرة العظمى أو الغزو أو الإملاءات أو التبعية …إلى آخر هذا القاموس !

سياسيا هناك شعوب يمينها نفسه يسار ، كالشعب الفرنسى الذى يكاد يصعب تخيل أن ينصلح حاله يوما ، وهناك شعوب مهما تغلغلت فيها الشيوعية وأفكار المساواة تعود يمينية دارونية أقوى مما كانت مثل ألمانيا وإيطاليا وربما روسيا . إنها ككل شىء آخر فى الدنيا أمور ترجع للبنية التحتية الچيينية .

Naguib Mahfouz

The Ruthless Liberal!

والسؤال الذى يطرح نفسه ويحتاج لوقفة ما فى هذا السياق : إذا كنا نعيش فى محيط يسارى متغلغل هكذا حتى الچيينات منا ، فماذا عن نموذج مثل نجيب محفوظ ذو الولاء للتحديث والعلم بما لا يحتمل التفاوض . هل يحتمل اليسارية كما يشاع دوما ، أم هو ’ الليبرالى الذى لا يرحم ‘ حسب وصفنا الشخصى الأثير والدائم له ؟

بالطبع لا يمكن القبول باختطاف غوغاء اليسار والناصرية لاسمه فى صفوفهم لعقود طويلة زورا وعلى نحو غبى ومضحك معا . هؤلاء لم يلحظوا مثلا أن ’ بداية ونهاية ‘ كانت العمل الأدبى والسينمائى الوحيد أثناء حقبة ثورة يوليو ، بل وبالضبط المدهش فى أوج عنفوانها ، الذى هجا الضباط ، وتحديدا عندما يأتون من الطبقات الدنيا . يتعامون عن هذا ، وكأنه لم يكن يتحدث عن ناصر وعامر وكل طغمة يوليو ( دع جانبا ما هو أكثر مباشرة وفى رأيى أقل ضربا فى الصميم ، مثل ’ ميرامار ‘ و’ ثرثرة … ‘ …إلخ ) . وبعد ذهاب عبد الناصر ومجئ السادات أصبح هجاء نجيب محفوظ للثورة أكثر علنية ووضوحا ( الكرنك ) ، بل وتبرأ هو منهم بصراحة لعلها تنشز عن كل أدبه الجم التقليدى . مع ذلك لم يوجد قط من يمكن أن يراجع فكرة نجيب محفوظ اليسارى الدارجة . لا أتخيل مثلا كيف يجدونها متسقة مع قصص الفتوات التى تعتبر أحد أعظم التجسيدات فى كل التاريخ الأدبى لمفهوم القدرة حق ، بأرقى معنى ممكن لكلمتى قدرة وحق . ربما أغوت سذاجتهم وسطحيتهم كلمة ’ الحرافيش ‘ دونما أدنى تأمل للمحتوى الذى يقال ، والذى يجهض فكرة الاشتراكية من جذورها ! الحقيقة أن حلقات بى بى سى تالية الذكر على لسان مثقف عربى غير مصرى البعض ربطه بنيتشه من خلال موت الإله فى نهاية ’ أولاد حارتنا ‘ . الأحرى هو ربطه به من خلال ’ فتوات حارتنا ‘ ! ورأيى الشخصى أن لا يربط بنيتشه فى أية حالة ، فهذا فيلسوف يمينى يبدو دارونيا نعم ، لكنه إنسانى . ومن ثم فهو محدود الأفق مفتقد للجوهر الثورى الحقيقى للدارونية وبالتالى يمينيته منقوصة جذريا . أخيرا ، لا معنى بالمرة للقياس بكون كثير من أصدقائه يساريين . هو كأديب صادق بالضرورة كل الناس وكل الطبقات ، وبالنسبة لمصادقته لليساريين فالسبب بسيط للغاية وهو أن أى مثقف فى العالم الثالث لا يمكن أن يجد حوله إلا مثقفين يساريين ! إن هذا لا يزيد بالمرة عن كون العبارات الدينية موجودة على لسان شخصياته فى كل فقرة ، دون أن يجعل هذا منه مسلما بل فى نظر المسلمين ألد أعداء الإسلام .

حتى فيما يتعلق ببعض المواقف والآراء المثيرة للبس مثل رثائه الإجبارى لعبد الناصر بأمر من محمد حسنين هيكل ، يقول جمال الغيطانى فى تصريح متكرر جدا له قاله بمناسبة وليمة لأعشاب البحر ، ثم فى المسلسل المذكور كلاهما فى البى بى سى نقلا شخصيا عن نجيب محفوظ ، إنه عندما يتناقض النص الإبداعى مع المقال أو التصريح السياسى ، فالأصدق هو النص الإبداعى ذلك إنه فى هذا الأخير ’ عندما أكتب لا أفكر فى أية اعتبارات ‘ [ عبارة قد لا نجد أعظم منها تجسيدا لما يمكن تسميته شرف الفكر ، وأسعدنا من اليوم الأول لصفحات الرأى فى هذا الموقع أن نضعها شعارا لها ] .

أنا شخصيا واجهت معركة موسعة فى المنتديات السينمائية ، عندما كتبت فى كتاب ’ دليل أفلام الڤيديو ‘ 1987 أمتدح نسخة حسن الإمام من ثلاثية القاهرة . نظر لى الجميع كغر طيب ، كان أول من تسامح فى التاريخ مع جريمة سينمائية كبرى ارتكبت فى حق المناضل اليسارى العظيم نجيب محفوظ . هذا إلى أن مال على الكاتب السينمائى أحمد عبد الله وكان صديقا لحسن الإمام ليهمس فى أذنى : هل تعلم ماذا يضع حسن الإمام تحت زجاج مكتبه ، إنه يضع ورقة بخط يد نجيب محفوظ تقول إنه لم يكن ليحلم بظهور الثلاثية بمثل هذا المستوى الرائع أبدا ! ( لاحظ السنة ! 1987 ، فهى حديثة جدا من ناحية ، وفعلا حتى ذلك الوقت كانت مثل تلك الآراء تثير الجدل الشديد . إلا أنها فى ذات الوقت السنة السابقة مباشرة على فوزه بنوبل التى هاج وماج ضدها مثقفو اليسار بقيادة الحنجورى الكبير يوسف إدريس ، والتى لم تطل لحسن الحظ لأنه مات من فوره كمدا بسبب تلك الجائزة ) . السؤال هل نجيب محفوظ يمينى كبير أم مجرد شخص مهذب ، كما بدأت تجرى الآن النظرية البديلة لنظرية نجيب محفوظ اليسارى .

أحيانا يقال عنه إنه كان وطنيا متحمسا ، لكن ما يجب أن نعرفه عنه أنه استقى كل ما فى عقله من قراءة الأجانب . أحيانا يقال عنه إنه كان وفديا ، والحقيقة أنه آخر من يعتقد أنه ينحاز لسعد زغلول ضد عدلى يكن مثلا ، أو لا يقرأون أعماله التى تجعل من ’ زعيم الأمة ‘ و’ ثورة 1919 ‘ مرادفات ثابتة لكلمتى وجدان وانفعال ، ويربطها دوما بفورة الشباب عنده . أو لعله بالأحرى يقصد الطفولة ، فهذه لم تكن أكثر من انفعالات طفل كان فى الثامنة من عمره عندما ملأ دهماء 1919 الشوارع باستعراضهم المثير الصاخب . أيضا لا تفوتك ملاحظة قدر الارتباك والتشويش الذهنى الذى يمكن أن يسببه حدث كهذا لأغلب مثقفى تلك الفترة . فالليبرالية والتحديث ، كما نظرت لها كتابات أحمد لطفى السيد مثلا ( ’ الجريدة ‘ 06-1914 ) ، أو كتاب طلعت حرب من العام 1910 ’ علاج مصر الاقتصادى ‘ ، وتبناها سياسيون من أمثال حسين رشدى وعدلى يكن وعبد الخالق ثروت ، وبالطبع اقتصاديون من أمثال طلعت حرب نفسه ، كانت شىء من صميم مهام واختصاص الطبقات الراقية والثرية من أعيان أراضى وأرباب صناعة وتجارة ، الكبار منهم تحديدا ، وإن لم يكونوا موجودين فقد دعت لإيجادهم . لكن الشىء الذى لم يخطر ببال أحد قط أن يلجأ شخص ما لإقحام الشعب الجاهل فى الأمر ، على الأقل فى مرحلة مبكرة جدا كتلك لم يكن لديه فيها أدنى قدر من التعليم أو النضج . هذا ما فعله المحامى الانتهازى الأزهرى سعد زغلول حين خان عهد الوفد الذى اختير عضوا فيه أو ناطقا باسمه أو أيا ما كان ، فإذا به يطالب فجأة بالاستقلال فى كل لحظة يتحين له فيها ابتزاز زملاءه بشتى الطرق ، بدءا من اقتحام اجتماعات الجمعيات العلمية القانونية بالقاهرة حتى تصريحات مطار لندن . وبالأخص يوم أشعل تحريضه الممنهج وشبه السرى فى 9 مارس 1919 ’ الكارعة ‘ ( هكذا كان ينطقها ) التى طالما خطط لها . هذه كانت بالضبط اللحظة التى أجهضت فيها تجربة الليبرالية والتحديث المصرية وهى تقريبا بعد فى مهدها . ربما تسمع اليوم كلاما كثيرا عن أن فترة ما بين 1919 و1952 كانت فترة ذهبية للحرية والحراك السياسيين ، الصحافة كانت حرة ، الأحزاب كانت حرة ، الانتخابات كانت حرة ، الجماهير والحياة السياسية كانت تتمتع بالحيوية والنشاط وتملأ الشوارع والمدارس بالمظاهرات كل الأيام . هذا صحيح لكنه هراء ، والسبب أن أحدا لم يسأل سؤال المحتوى . ليس المهم أن تكتب أو تنتخب أو تتظاهر ، إنما بماذا تحديدا كانت تطالب تلك الصحف والأحزاب والجماهير ’ شديدة الحيوية ‘ التى أخرجتها 1919 من القمقم . الإجابة أنها كانت تطالب بطرد الإنجليز وبسلب الأغنياء ثرواتهم إلى آخر أچندة الكراهية المعهودة ، أو بكلمة كانت تطالب بـ 1952 . هذا ببساطة هو ما جناه السيد زعيم الأمة على أجنة الليبرالية الحقة هذه التى ولدت على يد محمد على ووصلت ذروة ازدهارها فى العقد الثانى من القرن ، لكن قطعا ليس بعد ذلك بيوم واحد !

فى نهاية رواية محفوظ ’ ميرامار ‘ سنة 1967 ، قال الإقطاعى السابق إن الحل الوحيد هو أن تحكم مصر حكما يمينيا بواسطة أميركا مباشرة . صحيح من يطرح هذا هو الشخص الأكثر يأسا وتعرضا لبطش الثورة فى الرواية ، لكن إنهاء الرواية بمثل تلك الجملة يشبه إلقاء قنبلة نووية لم تنفجر بين يدى القارئ ، أو بالأحرى داخل مخه ، الذى لم يتخيل قط أن يأتى خاطر كهذا أصلا فى ذهن أى أحد كما مر فى ذهن نجيب محفوظ . قنبلة تتركه يردد نفس كلمة قائلها : ما المانع ؟ على الأقل هذا هو الخيار الوحيد الذى ترك بلا نقد ، بينما جزم محفوظ بأن جميع الخيارات الثلاث الأخرى ، الناصرية والشيوعية والإسلام ، هى الجحيم عينه ، لم تنتشل الشعب من فقره وتخلفه بل فاقمته . فقط لاحظ أننا فى أوائل سنة 1967 ، وهذه الدعابة ذات الوزن الثقيل جدا من نجيب محفوظ ، لا تتنبأ فقط بما سيحدث فى يونيو منه ، إنما ربما تتنبأ بنصف قرن أو قرن كامل تال ، سيعود العالم فيه حتما للنظام الإمپراطورى من جديد ، لا سيما بعد تفشى هول كارثة حكم العالم الثالث لنفسه للعيان يوما بعد يوم ! [ على نحو أكثر تحديدا اقترحنا يوم 28 مايو 2004 فى صفحة الإبادة أن إياد علاوى الذى تولى فى ذاك اليوم حكم العراق تحت إمرة القوات الأميركية هو أول تجسد لحلم مفكرنا العظيم على أرض الواقع ! ] .

نعم ، ليس لدينا شك أن نجيب محفوظ قصد ذلك التأثير تحديدا . على أنه رغم كل شىء ، لا يمكن لأحد أن يعتبره ببساطة منظرا سياسيا لليمين ، والسبب فى هذا بسيط ، وهو أنه لا توجد حركة يمينية أصلا . افتراض أن الوفد هو اليمين ليس إلا هراء ما بعده هراء . فالوفد هو مؤجج الثورة البلشفية المصرية سنة 1919 ، والتى كانت صراعا نمطيا حاسما فى التاريخ المصرى قضى على النواة الأخيرة المحتملة لليبرالية والتقدم ، وجعلت الدهماء الورقة العليا فى سياسة البلاد ، يتهافت الساسة الفاسدون على الاستحواذ عليها قبل أى شىء آخر . هذا التحليل ليس من عندنا ، إنما هو فى صميم الرواية المذكورة نفسها ، على لسان الراوى الخارجى المحايد الصحفى عامر وجدى ، بل لعله أكثر شخص تشترك نسبة كبيرة من ملامح مسيرته السياسية والفكرية مع المؤلف نفسه فى جميع رواياته ، أو ربما كل شىء باستثناء جرعة التصوف الزائدة ( حتى هذه رغم عدم التطابق بالطبع مع نجيب محفوظ نفسه ، تبدو منسجمة مع ميل نجيب محفوظ الدائم ‑بالذات بعد أولاد حارتنا‑ للإيحاء بعدم الحسم الدينى عنده ) . وعامة محفوظ لم يتردد أبدا فى التناول التهكمى لهوجة سعد ‑أو هوجة عرابى الجزء الثانى ، سواء فى ثلاثيته الشهيرة أو فى غيرها كثير . ذلك التهكم الذى يمكن فهمه على أنه نوع من الندم عن حماسة طفولته وشبابه نحو الوفد وسعد زغلول ، والتى أزعم أنها ظلت تؤنبه طيلة عمره وأراد التكفير عنها بينه وبين نفسه بكل الوسائل ، تماما كما عامر وجدى بعد تنويره الفجائى ‑وربما المتأخر نسبيا‑ لمدى انتهازية الوفد فى 4 فبراير 1942 .

ما ترتكن إليه قناعتنا الشخصية ، أنه فى الحقيقة أرقى حتى من أن يكون يمينيا بالمعنى التقليدى عالميا للكلمة . مبدئيا هو ذلك المزيج المفقود للإيمان بكلا من الليبرالية الاجتماعية والليبرالية الاقتصادية . دافعت رواياته عن العاهرات ، قدر فرحته بزوال الحكم الناصرى وتأييده لجوهر التحول الاقتصادى الليبرالى التالى ، وإن انتقد بالطبع كأى مفكر ناضج كيفية تطبيقه على الطريقة المصرية ( الفاسدة واليسارية بطبعها وفى جوهرها ) . أيد السلام مع إسرائيل ، لكنه لم يلجأ أبدا للخطاب اليسارى الساذج عن الحب والتآخى ، إنما رأى فيه معركة دارونية من الطراز الأول ، سيقف فيها إلى جانب المنتصر أيا من كان ، وأشهرها كلمته للمثقفين الوجلين من السلام ’ موتوا ! ‘ . على أن الأهم من هذا وذاك فى تمثلنا له ، هو اعتقادنا أنه يريد لنفسه أن يكون مفكرا بعد‑إنسانى أرقى من كل الولاءات السياسية ، ومن كل البشر وصراعاتهم ، فهذا ما تشتغل عليه فى الواقع كل رواياته التى لا تفعل أكثر من أن تسخر منهم جميعا . أنا شخصيا أتمثل دماثته الزائدة ( التى يختطفه بسببها الجميع لمعسكره ) ، أتمثلها نوعا من ذلك الترفع القاسى على الجميع . فتواضع المفكر الحقيقى هو تواضع العالم بين وبين نفسه لمعرفته بحدود العلم البعيدة ، ذلك بغض النظر إذا ما اختار المظهر المتواضع فى تعامله مع الناس ، أو تغطرس عليهم . وكلا الحالتين وارد ولا يمس التواضع الداخلى الذى هو سمة تلقائية يفرضها العلم والبحث عن الحقيقة . المهم ، أنه سواء صح تصنيف نحيب محفوظ كأيديولوچى سياسى يمينى ملتزم من خلال تصريحاته ومواقفه وهى ليست قليلة ، أو كمجرد فيلسوف مراقب يمينى أرقى من الالتزام المباشر من خلال كتاباته الأدبية الرفيعة المحايدة ظاهريا ، فسيظل فى كل الأحوال استثناءا فريدا بالكامل من نوعه فى بحر الثقافة العربية العطن ، لا ينفى القاعدة التى نحاول إثباتها هنا ، من أنها ثقافة يسارية للغاية قاعديا .

[ لاحقا هدد اتحاد الكتاب المصرى بفصله ، بسبب موقفه من إسرائيل . ولا ندرى من كان سيشطب من الوجود ويذهب لمزبلة التاريخ ساعتها نجيب محفوظ أم اتحاد الكتاب عديم الجدوى أصلا . بالعودة لدعابة ميرامار المذكورة عن حكم أميركا لمصر ، التى تقزم فى الواقع أية دعابة أخرى ، نقول إن هذه الدعابة الأخرى التى جاءت بعد دعابة ميرامار بخمس سنوات ، لم تمر مثلها بسهولة بل أقامت الدنيا وأقعدتها . بعد سنوات طويلة منها ( وتحديدا من خلال كتاب غالى شكرى ’ نجيب محفوظ —من الجمالية إلى نوبل ‘ 1988 ) ، فجر نجيب محفوظ مفاجأة كبيرة حين قال إنه كان أول من طرح فكرة السلام مع إسرائيل . كان ذلك فى سنة 1972 وخلال لقاء لكتاب الأهرام مع معمر القذافى . قال ’ إذا لم تكن لدينا القدرة على الحرب فلنتفاوض ونصطلح ، وننهى هذه المسألة التى لا تحتمل حالة اللا سلم واللا حرب لفترة أطول . وقد أيدنى حسين فوزى وتوفيق الحكيم . وكان كلامى مفاجئا ، فلم يكن يخطر ببال أحد التفكير ، مجرد التفكير ، فى هذا الحل ، ذلك أننا كنا نعيش فى عصر لاءات الخرطوم الشهيرة ‘ ( يقصد لا صلح لا اعتراف لا تفاوض فى القمة العربية التاريخ من الذاكرة يوليو 1967 ) . فكرة التفاوض أو الحسم المفقود ( أو ما أسماه الرئيس السادات ’ عام الحسم ‘ ، ثم عاد معتذرا ليسميه ’ عام الضباب ‘ ) ، جاءت نتيجة مظاهرات طلابية وعمالية هائلة ، وفاقمتها هى نفسها بدورها بعد قليل ، لكنها لم تنسب أبدا لنجيب محفوظ ، إنما أحيانا لكتاب الأهرام ككل ، وأحيانا لتوفيق الحكيم خاصة ( ربما لمجرد أنه الأكبر سنا ! ) .

للمزيد عن محفوظ ككل اقرأ التحقيق الجميل للنيو يورك تايمز معه فى سپتمبر 2002 . فى هذا التحقيق ممتع الأسلوب والمحتوى معا ، نأمل أن لا يفسد استمتاعك بحكمة الفيلسوف العظيم رأى إنسانى عابر عن الفلسطينيين الانتحاريين ، من الواضح أنه بنى على معلومات منقوصة ، سببها كما هو معروف وعلى الطريقة المصرية الفهلوية جدا ، محاولات الاحتواء والسيطرة التى يقوم بها عليه التيار الذى يجاهر بعدائه للساموية بأشد معانى الكلمة بداءة وتخلفا ، بينما هو وحده الذى لا تزال تجرى فى دمائه لعنة الساموية واليهود الذين يهاجمهم قد برأوا منها من قرون . من هذا مثلا إحاطة أمثال الكاتب محمد سلماوى وغيره بنجيب محفوظ الذى لم يعد يقرأ أو يشاهد بنفسه للأسباب الصحية المعروفة ، وطبعا لرحيل معظم شلته الأصلية . ربما تدهش وأنت تقرأ ما يكتب سلماوى هذا ، كيف يمكن أن تربطه بنجيب محفوظ علاقة أخرى غير طعنه بسكين فى رقبته ، لكن كما تعلم جيل الهزيمة ( واسم الدلع النكسة ! ) ، هذا لا ينتحر ولا ينسحب ولا ييأس أبدا . وإذا كان الطعن فى الرقبة قد فشل ، فلا بأس من تجربة الطعن فى الظهر ! يكفى أن تعلم أن سلماوى هذا ، وكان بعد موظف الأهرام الشاب الذى توسم فيه نجيب محفوظ أن يقرأ كلمته أمام احتفالية نوبل بإنجليزية مقبولة لا أكثر ، كاد أن يحدث كارثة بپارانويته مفرطة المرضية تجاه اليهود اعتقد أنهم سيطلبون منه رفع الإشارة لوطن للفلسطينيين لكن فى اللحظة الأخيرة اتضح أنهم لا يريدون أكثر من تصحيح خطأ شكلى أن الأكاديمية السويدية وليست لجنة نوبل هى التى منحته الجائزة وينسحب من الحفل . بل وقام بالتربيط مع كل الوفد الإعلامى المصرى كى يتضامن معه فى هذا الانسحاب ، ويكاد يتباهى فى برنامج للبى بى سى أعدته نجلاء العمرى فى نوڤمبر‑ديسيمبر 2002 بعنوان ’ سيرة صاحب الأحلام ‘ ، بأنه كان سيفعل كل هذا دون مجرد التفكير فى الاتصال بصاحب الشأن فى مصر لأخذ رأيه ( طبعا حتى لا يفوت هذا الأخير عليه مناسبة نضالية‑جهادية عظمى كهذه ) ! ولم يفوت عليه أى من كل ذلك سوى أن اتضح فى اللحظة الأخيرة أن أحدا لا يعنيه أن يشير أو لا يشير نجيب محفوظ لمعاناة الفلسطينيين فى كلمته . إنه يتحدث كما لو كان قد حصل بإقرار بخط اليد من نجيب محفوظ بما يسميه ’ موقفا قوميا عظيما ‘ ، دون أن يلحظ أن كل حياة نجيب محفوظ الممتدة كانت نضالا ضد فكرة القومية العربية وضد الناصرية ، ولا يوجد بها ما يمكن تسميته موقفا قوميا واحدا على وجه الإطلاق !

باختصار : ما قاله نجيب محفوظ عن التحديث وعن الحضارة الغربية بما فيها إسرائيل ، كثير ولا يحتمل التأويل ، وهذا يرضينا ويكفينا حتى آخر الزمان .

… اقرأ أيضا : ما سمى بثورة يوليو 1952 ، ومنه بالضرورة المزيد عن موقف نجيب محفوظ منها ، كان مادة لمدخل موسع بمناسبة مرور 50 عاما على هذه الكارثة العظمى .

… كذلك تابع بتوسع كبير المزيد عن السيكيولوچية المصرية ، لا سيما علاقتها بالفيضان والاتكال والچيينات والفهلوة ، فى صفحة الحضارة . والطريف ‑وهى مصادفة غير مقصودة ، لكن غير خالية من الدلالة‑ أن المدخل الذى ورد به هذا كان عن فائز آخر بنوبل للآداب مثله مثل محفوظ ، وأيضا علمانى ويمينى للغاية مثله ، لكن مع فارق أنه غير متواضع وغير مهذب بالمرة ، ألا وهو بالطبع ڤى . إس . نايپول !

… أيضا ثم معالجة لاحقة أخرى فى صفحة الثقافة هذه ، لمستقبل مصر ذات هذه الشخصية المستعصية على الإصلاح ، بمناسبة تلويح أميركا باحتلال العراق وتنصيب حاكم عسكرى له على غرار الچنرال ماكآرثر ، وهو أسلوب الحكم الذى قد يمتد ليفرض نفسه منطقيا على كل شعوب المنطقة الفاشلة اقتصاديا .

… بعد فترة لاحقة أخرى وبإعادة احتلال العراق ، لم تعد بعد سطور ميرامار الأخيرة مجرد دعابة !

… أخيرا ، انتظر هنا تحديثات أخرى وأخرى حول نجيب محفوظ نبع الليبرالية الذى لا ينضب ] .

Baseball all-time legend Babe Ruth

Throwing the Ball a Yard Farther!

إن لكل شعب أسطورته كما يقولون . وبينما أساطير اليونان تتمحور حول بشر يتحدون الآلهة ويقهرونها ، وأساطير ألمانيا تتحدث عن بطولات سيجفرييد الملحمية ، وأسطورة أميركا كل ملاكم يطرح خصمه أرضا وكل لاعب بيسبول يقذف الكرة لمسافة أبعد ( طبقا لمقدمة برنامج عن رموز ومشاهير أميركا أو ربما عن القصص القصيرة الأميركية ، من أسف لا أذكر اسمه وأذكر فقط هذه المقدمة وأنى كنت أسمعه أسبوعيا فى طفولتى فى إذاعة صوت أميركا العربية ) ، فإن أيزيس وأوزوريس أسطورة انسحاقية بالكامل . وهى حية بعد ليس فقط فى طقوس الحزن المرعبة فى صعيد مصر ، بل فى كل أركان الحياة اليومية لكل المصريين ، ناهيك بالطبع عن حياتهم الثقافية والسياسية .

خذ مثالا من الأحداث الكبرى ما يخص استجابة شعبنا المصرى لهزيمة يونيو . بعد أيام من صراخه الهادر بعودة جمال عبد الناصر ، راح يطلق النكت الساخرة من نفسه كشعب ( ‑أحا أحا لا تتنحى ! ‑أحى أحى واتنحى ليه ؟ عفوا للبذاءة لكنها كانت أشهر من أن يخجل منها أحد ، وأكثر دلالة من أن نتغاضى عنها ! ) ، ثم بعد قليل نسى الموضوع برمته . أهم ما فى الأمر أن يظل السؤال معلقا للأبد : أيهما كان على حق خطب عبد الناصر فى صوت العرب أم حكاوى عم حمدان فى صوت إسرائيل .

توجد نسخة ثالثة بالسياسة 2 ومن ثم جمال مبارك الأمر ليس إلا امتدادا سلسا لأسطورة إيزيس وأوزوريس ! وكما أن ثم كسل للأبدان فرضته دورة الفيضان ، ثم كسل للعقول فرضته دورة الفيضان وكسل الأبدان معا . كسل لا يختلف بالمرة عن كسل انتظار الفيضان وانتظار رحيله ، إذ كما أن الشغل البدنى يؤلم العضلات غير المجبولة چيينيا عليه فتشغيل العقل يؤلم بالمثل الدماغ غير المجبولة چيينيا عليه . وليس غريبا قط بعد ذلك أن يظهر ما سمى بالتوحيد فى مثل هذه التربة ، حيث إله كلى القدرة يملك جميع المصائر ، يعطى الأمان العقلى والنفسى من كل نواكب الزمن ، ومن ثم يمنح إحساسا عظيما بالاتكالية والاستلقاء الآمن ، أو بالاستسلام لغدر الطبيعة القادم . إنها قاعدة عامة أن ينمو الإيمان بالخرافة فى البيئة العرضة ، فما بالك إذا كانت هذه عبارة عن فيضان درامى إما شحيح مشظف وإما هائل مدمر ، وإن لم يكن هذا أو ذاك فهو هاجس يأكل الروح طوال السنة وطوال العمر وطوال الأجيال . إذن لا غرابة بالمرة أن كل حضارتنا المعاصرة مبنية على اليونان لا على مصر . اليونان أعطت العالم العلم والتقنية أو على الأقل الأساس الفلسفى المادى لإنطلاقتها التالية فى روما وبريطانيا وأميركا ، فماذا أعطتنا مصر ؟ الإجابة أعطتنا الدين ، أعطتنا دوامة من الخرافة والتعصب والظلمات الأبدية لا تنتهى أبدا . بعبارة أخرى الحضارة هى السيطرة على الطبيعة ، على الدنيا ، وللأسف السيطرة على الدنيا شىء والسيطرة على الآخرة شىء آخر . هذه الأخيرة لا تصنع حضارة ، بل بالتحديد تهدم ما هو قائم من حضارات .

إذن ، الانفعال المفرط - السخرية من الموضوع - نسيان كل شىء ، هى الاستجابة الانسحاقية مثلثة الأضلاع الدائمة من الشعب المصرى لكل الكوارث ، بدءا من الهزائم العسكرية مرورا بالزلازل حتى سقوط طفل اسمه سيد فى بالوعة مفتوحة واختفاؤه للأبد . والهدف الوحيد لها هو فقط أن يتفادى التعلم من أخطائه . هذا أحد نتائج الفهلوة الكامنة فيه حتى النخاع ، يريد المضى فى الحياة دون تشغيل عقله على وجه الإطلاق ، ( من الطريف أو ذو الدلالة أنك لو بحثت فى كتاب إبراهيم أحمد شعلان الشعب المصرى فى أمثاله العامية الأمثال العامية المصرية فيما يخص النشاط والكسل ، لخرجت بانطباع بأنه أكثر شعوب الأرض همة على وجه الإطلاق ! أيضا سؤال أهديه لأخوتنا فى اليسار لماذا لا يبحثون لنا عن تفسير لماذا فى العامية المصرية كلمة تشريك تعنى إتلاف الشىء أو اعتباره غير صالح للاستخدام ، وفى نفس الوقت تعنى جعله اشتراكيا ! ) .

وكما أن ثم كسل للأبدان فرضته دورة الفيضان ، ثم كسل للعقول فرضته دورة الفيضان وكسل الأبدان معا . كسل لا يختلف بالمرة عن كسل انتظار الفيضان وانتظار رحيله ، إذ كما أن الشغل البدنى يؤلم العضلات غير المجبولة چيينيا عليه فتشغيل العقل يؤلم بالمثل الدماغ غير المجبولة چيينيا عليه . وليس غريبا قط بعد ذلك أن يظهر ما سمى بالتوحيد فى مثل هذه التربة ، حيث إله كلى القدرة يملك جميع المصائر ، يعطى الأمان العقلى والنفسى من كل نواكب الزمن ، ومن ثم يمنح إحساسا عظيما بالاتكالية والاستلقاء الآمن ، أو بالاستسلام لغدر الطبيعة القادم . إنها قاعدة عامة أن ينمو الإيمان بالخرافة فى البيئة العرضة vulnerable ، فما بالك إذا كانت هذه عبارة عن فيضان درامى إما شحيح مشظف وإما هائل مدمر ، وإن لم يكن هذا أو ذاك فهو هاجس يأكل الروح طوال السنة وطوال العمر وطوال الأجيال . إذن لا غرابة بالمرة أن كل حضارتنا المعاصرة مبنية على اليونان لا على مصر . اليونان أعطت العالم العلم والتقنية أو على الأقل الأساس الفلسفى المادى لإنطلاقتها التالية فى روما وبريطانيا وأميركا ، فماذا أعطتنا مصر ؟ الإجابة أعطتنا الدين ، أعطتنا دوامة من الخرافة والتعصب والظلمات الأبدية لا تنتهى أبدا . بعبارة أخرى الحضارة هى السيطرة على الطبيعة ، على الدنيا ، وللأسف السيطرة على الدنيا شىء والسيطرة على الآخرة شىء آخر . هذه الأخيرة لا تصنع حضارة ، بل بالتحديد تهدم ما هو قائم من حضارات .

 ’ كله تمام ‘ ، أو ما يسمى عقلية الإجماع هى هاجس كل المصريين ( ناهيك عن كل العرب ) . من تلك مثلا أن متعة الانتخابات عنده هى ’ تجديد البيعة ‘ لا حيرة الاختيار . الأميركيون لا يفهمون الحكمة السيكولوچية وراء الـ 99.9 0/0 التى ابتدعها جمال عبد الناصر ، وحاكته فيها بقية الريچيمات الجمهورية العربية . يسمونها حكما بالحديد والنار وانتهاكا لحقوق الإنسان …إلى آخر مصطلحات عصر كلينتون [ كلينتون‑أولبرايت بدءا من يناير التالى 1997 ] الأثيرة . يهددونا بالويل والثبور وعظائم الأمور ، بينما لا يعلمون أنها خصيصة چيينية أصيلة فينا ، ولا حيلة لنا تجاهها . إنهم معتادون على التمايز والشخصيات المستقلة والتحزب واضح المعالم ، هم لديهم حزبان ولو ساروا على هدينا وكان هاجسهم هو وحدة كل الأمة لانتهى بهم الأمر بـ 280 مليون حزب . على الأقل هم توحدوا فى نصفين ، بينما نحن مولعون طوال الوقت بشىء اسمه الاتفاق المطلق فقط كى لا نحصد منه سوى الاختلاف المطلق . والنتيجة النهائية معروفة : أننا أدمنا السيحان وربع النغمة وعشر النغمة ، ويسعدنا أن ليس من فراغ القول كون كله عند العرب صابون . الرد عليهم ليس حتى أن الشعب جاهل لم يتأهل للديموقراطية بعد ، ناهيك بالطبع عن محاولة إقناعهم أن الديموقراطية نظام غير كفء حتى فى الغرب نفسه .

توجد نسخة ثالثة بالسياسة 2 ومن ثم جمال مبارك إنهم معتادون على التمايز والشخصيات المستقلة والتحزب واضح المعالم ، هم لديهم حزبان ولو ساروا على هدينا وكان هاجسهم هو وحدة كل الأمة لانتهى بهم الأمر بـ 280 مليون حزب .  على الأقل هم توحدوا فى نصفين ، بينما نحن مولعون طوال الوقت بشىء اسمه الاتفاق المطلق فقط كى لا نحصد منه سوى الاختلاف المطلق . والنتيجة النهائية معروفة : أننا أدمنا السيحان وربع النغمة وعشر النغمة ، ويسعدنا أن ليس من فراغ القول كون كله عند العرب صابون . طوال الوقت نسعى نحو شىء اسمه الاتفاق المطلق فقط كى لا نحصد منه سوى الاختلاف المطلق . النتيجة أن من المرجح أن سنرى قريبا كل بلاد العرب صومالا كبيرا !

الفارق بين الفارق بين الفهلوة المصرية والعنف البدوى العربى ، ليس فارقا نوعيا ، بل فارق فى الدرجة أو الأسلوب لا أكثر . كلاهما مص لدماء للغير ، فقط واحد ناعم والآخر عنيف ! ونصوص الإسلام التى تستحل كل ما يملك الآخرين أو تقتلهم ، هى الصيغة الأكثر مثالية إطلاقا فى كل التاريخ الإنسانى لتبرير كسل الأبدان ، وهى التكيف الچيينى الأمثل مع خصائصنا البيولوچية .

باختصار : لا يبدو إن تركيبة العرب الچيينية كسامويين تسمح لهم أبدا بسقف غير مجتمع الرعى العشائرى ، ويكاد يكون من المستحيل أن ننتقل ‑كعرب أو كشعوب غير عربية لكن يسيطر عليها العرب وقيم العرب‑ أبدا لعصر الإقطاع ناهيك عن عصر الصناعة !

وأخشى ما نخشاه أن يتحول قريبا ذلك المثل القائل كله عند العرب صابون ، إلى كل العرب صومال . مع ملاحظة الصوملة غير اللبننة ، ففى الأخيرة هناك على الأقل أسباب طائفية ودينية للتناحر ، أما هنا فلا توجد حتى أسباب اقتصادية ، فقط كل واحد له ’ دماغ صعيدى ‘ قائم بذاته يأبى إلا أن يتزحزح قيد أنملة عن رأيه . ففى الصومال ليس الأمر مجرد بلطجة ونهب قطاع طرق لأثرياء ، فلا أحد ثرى ، وسيستمر الصراع للأبد فيما هو بادى حتى اللحظة ، لهدف واحد فقط ، الصراع نفسه ، أقصد الوصول للإجماع ! مع كل الظلم الذى يتعرض له أهل الصعيد بوصمهم بعبارة ’ دماغ صعيدى ‘ ، وكأن بقية المصريين أو العرب بدماغ آدم سميث ، فإن المعنى واضح : تيمايوس هائل تهون من أجله الحياة نفسها ، وهذا لن يفضى إلا إلى صومال كبير من المحيط إلى الخليج . كلما تعرض العرب للجلوبة وللانفتاح على العالم الذى تقريبا لا يعرفون عنه أى شىء ، كلما زادت صيحات الوحدة ، وزاد معها التفتت والتقاتل . ولا تتخيل أننا نستثنى من أى من كل هذا التجربة الرائعة الحالية لمجلس التعاون الخليجى ، فالقدر الچيينى أكبر من كل تجربة ، وتجربة تحديث الخليج على أسس اقتصادية بالأساس شىء رائع وثورى ، لكنها ليست أول التجارب ولن تكون آخر التجارب ، وقطعا ليست أروع التجارب . نعرف أن هناك تنظيم القاعدة يستقطب الشعب السعودى معه يوما بعد يوم ، ونعلم أن هناك صراع سنى‑شيعى ، لكن ما نعرفه أكثر ، أن ما خفى كان أعظم ، وسيفاجئك فى لحظة ما بخلافات لم تكن تتخيلها قط !

سنعود تفصيلا لخصيصة العرب التاريخية كقطاع طرق ، لكن نود أن ننهى الحديث هنا عن مصر بالقول ، إن ثمة تمايزا نسبيا لها وسط المحيط العربى . هؤلاء رعاة وظيفتهم القاعدية هى قطع الطريق ، بمعنى الرعى فى أرض الغير ( أرض الله فى قول آخر ) ، والإغارة على كل من يسمعون عن كونه صاحب ثروة ( فالمال مال الله وذهب لك عن طريق الخطأ ) ، وقرصنة البحار متى استطاعوا إليها سبيلا … إلخ ، ثم لو حدث وامتهنوا شيئا آخر من الأشياء ’ المحترمة ‘ التى يمتهنها الغير ، لنقل التجارة مثلا ، فأغلب بضاعتهم فى هذه الحالة هى البضائع المسروقة ، العبيد على وجه خاص . لكن فى المقابل مصر بلد زراعى عريق ، كذا لم يحدث أبدا أن غزا جيرانه . الفهلوة وليس قطع الطريق هو تكيف المصريين البيولوچى القاعدى تجاه كسلهم الچيينى . لهذا يقال عنهم عادة أنهم أذكياء ، لكن لسوء الحظ لأن الاختبارات القياسية لحصيلة الذكاء لا تضم الفهلوة و’ النصاحة ‘ والنصب ، إنما مهارات معرفية محددة أخرى ، فهم لا يحققون أرقاما كبيرة فيها . لكن لا بد هنا من السؤال ، لماذا عانق المصريون الإسلام بتلك السهولة النسبية حين غزتهم جيوشه ، فى الوقت الذى رفضته فرنسا وإيطاليا وروسيا مثلا ، وردته إسپانيا على أعقابه بعد احتلال دام قرونا ؟ لماذا عانقت مصر العروبة بسهولة نسبيا أيضا على يد عبد الناصر . ثم لماذا تعانق الإسلام من جديد بعد عقود خالها البعض فيها وقد تحولت للعلمانية . الإجابة أن الفارق بين الفارق بين الفهلوة المصرية والعنف البدوى العربى ، ليس فارقا نوعيا ، بل فارق فى الدرجة أو الأسلوب لا أكثر . كلاهما مص لدماء للغير ، فقط واحد ناعم والآخر عنيف ! ونصوص الإسلام التى تستحل كل ما يملك الآخرين أو تقتلهم ، هى الصيغة الأكثر مثالية إطلاقا فى كل التاريخ الإنسانى لتبرير كسل الأبدان ، وهى التكيف الچيينى الأمثل مع خصائصنا البيولوچية ، ولعل لنا عودة أكثر تفصيلا حول الدين قد نختم بها هذه الدراسة .

فقط ننهى هذه المرحلة بالقول باختصار : لا يبدو إن تركيبة العرب الچيينية كسامويين تسمح لهم أبدا بسقف غير مجتمع الرعى العشائرى ، ويكاد يكون من المستحيل أن ننتقل ‑كعرب أو كشعوب غير عربية لكن يسيطر عليها العرب وقيم العرب‑ أبدا لعصر الإقطاع ناهيك عن عصر الصناعة !

[ طبعا ما حدث تدريجيا بعد غزو أميركا للعراق ، هو صومال بكل المعايير ، أكبر وأفدح ، الكل فيه يصمم على وحدة العراق وعلى الإجماع الوطنى … إلخ ، والنتيجة ميليشيات من كل صنف ولون تجوب الشوارع تقتل بعضها البعض ، فالمقصود عند كل واحد هو وحدة العراق والإجماع الوطنى تحت رايته هو تحديدا ، يعنى تخلصنا من صدام فظهر لنا 25 مليون صدام ، ألم نقل لك إنها مسألة چيينية . ما يسمى الانتخابات الحرة سنة 2005 أتى بالأحزاب الدينية للسلطة ووصل التناحر لمداه . نفس الشىء فى المناطق الفلسطينية ’ الانتخابات الحرة والنزيهة ‘ فى 2006 أتت بحماس للسلطة وتحولت كل المناطق لميليشيات صومالية متقاتلة . مصر نفسها انتخاباتها ربع الحرة ربع النزيهة فى أواخر 2005 أتت بالأخوان المسلمين لربع مقاعد الپرلمان ، وباتت الشوارع ملكا لميليشيات الأخوان لا سلطة حقيقية للشرطة عليها ، ومسرحا لقتل المسيحيين علنا أو لخطفهم وإجبارهم على الإسلام ، أو لترويع الكتاب العلمانيين أو لإلقاء ماء النار فى وجه الفتيات السافرات ، أو لألف قصة وقصة من هذا القبيل . وككل شبح الصومال لم يعد بعيدا كما قد يبدو للوهلة الأولى . رغم ذلك لا تزال الدنيا كلها تلوم أميركا لأنها قضت على صدام ومن ثم خلقت كل تلك الفوضى . والمذهل أن أميركا الغرة المخدوعة لا تزال تجارى بملائكية مضحكة مطالب المعارضة الخبيثة المجرمة فى البلاد التى تحكمها نظم تسعى بدرجة ما للحداثة كمصر وفلسطين محمود عباس وتونس وكدول الخليج عامة ، ذلك بما يسمى بالديموقراطية وحقوق الإنسان . كل ذلك بينما لم يفكر أحد أن المطلوب هو الحداثة ، وأن الديموقراطية لم تكن يوما ولا فى أى مكان إلا وسيلة وليست هدفا فى حد ذاتها ، وطبعا لم تفكر أميركا جديا بعد فى أن الموقف الصحيح فى حال لم يجد القضاء على صدام فى خلق دولة حداثية هو القضاء على كل الصدامات حتى لو كان عددهم بالملايين !

للمزيد من هذا اقرأ صفحة الليبرالية ، التى تناقش أفضل سبل الوصول للحداثة . وتطرح سؤال ما فائدة الديموقراطية إذا كان كل المطروح فى البازار هو ديكتاتوريات . وترصد حقيقة أن كل تجارب النهضات فى القرن العشرين بدءا من دول ساحل جنوب أوروپا مرورا بنمور آسيا وانتهاء بأحدثها وأعظمها جميعا تشيلى پينوتشيت ، تدلنا على أن السبيل الوحيد ‑وعلى سبيل الحصر المطلق‑ لتحديث دولة متخلفة هو ديكتاتورية عسكرية يمينية ، تعتبر أن الدور الوحيد للحكومة هو السهر على حماية الحريات الثلاث الكبرى التى هى وحدها الحريات الحقيقية أو ’ الطبيعية ‘ : حرية الاقتصاد ، وحرية الحراك الاجتماعى ، والحرية الفردية كالحرية الجنسية وحرية تناول العقاقير وما إليها من طيف الحريات الشخصية الواسع . وتشدد ‑أى تلك الصفحة‑ على أن هذه الحرية المطلقة المنشودة تستلزم بالضرورة قتل واجتثثاث كل صاحب برنامج يسعى لمصادرتها ، سواء باسم الاشتراكية أو القومية أو الدين ، أو حتى باسم الديموقراطية ] .

المفجع أن المشكلة ليست فى أن الشعب جاهل ، بل فى أنه سعيد بجهله . يزعجه جدا الجدل والخلاف . إنه شعب خاوى الدماغ ، وفكرة الإجماع هى وسيلته التكيفية الوحيدة تجاه جهله . بهذا المعنى مصر هى أعظم ديموقراطية لكل العصور . حكامها لا يفعلون شيئا بدون تفويض مطلق من الشعب ، والأهم لا يفعلون ما يغضبه أبدا أو يقوض كسله العظيم ، ومنه أن يحولوا الدولة كلها لجمعية خيرية كبرى ، هدفها إعالة الجميع ، وليست اقتصادا منتجا بأى معنى معروف للكلمة . أية انتخابات حرة ستأتى بالأخوان المسلمين ليس لمشروعهم التنموى الفذ ، ولا حتى لشبكتهم العنكبوتية التنظيمية الممسكة بخناق الشعب . فقط لأن الشعب لا يريد من أحد أن يوجع له دماغه بهذه الديموقراطية ، وسوف يهدى هذه الديموقراطية للأخوان عند أول ناصية لأنهم الوحيدون الذين يعدونه بإراحته منها . العرب لا يريدون الحرية ، العرب يحلمون بعمر بن الخطاب ، بالحاكم العادل ، بطاغية يسارى يعنى . ببساطة ، المشكلة فى وجود الرأى والرأى الآخر ، أنه محنة سيكولوچية ! أما لماذا يصبح العدل هاجسا مرضيا للعقل العربى والمسلم فالسبب بسيط ولا يثير أى استغراب : الثروة والعشب والنسل لا تأتى بالكد والابتكار والعرق ، إنما كلها موجودة سلفا ، كلها ’ رزق ‘ من صنع الخالق ، والمشكلة فقط هى التقسيم !

المفجع أن المشكلة ليست فى أن الشعب جاهل ، بل فى أنه سعيد بجهله . يزعجه جدا الجدل والخلاف ، يقوض حياة الغفوة المتواصلة انتظارا للفيضان وانتظارا لرحيله . لماذا لا يحترم الأميركيون رغبة شعب ما فى ألا يخوض فيما لا يفهم فيه . إنه شعب خاوى الدماغ ، وفكرة الإجماع هى وسيلته التكيفية الوحيدة تجاه جهله ، وسيلته التكيفية الوحيدة للهرب من الاضطراب الوجدانى العنيف الذى يسببه وجود خلاف فى الرأى . نظامه التربوى الريفى والحضرى ، بل قل كل أساطيره الفلكلورية تبدأ بخروج على الإجماع وتنتهى بفاجعة مخيفة ( تأمل كل قصص الحب الفلكلورية الشهيرة أيا كان اسم البطل ، عواد - متولى أو أيا من كان ، أو أيا ما كان اسم البطلة ضحية النداهة الطرف الثانى للقصة . لاحظ دوما الاضطراب الهائل الذى يسببه الخروج على الإجماع . ولاحظ دوما أيضا أن كلمة التقاليد تلعب فقط وظيفة الخارج الظاهرى لفكرة الإجماع . فالمدهش أن الحب نفسه غير مدان فى أغلب هذه القصص ، وهو نفاق وازدواجية غريبة ! ) .

عامة الحكام إفرازات لشعوبهم حتى لو قمعوها . جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافى وحسن الترابى لم يستوردوا من المريخ ، بل هم انعكاس مباشر لعقلية السمع والطاعة القهرية العربية المسلمة . سؤال بسيط نوجهه لكل عربى يطالب بالديموقراطية : هل أنت ديموقراطى فى بيتك قبل أن تطالب أميركا أو إسرائيل أو حتى حكومتك بأن تكون ديموقراطية معك ؟ الشعوب المتعلمة والمتمكنة اقتصاديا لا يمكن أن تفرز حكاما كهؤلاء ، لأنها أصلا لا يمكن أن تفرز تلك العقلية ، أو بالأحرى لم تكن چييناتها لتفرز لها تلك العقلية . أما بعض الحكام الجيدين عندنا ممن هم أفضل بالفعل من شعوبهم ، ويقودونها للحداثة ، فهم إما مستوردون چيينيا من الخارج كأسرة محمد على فى مصر ، وإما أبناء للشعوب لكن يبدون نشازا أو كتطفرات چيينية وتصبح تجاربهم الحداثية فى مهب الريح بعد رحيلهم ، وكم نتمنى أن نكون مخطئين فى تشاؤمنا على المجرى البعيد لتجارب أناس مثل أتاتورك أو بورقيبة أو الحسين بن طلال أو أنور السادات أو كذا حكام دول الخليج عموما .

عامة الحكام إفرازات لشعوبهم حتى لو قمعوها . جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافى وحسن الترابى لم يستوردوا من المريخ ، بل هم انعكاس مباشر لعقلية السمع والطاعة القهرية العربية المسلمة . سؤال بسيط نوجهه لكل عربى يطالب بالديموقراطية : هل أنت ديموقراطى فى بيتك قبل أن تطالب أميركا أو إسرائيل أو حتى حكومتك بأن تكون ديموقراطية معك ؟

خذ مثالا لعقلية الإجماع وهى قاسم مشترك لدى كل العرب ( وعامة لدى كل الشعوب عالية المكون الثقافى ‑كنقيض للمادية أو الدنيوية‑ كما سنرى فى حالة فرنسا ) . خذ مثالا لها استجابة الشعب المصرى أو غيره من الشعوب العربية لظهور الإسلاميين . كان ظهورا عنيفا يريد تقويض كل شىء . بقية الشعب لم يفكروا ولم يناقشوا . انحنوا له . تحجبت النساء وواظب الرجال على الصلاة . فقط كى يصبح كل شىء على ما يرام من جديد ، وقد كان . بعد قليل اتضح أن الإسلاميين وحوشا ذوى أچندة خفية يقتلون الأطفال والمسيحيين والسياح . هذا مزعج بدوره . لا بد من تصنيف هؤلاء كقلة مارقة خرجت على ’ الإجماع ‘ . على أن هناك شرط واحد خالد دائما أبدا هو عدم المواجهة . فلننزلق لمزيد من التدين ، كحل وسط جديد . يمكنك تسمية هذا النوع من اليسار ، بغثاء الوسطية الذى لا ينتهى .

ففى بلادنا الارتزاق سهل لو كنت فى الحكومة ، وأسهل لو كنت فى المعارضة . إنك لو عرضت الحكم فعلا على الأخوان أو على أى حزب معارض لرفضه ، وفعلا رأينا أن لم يتقدم له أحد عشية اغتيال السادات . إنها ميزة مزدوجة ، فساد دون مساءلة بل زائد ثالثا الحق فى مساءلة الفاسدين الآخرين على فسادهم . ’ ديموقراطيتنا ‘ انطبعت على هذا ، المعارضة الفاسدة المبتزة جزء أصيل من النظام الذى لا يستغنى أجزاؤه عن بعضها البعض ، وتظهر المشكلات فقط حين تنكمش كعكة الفساد . جذور هذا أن عقليتنا هى بالأصل عقلية المعارضة لا القيادة ، عقلية الابتزاز لا المسئولية ، عقلية الهدم لا البناء . وإذا كان ثمة بناء فيما نرى فالفضل فيه لفرمانات وإملاءات صندوق النقد الدولى والبنك العالمى ، وليس نابعا منا بأية درجة من الدرجات . إننا أمة قررت ’ الموت موتة ربنا ‘ مفضلة إياها على الحياة أو على موت الرحمة ، المسمى كلاهما الاقتصاد الحر !

أية انتخابات حرة ستأتى بالأخوان المسلمين . لماذا ؟ ليس لمشروعهم التنموى الفذ ، ولا حتى لشبكتهم العنكبوتية التنظيمية الممسكة بخناق الشعب . فقط لأن الشعب لا يريد من أحد أن يوجع له دماغه بهذه الديموقراطية ، وسوف يهدى هذه الديموقراطية للأخوان عند أول ناصية لأنهم الوحيدون الذين يعدونه بإراحته منها . هذه أيضا كسل عقلى وفهلوة ، سواء من الأخوان أو سواء من كل الشعب . الأوائل يقولون لك نحن مع الاستقرار وضد الإرهاب ، لكنكم لن تتخلصوا من إرهاب من هم أشد منا تطرفا ، ولن تنعموا بذلك الاستقرار قط ( وبطريقتنا الخاصة لن نسمح بحدوث هذا قط ) ، قبل تعطونا الحكم ، والثانى يقول لك فلتعطهم الحكم ، انت واجع دماغك ليه ؟ مرة أخرى ، إنه شعب يزعجه أيما إزعاج ويقوض نعيمه النفسى أيما تقويض ، أن لا يوجد إجماع حول موضوع البحث .

العرب لا يريدون الحرية ، العرب يحلمون بعمر بن الخطاب ، بالحاكم العادل ، بطاغية يسارى يعنى ، ببساطة ، المشكلة فى وجود الرأى والرأى الآخر ، أنه محنة سيكولوچية ! أما لماذا يصبح العدل هاجسا مرضيا للعقل العربى والمسلم فالسبب بسيط ولا يثير أى استغراب : الثروة والعشب والنسل لا تأتى بالكد والابتكار والعرق ، إنما كلها موجودة سلفا ، كلها ’ رزق ‘ من صنع الخالق ، والمشكلة فقط هى التقسيم !

اتفاقية الدفاع العربى المشترك هى الوحيدة فى التاريخ التى يتقاتل أعضاؤها دون أن يفكروا أبدا فى الانسحاب منها !

 فى هذا نفسه يكمن تفسير المقولة الدارجة أن العرب اتفقوا على ألا يتفقوا ، وتفسير لماذا يلجأون دوما للحروب القطرية أو الأهلية لحل أتفه النزاعات ، ولماذا اتفاقية الدفاع العربى المشترك هى الوحيدة فى التاريخ التى يتقاتل أعضاؤها دون أن يفكروا أبدا فى الانسحاب منها ، ولماذا دوما الجامعة العربية كيان مشلول ومجرد ساحة لممارسة الحروب الكلامية ، فقط لأن ميثاقه الخيالى ‑أو قل بالأحرى المستقى من أعماق سيكولوچيتنا غير السوية تلك‑ ينص على أن تتخذ القرارات بالإجماع . فالبشر الذين لا يعرفون كيف يختلفون لا يعرفون كيف يتفقون ، ومن ثم تترجم عقلية الإجماع الوهمية إلى صراعات غير قابلة للحل ولا تأتى إلا بالخراب .

الحقيقة الأبعد من هذه وتلك أن الفهلوة تجعل الأمور أعمق من هذا بكثير . فى بلادنا الارتزاق سهل لو كنت فى الحكومة ، وأسهل لو كنت فى المعارضة . إنك لو عرضت الحكم فعلا على الأخوان أو على أى حزب معارض لرفضه ، وفعلا رأينا أن لم يتقدم له أحد عشية اغتيال السادات . إنها ميزة مزدوجة ، فساد دون مساءلة بل زائد ثالثا الحق فى مساءلة الفاسدين الآخرين على فسادهم . ’ ديموقراطيتنا ‘ انطبعت على هذا ، المعارضة الفاسدة المبتزة جزء أصيل من النظام الذى لا يستغنى أجزاؤه عن بعضها البعض ، وتظهر المشكلات فقط حين تنكمش كعكة الفساد . جذور هذا أن عقليتنا هى بالأصل عقلية المعارضة لا القيادة ، عقلية الابتزاز لا المسئولية ، عقلية الهدم لا البناء . وإذا كان ثمة بناء فيما نرى فالفضل فيه لفرمانات وإملاءات صندوق النقد الدولى والبنك العالمى ، وليس نابعا منا بأية درجة من الدرجات . حين كنت أشتغل فى أحد المصانع الحربية كانت الكلمة التى أتندر بها مع زميلى مهندس الإليكترونيات عيد على قرار خصخصة كل شىء إلا المصانع الحربية ، أنهم اختاروا لنا أن ’ نموت موتة ربنا ‘ . اليوم يلوح لى أن الأمر لا يخص بعض المصانع ، بل ثقافة أمة كاملة تفضل الموت المتواصل البطئ على الحياة أو على موت الرحمة ، المسمى كلاهما الاقتصاد الحر !

In 1822, during the War of Greek Independence, many of the Christian inhabitants of Chios were massacred or sold into slavery by the Turks. Eugène Delacroix, Massacre at Chios (1824, Oil on canvas, Louvre Museum, Paris).

Islam, a Full History of Slaughter, Robbery, Slavery and Nothing Else!

نعود لسياقنا الأصلى ، لنقول إن هنا يكمن الجزء الأهم فى إشكالية التحديث عندنا ومسيرتها بالغة العسر والتعثر .

إنها تهمة إسرائيلية ظالمة تلك التى تقول العرب لا يفهمون سوى لغة القوة . فى الواقع هم أغبى من أن يفهمونها . هم يفهمون نصفها فقط . حين يسفكون دماء العالم هم يؤمنون بالقوة ويفهمونها أفضل فهم ، لكن حين يهزمون لا يستسلمون ويصبحون أغبى الكائنات جميعا . إنهم لو يفهمونها كأى شعب آخر فى الدنيا يتعامل بلغة القوة ، وكلها كذلك ، لاستسلموا عند كل هزيمة ، وبدأوا حياة مختلفة !

لو نحينا جانبا الكلام السابق عن أخلاقيات القوة ، وأنها قد تكون فى حالات استثنائية معينة ومؤقتة قوة رجعية ، فسوف نكتشف أن العرب يرفضون أصلا مفهوم القوة ، أو بالأحرى لا يفهمونه . إنها تهمة إسرائيلية ظالمة تلك التى تقول العرب لا يفهمون سوى لغة القوة . فى الواقع هم أغبى من أن يفهمونها . هم يفهمون نصفها فقط . حين يسفكون دماء العالم هم يؤمنون بالقوة ويفهمونها أفضل فهم ، لكن حين يهزمون لا يستسلمون ويصبحون أغبى الكائنات جميعا . إنهم لو يفهمونها كأى شعب آخر فى الدنيا يتعامل بلغة القوة ، وكلها كذلك ، لاستسلموا عند كل هزيمة ، وبدأوا حياة مختلفة ( كما سنرى بنيامين نيتانياهو أول من فهم هذا ، وخرج بنظرية أن تترك العرب تماما حتى يأتون راكعين من تلقاء أنفسهم ) . هذا الشىء غير المفهوم لدى العقل العربى ، العقل الپارانويى ، العقل اليسارى سمه ماشئت ، هو للأسف أهم الأشياء إطلاقا : حكمة الطبيعة من وراء تبنيها لقوانين القوة .

قوانين الطبيعة لا تستشير أحدا !

القوة هى الحق وهى أعلى معيار ممكن للعدل لأنها أفضل شىء يعبر عن الاجتهاد والكدح واستشراف المستقبل ، وتسيد وانتصار الأقوى كان وسيظل الضمانة الأساسية التى جعلت الكوكب والبشرية يسيران باضطراد نحو التقدم . ومحاولة البحث عن معايير أخرى للحق والعدل لن يكون بأقل من فتح صندوق پاندورا حيث تنطلق كل الشرور .

إن القوة هى الحق وهى أعلى معيار ممكن للعدل لأنها أفضل شىء يعبر عن الاجتهاد والكدح واستشراف المستقبل ، وتسيد وانتصار الأقوى كان وسيظل الضمانة الأساسية التى جعلت الكوكب والبشرية يسيران باضطراد نحو التقدم . ومحاولة البحث عن معايير أخرى للحق والعدل لن يكون بأقل من فتح صندوق پاندورا حيث تنطلق كل الشرور ويغرق العالم فى مماحكات سفسطائية لا تنتهى عن معايير العدل والحق . إن أفضل شىء كان وسيكون وسواء أبينا أم شئنا هو اللجوء للمعيار الذى استنته الطبيعة وضمنت به تطورها المتواصل منذ الانفجار الكبير مرورا بماراثون النشوء والارتقاء وانتهاء بمنظمة التداول العالمية ( طبعا بفرض أن لن تستولى عليها يوما الدول الدهماء وباسم الديموقراطية تفرغها من محتواها وتجعلنا نبحث من جديد عن مؤسسة جديدة ليس للجميع فيها حق التصويت أو يكون التصويت بنسبة المشاركة فى الناتج العالمى ) . باختصار كل شىء إنسانى ‑بالذات ما يناقض منه قوانين الطبيعة‑ هو قابل للمراجعة والإصلاح ، أما قوانين الطبيعة فلا تستشير أحدا !

الذكاء هو التهام الضعفاء وليس مناطحة الأقوياء ، هذا هو أيضا تعريف النجاح كما يقول تاريخ الستراتيچية …

والتاريخ الطبيعى أيضا !

العرب كانوا يوما فى موقف الأقوى هذا حتى لو اختلفنا عن أن ذلك جاء فى حقبة عصور الظلام فى ظلام يساوى ظلام ، وكانوا قادة الظلام وكان من السهل فيه تسيد العالم بأقل قدر من التقنية والعلوم ، أو حتى بدونها على الإطلاق . فإمپراطورية روما التى أكلت المسيحية روحها وطفأت نورها ونخرت بنيانها الحضارى وحولت جبابرتها لعبيد خانعين لإله واحد قهار خفى ، وخلقت لحظة فراغ حضارى عالمية كبرى يمكن بالتالى أن يخترقها الإسلام أو غيره حتى لو كان أدنى منها تقنيا بمراحل . أى بعبارة أخرى فى عصور الظلام عادة ما يقهر الظلام المتأصل فى الظلمة الظلام الأقل ظلمة ، أو ظلاما كان نورا وانطفأ . المهم فى كل الأحوال أن هؤلاء العرب لم يتحدثوا عن الشرعية أو يأخذوا إذنا إنما ببساطة غزوا . أيضا ‑وبالأحرى‑ الحضارات بمعناها الحق التى هى فتح جبهة frontier جديدة للتقنية ، ما هى إلا غزو دائما أبدا . بل التاريخ الطبيعى برمته ما هو إلا هو تاريخ غزو ، لا أكثر ولا أقل .

فى عصور الظلام عادة ما يقهر الظلام المتأصل فى الظلمة الظلام الأقل ظلمة ، أو ظلاما كان نورا وانطفأ . المهم فى كل الأحوال أن هؤلاء العرب لم يتحدثوا عن الشرعية أو يأخذوا إذنا إنما ببساطة غزوا . أيضا ‑وبالأحرى‑ الحضارات بمعناها الحق التى هى فتح جبهة frontier جديدة للتقنية ، ما هى إلا غزو دائما أبدا . بل التاريخ الطبيعى برمته ما هو إلا هو تاريخ غزو ، لا أكثر ولا أقل . الدفع العكسى صحيح أيضا ، فالعرب لم يخرجوا من إسپانيا بقرارات دولية إنما بقوة السلاح ، ولم يخرجوا من أرض إسرائيل بقرارات دولية إنما مرغوا بها كلها الأرض ، ولن يخرجوا مما يسمى المغرب العربى إلا بالكفاح المسلح للأمازيغ ، ولن يخرجوا مما يسمى بالمشرق العربى إلا بالكفاح المسلح للأكراد ، ولن يخرجوا مما يسمى الجنوب العربى إلا بالكفاح المسلح لشعب جنوب السودان ، وهكذا . ومهما استصدر هؤلاء من قرارات من الشرعية الدولية لن يقبل العرب العودة ليثرب طوعا أبدا ، ولن يقبلوا أبدا الاعتراف بأنهم سادة المعايير المزدوجة فى هذه الدنيا . هكذا تسير الأمور ، يوم لك ويوم عليك ، والذكى هو الذى يفهم لماذا هو متخلف ، ويبدأ فى تبنى أفكار المنتصرين ويسير فى ركابهم بحب وطواعية واحترام .

الدفع العكسى صحيح أيضا ، فالعرب لم يخرجوا من إسپانيا بقرارات دولية إنما بقوة السلاح ، ولم يخرجوا من أرض إسرائيل بقرارات دولية إنما مرغوا بها كلها الأرض ، ولن يخرجوا مما يسمى المغرب العربى إلا بالكفاح المسلح للأمازيغ ، ولن يخرجوا مما يسمى بالمشرق العربى إلا بالكفاح المسلح للأكراد ، ولن يخرجوا مما يسمى الجنوب العربى إلا بالكفاح المسلح لشعب جنوب السودان ، وهكذا . ومهما استصدر هؤلاء من قرارات من الشرعية الدولية لن يقبل العرب العودة ليثرب طوعا أبدا ، ولن يقبلوا أبدا الاعتراف بأنهم سادة المعايير المزدوجة فى هذه الدنيا . هكذا تسير الأمور ، يوم لك ويوم عليك ، والذكى هو الذى يفهم لماذا هو متخلف ، ويبدأ فى تبنى أفكار المنتصرين ويسير فى ركابهم بحب وطواعية واحترام .

هل هذا الغزو خير أم شر ؟ المعايير واضحة والإجابة ليست صعبة . مواصفات التقدم والتخلف أمور لا يختلف عليها اثنان ، المستوى التقنى وناتج الفرد وما إليهما . لا بد من وقفة توضيحية وإن كانت مؤلمة . حين تغزو روما أو بريطانيا أو إسرائيل مصر ، وناتج الفرد فيها 30 أو 40 ضعف مثيله المصرى ، وفارق المستوى التقنى لا نهائى من المرات ، هذا تحديث وتنمية وإعمار وتقدم وتنوير . حين يغزوها بدو الجزيرة العربية البدائيين الذين لا يعرفون حتى الزراعة وطبعا بذريعة واحدة هى الدين هذا نهب ونهش ومص دماء وتخليف وإظلام . الأول استعمار والثانى استخراب . الأول يفتح عينك على ثرواتك الطبيعية يعلمك التقنية وفقط يقاسمك العوائد ، الثانى يأخذ الماعز والشعير والنساء وفقط يعطيك ورقا اسمه القرآن . الأول عصرى صاحب علم وثورة تقنية يأتى كى يزرع ويصنع ، والثانى راعى بدوى أمى كل وظيفته فى الحياة أن يأتى كل يأكل ما زرع غيره . حين يغزو السوريون أو الفلسطينيون لبنان الثرى الحضارى المتحرر وشبه المنتمى للغرب المسيحى هذا نهب ونهش ومص دماء وتخليف وإظلام ، لكن حين تغزوه إسرائيل أو أميركا ، أو حين يغزو هو أولئك الأجلاف ، يكون الأمر العكس مائة وثمانون درجة . نعم الأمور بسيطة وواضحة للغاية ، فقط لو سأل الجميع سؤال المحتوى . مبدأ عدم جواز احتلال الأراضى بالقوة مبدأ جميل بشرط أن تضاف إليه كلمتان : عدم جواز احتلال الأراضى بالقوة بواسطة المتخلفين !

نوقش هذا من جديد باستفاضة بطبيعة الحال مع أحداث سپتمبر 2001 ، حيث نجح الهجوم الإسلامى الثانى على مركز التداول العالمى بنيو يورك ليس فقط فى إسقاط برجيه حيث كان هجوم 1993 قد فشل ، إنما فى أنه أيضا جعل بين لحظة وضحاها العالم غير العالم ، وأصبح كل المجتمع الإنسانى يرى العروبة والإسلام على حقيقتهما لأول مرة وبمنظور يكاد يشبه المكتوب هنا لحد كبير . انظر صفحة سپتمبر !

مع ذلك لا بد من وقفة توضيحية وإن كانت مؤلمة . فليس كل غزو أو احتلال مثل كل غزو أو احتلال . هل هذا الغزو خير أم شر ؟ أعتقد المعايير واضحة والإجابة ليست صعبة . مواصفات التقدم والتخلف أمور لا يختلف عليها اثنان ، المستوى التقنى وناتج الفرد وما إلى ذلك . حين تغزو روما أو بريطانيا أو إسرائيل مصر ، وناتج الفرد فيها 30 أو 40 ضعف مثيله المصرى ، وفارق المستوى التقنى لا نهائى من المرات ، هذا تحديث وتنمية وإعمار وتقدم وتنوير . حين يغزوها بدو الجزيرة العربية البدائيين الذين لا يعرفون حتى الزراعة وطبعا بذريعة واحدة هى الدين هذا نهب ونهش ومص دماء وتخليف وإظلام . الأول استعمار والثانى استخراب . الأول يفتح عينك على ثرواتك الطبيعية يعلمك التقنية وفقط يقاسمك العوائد ، الثانى يأخذ الماعز والشعير والنساء وفقط يعطيك ورقا اسمه القرآن . الأول عصرى صاحب علم وثورة تقنية يأتى كى يزرع ويصنع ، والثانى راعى بدوى أمى كل وظيفته فى الحياة أن يأتى كل يأكل ما زرع غيره .

حين يغزو السوريون أو الفلسطينيون لبنان الثرى الحضارى المتحرر وشبه المنتمى للغرب المسيحى هذا نهب ونهش ومص دماء وتخليف وإظلام ، لكن حين تغزوه إسرائيل أو أميركا ، أو حين يغزو هو أولئك الأجلاف ، يكون الأمر العكس مائة وثمانون درجة . يقولون إن الجيش السورى كان ضروريا لإنهاء الحرب الأهلية فى لبنان ، خطأ ! أين سؤال المحتوى ؟ أنت لا تستدعى القط لحماية الكرار كما يقول المثل الشائع . لو كان المستدعى هو الجيش الأميركى أو الإسرائيلى أو حتى التركى أو المصرى لما اعترض أحد لأن سلاما حداثيا هو الذى كان سيتحقق وليس سلام الظلام وحافظ الأسد وحزب الله . أما طبعا لو كان لبنان هو الذى احتل سوريا لما وجدتنا إلا مهللين أن ذهبت الاشتراكية والعروبة وجاء اقتصاد السوق والحريات الفردية . حين غزت روما أو لندن بقية العالم لم تكن ثمة بقعة واحدة فيه أكثر رقيا من المركز بتقنياته واقتصاده وثروته ومنتجاته وتشريعاته . العكس هو الصحيح حين غزا العرب المسلمون الممالك المجاورة الأكثر حضارة وثروة وعراقة وتقدما ، أو حين شنت فرنسا حروبها فى كل مكان على أم الثورة الصناعية إنجلترا ، أو حين راح السوڤييت ينشرون رءوس حرابهم الشيوعية فى الغرب . هناك فارق بين أن تغزو لأنك صاحب تقنيات مستحدثة ومن ثم بصيرة ورؤية ، مشروع متكامل ، لنشر الرخاء فى كل الجلوب ، وبين أن تغزو لأنك اكتشفت وجود هذه الأشياء فى مكان آخر وتريد أن تنهب إبداع وعرق وتقدم الغير على الجاهز . السؤال فقط هو سؤال المحتوى ، فى أية ضفة من الضفتين أنت ؟ دائما هناك نموذج القرية وقطاع الطرق ، نموذج المدينة والإرهاب ، نموذج الإمپراطورية والتمرد ، نموذج السيد واللص ، نموذج الربان والقرصان ، أو باختصار نموذج البناء والناهب ، نموذج الإنسان والجراثيم ، نموذج صاحب الرؤية الكبيرة الشاملة والمستقبلية والصغير المتمحور حول ذاته ورعبه الشخصى من جوع بطنه اللحظى . تاريخيا العرب لم يكونوا النموذج الأول أبدا ، بل حتى حين احتلوا كثيرا من العالم كانوا مجرد قطاع الطرق الذين جاءوا من مجاهل الصحراء كى يغيروا على الأمم الآمنة . والأكثر سوءا أن قادتنا من نوعية ناصر وشركاه ومثقفينا من نوعية هيكل وشركاه لا يزالون حتى اليوم ينظرون تحديدا للبلطجة والقرصنة والإجرام والطفيلية وقطع الطريق ، بل ويصمون كبار العالم وصناع تقدمه وحضارته وتقنيته بأفحش المثالب ويحاولون تصوير جهودهم لتحديثنا على أنها هى اللصوصية والإغارة على بلاد الغير . وكما ترى شىء واحد يحرصون تماما ودوما على تغييبه ألا وهو سؤال المحتوى . مرة أخرى : ثمة غزو هو استعمار وثمة غزو هو استخراب . ونعم الأمور بسيطة وواضحة للغاية ، فقط لو سأل الجميع سؤال المحتوى . مبدأ عدم جواز احتلال الأراضى بالقوة مبدأ جميل بشرط أن تضاف إليه كلمتان : عدم جواز احتلال الأراضى بالقوة بواسطة المتخلفين !

فى الحرب كما فى السلم …

فى حرب الإبادة ضد الشعوب الفاشلة داعمة الإرهاب ، كما فى الحرب الوقائية ضد غزو المهاجرين المتدينين …

فى جميع مناحى الحياة اليومية :

التقنية هى الحل !

… وإذا فشلت التقنية فإن : الحل هو المزيد من التقنية .

……

فى الحالة الخاصة لحقل السياسة والستراتيچية تترجم هكذا :

القوة هى الحل ، وإذا فشلت القوة ، فالحل المزيد من القوة . بالذات فيما يخص المتخلفين من الأفضل دوما لأسباب نفسية أو تتعلق بالغباء ، أن تستخدم ضدهم بوفرة كافية من المرة الأولى ، حيث يكون الاسراف فيها هو الاقتصاد عينه !

صحيح أحيانا يحدث العكس وتستطيع قوى اليسار وما شابهها تأميم قواعد اللعبة الدارونية لصالح الطرف الضعيف المهزوم ، لكن هذا لا يدوم حتما سوى لفترة مؤقتة لأنه يلعب ضد الحكمة الجوهرية الأصلية من وراء الصراع الدارونى ، وهو أن له هدفا يفضى له بالضرورة . هذا الهدف اسمه التطور !

إذن نخلص لأن القدرة يجب أن تعززها الأخلاق ، وإلا باتت قوة غاشمة . فقط المطلوب أولا تحديد ماهية هذه الأخلاق حتى لا تصبح كلمة مطاطة هى الأخرى . ربما على غرار قول كارل سيجان عن الرب God إن الافتراضات الجسيمة تحتاج لبراهين جسيمة ، نقول إن الأسئلة القاعدية تحتاج لإجابات قاعدية . الإجابة تكمن أيضا فى القوانين القاعدية للكون ، ما تسير عليه وما تفضله المادة ، هو الشىء الذى يجب أن يكون الأخلاق بالنسبة لنا ، أما الدخيل أو الوقتى فهو غير الأخلاقى . فيما يمكن رصده بسهولة فإن أحد أكثر قوانين الكون والحياة قاعدية ورسوخا هو قانون الاستعقاد sophistication ، أى ميل الأجسام والكائنات الدائم إلى مزيد من التعقيد complication مع مرور الزمن . هذا شىء يبدو جدا أنه خصيصى من طبيعة المادة نفسها . لهذا السبب تتطور مثلا التقنية دونما توقف . صحيح أحيانا يحدث العكس وتستطيع قوى اليسار وما شابهها تأميم قواعد اللعبة الدارونية لصالح الطرف الضعيف المهزوم ، لكن هذا لا يدوم حتما سوى لفترة مؤقتة لأنه يلعب ضد الحكمة الجوهرية الأصلية من وراء الصراع الدارونى ، وهو أن له هدفا يفضى له بالضرورة . هذا الهدف اسمه التطور evolution ، وهو بدوره يبدو قانونا قاعديا آخر للمادة .

إذن القوى الواعية نوعان . القوة التى تعزز الاستعقاد وتؤدى للنمو التقنى هى قوة أخلاقية ، وهى تماثل من حيث الهدف والنبل قوى الطبيعة غير الواعية التى أفضت فى التاريخ الطبيعى إلى ما سمى بالتطور . والقوة التى تكبح الحضارة ( تعريفها كما قلنا هو فتح جبهة جديدة للتقنية ) هى قوة غير أخلاقية . المسيحية والإسلام كانتا قوة ، لكنها قوة همجية هادمة للحضارات كابحة للتقنية ، أى غير حضارية ومن ثم غير أخلاقية . إبادة الإنسان الأبيض للهنود الحمر دفع الحضارة والتقنية للأمام وأعطانا معظم ما تحت أيدينا الآن من مخترعات ، ومن ثم فهو قوة أخلاقية . الكلام كثر مؤخرا عن امتلاك دول كالعراق وإيران وليبيا لأسلحة دمار كتلى تهدد بها الحضارة العالمية ، هنا أقصى استخدام للقوة لا يعد فقط مسألة أخلاقية ، بل أن الاسراف فيها حتى آخر مدى ممكن هو أكثر الأشياء كفاءة واقتصادية . إنها مسألة نفسية وتنبع من إشكالية القدرة المحدودة للبشر على الفهم ، والميل للعناد والتعلق بالأمال ، وما إلى ذلك . [ ‏الثلاثاء‏‏ ‏01‏‏ ‏يوليو‏‏ ‏2003‏ ‏28‏:‏04‏ ‏ص‏ : بعيد كتابتها فى جلوبة 1 شخصى المدهش أكثر من هذا أن القوة الأخلاقية حقا هى القوة التى لا تنطلق من أية نظرية للأخلاق . فبالرصد البسيط نلحظ أن القوة حين تكون مدفوعة بأيديولوچية أو دين ، كما فى حالتى الشيوعية والإسلام التاريخيتين ، لا تكون تقدمية . إنما لو مدفوعة بالقانون الطبيعى أى بالتطور ومجرد الإخلاص للتقنية ( كما المجتمعات الرأسمالية حرة السوق ) ، أى القوة المادية بلا روح ، أو سمها القوة من أجل القوة ، فإنها تكون تقدمية ، وببساطة تحفز التطور !

باختصار : 1- التقنية هى الحل ، وإذا فشلت التقنية فإن الحل هو المزيد من التقنية . ولا يجب قط على روما المعاصرة عبيدا بقيم متخلفة يهدمونها فى نهاية المطاف ، ذلك لمجرد أنهم أرخص ، ولمجرد أن تعفى نفسها من واجب اختراع تقنيات جديدة تغنى عن الحاجة للبشر كلما أمكن .

2- فى حقول السياسة والستراتيچية تقرأ القاعدة رقم 1 على النحو التالى : القوة هى الحل ، وإذا ما فشلت القوة ، فالحل المزيد من القوة . وحين تستخدم ضد البشر وبالأخص المتخلفين منهم ، فإن أكثر الأشياء كفاءة واقتصادية هو الإسراف فيها حتى آخر مدى ممكن . إنها مسألة نفسية وتنبع من إشكالية القدرة المحدودة للبشر على الفهم ، والميل للعناد والتعلق بالأمال ، وما إلى ذلك .

ملحوظة : هذه المقابلة فى الساطرتين rules السابقتين بين التقنية تارة وبين القوة تارة أخرى ، تعنى فى حد ذاتها أن المقصود بالقوة القوة الحضارية ، أو أن القوة حضارية بطبعها ، هذا بالطبع باعتبار أن التعريف القاعدى للحضارة هو فتح جبهة جديدة للتقنية . صحيح قد تكون هناك حالات نادرة جدا ، غالبا ما تكون فى غفلة من الزمن أو بسبب افتقاد من قادة الحضارة للبوصلة الحضارية ، فيها يتملك المتخلفون أو الدهماء أو الرجعيون قدرة ما ، ولعل أشهر أمثلتها بالطبع لحظات الثورات الدينية . لكن هذا لا ينفى حقيقة أن القوة حق على نحو قاعدى ، لأنها لا تتأتى إلا من تمثل المستقبل والعكوف الجاد على الكشف العلمى وتنمية التقنيات القادمة . فقط لو حدث ووقع استثناء ، سيكون القول الصحيح ساعتها إن القوة لا يجب أن تنفصل بأية حال عن غرضها النبيل السامى وبالغ التقدمية .

[ للمزيد من مناقشة فكرة أخلاقيات القدرة وضرورة وكيفية استخدامها بلا هوادة فى مكافحة التخلف والمتخلفين ، بالذات عندما تفجرت هذه القضية وباتت مسألة حياة أو موت بعد 11 سپتمبر 2001 على نحو أفدح بكثير من إشاراتنا خفيضة النبرة هذه ، انظر صفحتى الإبادة وسپتمبر بمجملهما ] .

[ أيضا لاحقا كثر الحديث عن أخلاقيات القدرة من خلال ربطه بالمبحث الفلسفى الجديد المسمى الأخلاقيات العصبية neuroethics . الشىء الجيد أنه بسبب تطورات وآفاق الهندسة الچيينية المحدقة ، أصبح الأمر يحظى باهتمام إعلامى واسع . الشىء الأجود هو التفتح العقلى الملموس فى تناول القضية . وإليك المثال هذا العمود من كاتب محافظ شهير هو ويلليام سافاير ، يثبت فيه أن كلمة تحرر اجتماعى لا يجب ، ولم يكن ليجب ، أن تختطف بواسطة اليسار ولو للحظة واحدة . الشىء المحورى الملفت هو العودة لاستلهام القوانين الطبيعية والدارونية ، حتى فيما يخص تاريخ الأخلاق . الأبحاث الجديدة كشفت أن الغربان والخفافيش المصاصة تعاقب أفرادها الذين يحاولون اختلاس الطعام حين يعهد لهم بحراسته ، والقردة ترفض شد السلسلة إذا كانت ستسقط لهم طعاما ، لكن تعطى فى نفس الوقت صدمة كهربية مؤلمة لقرد آخر ، وهلم جرا .

كل هذه الأفكار وتلك تأتى فى إطار ما تبنته مختلف صفحات هذا الموقع بدءا من صفحة الثقافة هذه ، مرورا بصفحة الليبرالية ، وانتهاء بمشروع الناوسيا . بصراحة لا قيمة لأخلاق الإنسان إن لم تكن منسجمة مع أخلاق التاريخ الطبيعى . وبدون استلهام خبرة التاريخين الكونى والبيولوچى ساحقى الطول مديدى التجربة ، استلهامها فى معرفة كيف تفكر المادة ، لن يتأتى لنا أبدا توجيه بوصلة المستقبل بعد‑الإنسانى فى الاتجاه الصحيح . وسنظل ندور فى دوامة محورة وإسقاط كل شىء من الإنسان على نفسه ، تلك التى أغرقت الفلسفة فى غثاء إنسانى غير المسبوق طيلة القرن الأخير فى أقل تقدير . أيضا للمزيد فى الشأن الفلسفى ككل راجع مدخلا شخصيا أقدم نسبيا فى صفحة الجلوبة ] .

المهم أن اليوم إذن اختلفت العقلية وبات العرب عديمى الحول موفورى الزعيق مجرد ’ ظاهرة صوتية ‘ طبقا لتهكمات مثقفيهم أنفسهم ، بل ومادة للسخرية والهزل من كل نوع . باتوا فى فى قاع القاع لدرجة أن حتى نظرة العطف الصامتة المهذبة من الغرب نحونا باتت هى نفسها شيئا مضرا وربما من الأفضل أن يصدمنا ويفيقنا أن يشرح لنا صراحة كيف يفكر وطبيعة ذلك المكيال ’ الظالم ‘ الذى يكيل به والذى استقر عليه حتى بات كما البديهيات فى دمه وچييناته . علينا أن نعلم أن توازنات القوى بيننا وبين أى أحد تختلف من يوم للتالى بل من ساعة لأخرى . نحن الذين نتشدق والأدق نتمسح بالشرعية الدولية كنا نحن أنفسنا الذين رفضناها منذ وعد بلفور –وهو الشرعية الدولية لوقتها ، أليس كذلك ؟ !– مرورا بالمذابح التى قمنا بها طوال الوقت ليهود فلسطين وانتهاء برفضنا لقرار التقسيم وتجييش الجيوش لاكتساح الدولة الوليدة ثم مرة كل عشر سنوات بعد ذلك ، ولم ينته كل هذا إلا بالجلوس إلى طاولة مدريد بعد أكثر من سبعة عقود ، ساعتها فقط استخدمنا كلمة الشرعية الدولية لأول مرة .

لماذا هذا ؟ السبب ببساطة أننا كنا نعتقد أن ميزان القوة فى صالحنا وصالح جيوشنا ، أو كما يقول الإسرائيليون أن أحدا لم يطرد الفلسطينيين من أرضهم إلا دعوة الجيوش العربية لهم للخروج تمهيدا لإعادتهم لها . ولا مانع طبعا من بيع الأرض من أجل نيل ربح مزدوج !

نسخة أخرى فى صفحة رأيك 1 لا نهاية للأساطير المؤسسة للسياسة العربية . اليهود ومن خلفهم كل العالم أو على الأقل كل أصحاب الرؤى الموضوعية يرون الأمور على نحو مختلف : 600 ألف فلسطينى معدم نزحوا بإرادتهم جشعا ، فى مقابل 600 ألف يهودى ثرى صودرت ونهبت أموالهم فى البلاد العربية وطردوا قسرا لإسرائيل . تنظيم ستيرن أو الهاجاناه أو أحداث قرية دير ياسين ليست إلا قلامة ظفر مما قام به العرب من مذابح لليهود فى فلسطين فى العقود السابقة عليها حيث الإجراء المألوف فيما وثق بالصوت والصورة هو ربط أطراف اليهودى لأربعة خيول تنطلق لتمزق جسده إربا ، زائد فارق أن بن جوريون كان هو الذى بطش بالعنف اليهودى بينما تعطش العرب للدماء سياسة منهجية ومنظمة ، والأهم منها سياسة رسمية بل ومقدسة دينيا . هذه هى ما يسمى بالقضية الفلسطينية وهذا هو ما حدث سنة 1948 ، فقط كلاهما بدون أساطير !

المدهش أن العرب هم آخر من يمكن أن يتهم إسرائيل بالدموية أو الوحشية . تاريخ أولئك مدعى البؤس اليوم هو التاريخ الأكثر دموية ووحشية بين تواريخ كل شعوب الأرض . ليس نيرون ليس هولاكو خان ليس هتلر ليس أحد ، فقط هم بلا منازع . قصص ما يسمى بالفتح الإسلامى تملأ مئات المجلدات بدءا من غزوة بدر . وهى دموية لا تحدها حدود ، ومتواصلة حاليا رغم كل الأوضاع الاقتصادية والحضارية المذرية ، ببشائع الفلسطينيين الإرهابية فى خطف الطائرات والسفن وقتل نزلاء القرى الأوليمپية ، وبالمذابح الجماعية لصدام حسين ، وبجرائم معمر القذافى فى تفجير المنشئات المدنية وإسقاط طائرات الركاب ، ودع جانبا طبعا جرائم الإرهابيين الإسلاميين بالقتل الجماعى الممتدة من أسيوط إلى نيو يورك . إجمالا وحشية العرب ، والمسلمين عامة كالأتراك مثلا ، هى وحشية نوعية لا ينافسهم فيها أحد فى كل التاريخ الإنسانى .

الحقيقة أن لا نهاية للأساطير المؤسسة للسياسة العربية . اليهود ومن خلفهم كل العالم أو على الأقل كل أصحاب الرؤى الموضوعية يرون الأمور على نحو مختلف : 600 ألف فلسطينى معدم نزحوا بإرادتهم جشعا ، فى مقابل 600 ألف يهودى ثرى صودرت ونهبت أموالهم فى البلاد العربية وطردوا قسرا لإسرائيل . تنظيم ستيرن أو الهاجاناه أو أحداث قرية دير ياسين ليست إلا قلامة ظفر مما قام به العرب من مذابح لليهود فى فلسطين فى العقود السابقة عليها حيث الإجراء المألوف فيما وثق بالصوت والصورة هو ربط أطراف اليهودى لأربعة خيول تنطلق لتمزق جسده إربا ، زائد فارق أن بن جوريون كان هو الذى بطش بالعنف اليهودى ( قصف مثلا فى يونيو 1948 سفينة الأسلحة ألتاليتا 200308/12CND-LETT.html ومناحم بيجين على متنها ) ، بينما تعطش العرب للدماء سياسة منهجية ومنظمة ، والأهم منها سياسة رسمية بل ومقدسة دينيا .

هذه هى ما يسمى بالقضية الفلسطينية وهذا هو ما حدث سنة 1948 ، فقط كلاهما بدون أساطير . أو لعل روچيه جارودى الذى خط طريق التأسلم لكل شيوعيى العالم والذى يملأ الدنيا صخبا هذا الشهر ( مايو 1996 ) حيث يحاكم باعتبار ما كتب جريمة ضد قوانين الجمهورية الفرنسية المحددة جدا وليس كجريمة عامة أو معنوية ضد الإنسانية مثلا ، لعله يؤلف لنا كتابا جديدا عن الأساطير !

المدهش أن العرب هم آخر من يمكن أن يتهم إسرائيل بالدموية أو الوحشية . تاريخ أولئك مدعى البؤس اليوم هو التاريخ الأكثر دموية ووحشية بين تواريخ كل شعوب الأرض . ليس نيرون ليس هولاكو خان ليس هتلر ليس أحد ، فقط هم بلا منازع . قصص ما يسمى بالفتح الإسلامى تملأ مئات المجلدات بدءا من غزوة بدر . وهى دموية لا تحدها حدود ، ومتواصلة حاليا رغم كل الأوضاع الاقتصادية والحضارية المذرية ، ببشائع الفلسطينيين الإرهابية فى خطف الطائرات والسفن وقتل نزلاء القرى الأوليمپية ، وبالمذابح الجماعية لصدام حسين ، وبجرائم معمر القذافى فى تفجير المنشئات المدنية وإسقاط طائرات الركاب ، ودع جانبا طبعا جرائم الإرهابيين الإسلاميين بالقتل الجماعى الممتدة من أسيوط إلى نيو يورك . إجمالا وحشية العرب ، والمسلمين عامة كالأتراك مثلا ، هى وحشية نوعية لا ينافسهم فيها أحد فى كل التاريخ الإنسانى .

أما لماذا الـ 600 ألفا الأوائل أصبحوا الآن عدة ملايين من أفقر أناس الأرض وأشدهم بؤسا ، ولماذا عاد الآخرون من جديد وجهاء أثرياء ، ومن أكثر أناس الأرض احتراما ونجاحا ، فهذا سؤال آخر ، لعل كل هذه الدراسة إجابة عليه ! فقط فى هذه المرحلة نقول لهؤلاء الذين روجوا لأيديولوچية الكراهية : مع كل التقدير لقدراتكم المدهشة فى اختطاف شعوبكم بتحريضاتكم البليغة ، أو على الأقل إخراسها ، فأنتم لا تسمعون أنينها الخافت الذى يقول لكم صباح مساء والإملاق يأكل بطونها ، ولم تغنها شعاراتكم أو تسمنها من جوع ، بل زادتها ألما على ألم : لنبع القضية أفضل من أن نبيع أنفسنا ! فما بالك إذا كانت هذه القضية المزعومة نفسها أكذوبة وهمية كبرى صنعتها حماقاتكم وغباواتكم وأطماعكم فى البداية ، ثم راح يدفعها بالقصور الذاتى فشلكم وهزائمكم المتوالية ، ثم رحتم من ثم تورثون الأحقاد للجيل تلو الجيل تلقون به لآتون مزيد من الهزائم والموت والجوع ، لمجرد وهم جديد لديكم هو إثبات أن الوهم الأصلى لم يكن وهما . وانظر ما أصبح لدينا الآن . أصبحنا بصدد حاجز نفسى رهيب أرهبتم به كل العقول والألسنة ، وسيظل الخراب لا يجلب إلا المزيد من الخراب !

من الأساطير وأيضا من المعايير المزدوجة التى يعج بها العقل العربى بينما لا يكف عن توجيه هذه التهمة للغير ، أننا نتهم إسرائيل العلمانية متعددة الأعراق والأديان بأنها دولة دينية ، وننسى أن الدولة الوحيدة فى كل التاريخ التى تحرم المواطنة أو حتى التعبد ، على غير معتنقى دينها الرسمى ، هى المملكة العربية السعودية !

للدقة الرقم المذكور يؤشر فقط لمن فروا لإسرائيل ، ولا يشمل 300 ألف آخرين فروا للغرب [ للمزيد اقرأ هنا ما كتبه الپروفيسور ساميول چى . فرييدمان من جامعة كولومبيا عن شتات اليهود العرب بعد 1948 ، والذى يقزم تماما بجانبه كل ما فعله الفلسطينيون بأنفسهم أو فعله اليهود بهم إن كانوا قد فعلوا شيئا يستحق الذكر ] . أما قصة الستمائة ألف الذين فروا فى الاتجاه المعاكس فأنت تعلم قصة تآمر الأمم المتحدة مع العرب على تجميد مشكلة هؤلاء فى أماكنهم كلاجئين بدلا من إرسالهم مثلا لجمال عبد الناصر عوضا عما طرده من يهود ، ذلك باعتبارها فكرتهم العبقرية للضغط لإبقاء القضية حية من وجهة نظرهم . هذا بينما كان واجب منظمة الأمم المعدمة اليالتية الاشتراكية المتحدة ( كما سنسميها لاحقا ) كما تفعل فى كل الحالات المشابهة إنهاء لجوئهم بالتهجير أو التوطين ، هذا فيما لا يزيد عن خمس سنوات مثلا . والآن كما تعلم أيضا أصبحوا ، يتكلمون عن ملايين وملايين من اللاجئين الفلسطينيين ، لم يكن لهم وجود أصلا وجاءوا فقط بالتكاثر الفاحش .

من الأساطير أيضا ، وربما إضافة أيضا لحديثنا السابق أعلاه عن المعايير المزدوجة التى يعج بها العقل العربى بينما لا يكف عن توجيه هذه التهمة للغير ، ناهيك كما سنأتى لاحقا عن أن يتحاشى دوما سؤال المحتوى ويتحدث عن نفسه وعن الغير كأنداد رغم الهوة الحضارية وفجوة الأهداف ما بين البناء والتخلف الهدام ، أننا نتهم إسرائيل العلمانية متعددة الأعراق والأديان بأنها دولة دينية ، وننسى أن الدولة الوحيدة فى كل التاريخ التى تحرم المواطنة أو حتى التعبد ، على غير معتنقى دينها الرسمى ، هى المملكة العربية السعودية ! ( المسيحية رغم كل جبروتها الإمپراطورى لم تحرم المواطنة أو إقامة دور العبادة على غير المسيحيين ، وحين أرادت إنشاء عاصمة دينية لنفسها اختارت بلدة صغيرة رمزية اسمها الڤاتيكان ، وليس قارة كشبه جزيرة العرب ! ) .

Al-Aqsa Mosque, the old city of Jerusalem.

Isn’t This an Invasion too?

المهم فيما أردنا قوله ، إننا ساعة تملكنا القدرة ‑أو بالأحرى وهم القدرة‑ مرغنا بالشرعية الدولية وغير الدولية التراب دونما أى تردد . فى كل هذا لم نخطئ فى المبدأ إنما فقط أخطأنا فى الحسابات ، تماما كما كان غزو صدام حسين للكويت صحيحا من حيث المبدأ خطأ من حيث الحسابات ، لكن على العكس كان تجريد أميركا وبريطانيا له من سيادته على ثلثى أراضيه صحيحا من حيث المبدأ صحيحا أيضا من حيث الحسابات ، إلى آخر مئات القصص التى ظهر فيها العنف العربى بدمويته التى لا مثيل لها فى كل التاريخ جليا أقدمه بدأ قبل 14 قرنا وأشهره ما فعله الأتراك فى أوروپا ، وأوسعه ما فعله العرب فى كل القارات ، وليس أقله شأنا العنف الفلسطينى–الفلسطينى أو العربى–الفلسطينى . وأسماء مثل جسر الباشا وتل الزعتر وأيلول الآسود ...إلخ تجزم بأننا لم نكن فى أى وقت أقل دموية من أى أحد على وجه الأرض وإن لا تجزم بالضرورة إذا ما كان ضحايا العنف يستحقونه فى كل الحالات أم لا ) . بل العكس بالضبط هو الصحيح . باختصار لو أن الشعوب الأخرى فعلت بالعرب والمسلمين حين دحرتهم ، نفس ما فعلوه هم بها من قبل ، لما بات لدى عالمنا المعاصر مشكلة وجود عربى أو إسلامى أصلا اليوم . هذه ليست دعوة للإبادة ، إنما شىء بالشىء ذكر بمناسبة الكلام عن المعايير المزدوجة !

لم نكن فى أى وقت أقل دموية من أى أحد على وجه الأرض ، بل العكس بالضبط هو الصحيح . ولو أن الشعوب الأخرى فعلت بالعرب والمسلمين حين دحرتهم ، نفس ما فعلوه هم بها من قبل ، لما بات لدى عالمنا المعاصر مشكلة وجود عربى أو إسلامى أصلا اليوم !

من هنا ليس بمدمر لنا أكثر من التمسك بذات المقولات بينما موازين القوة لا تكف عن الإنسحاب من تحت أقدامنا ( المضحك المبكى أننا لا نتمسك بمقولات غابرة جدا إنما فقط بمقولات الأمس القريب التى رفضناها قبل قليل فى ظل توازن قوى آخر مختلف قليلا ، أى أننا فقط متأخرون بخطوة واحدة لكنها كافية لضياع جميع الفرص ، وبالمناسبة فتعريف التخلف هو التأخر بخطوة أو أكثر عن طليعة العالم ، وليس له تعريف أو مواصفات محددة أكثر من هذا . أما عن الموقف التاريخى الصحيح بالنسبة للفلسطينيين ، فهو فى رأينا المتواضع قبول الاحتلال الذى سيجعل منهم مواطنين ولو حتى من الدرجة الثانية فى واحدة من أغنى دول العالم وأكثرها تقدما ، بدلا من استقلال لن يجلب إلا الفقر والمهانة والتخلف ) . أن العاطفية وحدها هى التى جعلت حياتنا سلسلة من الأسئلة التراچيدية المحزنة ، على غرار ماذا لو ناصرنا عقلانية عدلى ضد غوغائية سعد ، ماذا لو قبلنا قرار التقسيم ، ماذا لو قبلنا شروط الصلح بعد حرب 1967 ، ماذا لو قبل العرب كامپ ديڤيد ، ماذا لو ساندنا رابين أيام كان فى السلطة ، ماذا لو كنا طرفا فى البريطانية الكتاب السنوى تركيا 1996 : يناير 1995 أول زيارة لرئيس إسرائيلى لتركيا ونوڤمبر أول زيارة لرئيس وزراء تركى لإسرائيل ، و( الكتاب السنوى 1997 إسرائيل ) الاتفاقية فبراير 1996 الحلف الإسرائيلى التركى فيما هو أعمق من مجرد الاتفاقات السياحية ، ماذا لو كانت هذه فرصة العمر التى لا تأتى سوى مرة واحدة ، وأهدتها السياسة الخارجية المصرية للأردن ، الذى استحقها بلا شك .

[ فى الحقيقة هذا الموقع لا يؤمن كثيرا بفكرة توازن القوى ، إنما لأسباب كثيرة يؤمن فقط بسيادة قوة واحدة ، انظر هذه اللمحة الأولية بالأسفل ثم أتيح لنا فى وقت لاحق مناقشة هذا تفصيلا فى صفحة الجلوبة ] .

ويبدو أننا سنظل فى هذه الدوامة أبدا ، وليس مستبعدا أن نقول يوما : ماذا لو ساندنا نيتانياهو أيام كان فى السلطة ، أو ماذا لو قبلنا مدريد 2 …إلخ …إلخ . إننا نجيد الرفض وزعيق الاحتجاج ولا نجيد فعل أى شىء ملموس دع جانبا أن يكون هذا الشىء عقلانيا ، وأمثلة الأفعال الهوجاء من التاريخ الحديث وحده لا تنتهى بدءا من هوجة الدهماء المتعصبين دينيا ضد ناپليون ( هذه أوصاف الجبرتى وليس أى أحد آخر لها ) مرورا بهوجة عرابى ( هذه تسمية الشعب المصرى وليس أى أحد آخر لها ) وحتى هوجة الصبية المبشرين بالجنة ( هذه ليست تسمية أحد إذ أسموها الانتفاضة الفلسطينية ، وهذا مؤشر طيب لمسار الانحطاط المتفاقم ! ) . هذه وتلك كلها هى العاطفية عينها ، إذ يبدو أننا فى عقليتنا العربية نعتبر الكلام هو الفعل ( بمجرد أن يسمى صدام هزيمته المنكرة ’ أم المعارك ‘ يصبح منتصرا . العامية العربية لا تعدم أيضا السخرية من هذا بكلمات مثل فشخرة وشمخرة …إلخ ، لكن الجميع يفعلون هذا ولا يشعرون به إلا عندما يفعله الغير ! ) . باختصار ، لم يفوت الفلسطينيون والعرب عامة ، فرصة لإهدار الفرص إلا واغتنموها ! وهذه الورقة تكتب لأنها لا تزال ترفض قبول الانفعالية أو عقلية الصراخ كقدر چيينى لا فكاك منه ( ولا نعلم إن كنا على حق فى هذه الفرضية أم لا ، لكننا ببساطة لا نملك فى هذه اللحظة بدائل أخرى ) .

’ التتلمذ النجيب ‘ على يد من كانوا أعداءنا هو الخطوة الأولى للانتقال من هو الجانب الخطأ من معركة الحضارة إلى الجانب الصواب منها .

تملأ الصحف والأدبيات العربية اليوم مصطلحات جامحة الرنين مثل خروج العرب من التاريخ ، وأن الخطوة المنطقية التالية ، وهى أن يأتى من يطردهم من الجغرافيا ، وهذه مسألة وقت وليس إلا …إلخ . بل أن بعض كبار المفكرين العرب من المشهود لهم تقليديا بالرصانة بل وقومية التوجه ، بدأ يفتح بالفعل أحاديث الزوال وانقراض الأمم وآليات الانقراض …إلخ . كل هؤلاء محقون فى أمر جوهرى حتى وإن لم يشيروا إليه صراحة ، وهو أن خيار السلام سالف الذكر –لا نقصد الشامل الپيريسى فهو مستحيل أصلا ، إنما الجزئى أى مع الجناح العربى المعتدل وضد الجناح المتطرف– سوف يفلت سريعا من أيدى العرب ككل ولن يكون مسموحا لهم به بعد قليل ( نيتانياهو لا يريد أى علاقة من أى نوع مع العرب ) . وحتى لا نستخدم كلمة الاستسلام المقيتة على النفوس ، نقول إننا كجناح عربى معتدل يجب أن نتجاوز مستوى التمنع الحالى بالذات المصرى–الخليجى وأن نعيد جذريا وعلى الصعيد السيكولوچى النظر فى علاقتنا بالمنتصرين . ( الذين وصلت درجة انتصارهم مثلا أنهم لا يعبأون حتى باقتراح بمنحهم مقعدا دائما فيما يسمى بمجلس الأمن ، مؤكدين ربما أنهم الدولة الوحيدة على ظهر الجلوب ‑بما فيه الولايات المتحدة‑ ذات الموقف المبدئى الذى لا يعترف بمثل هذه المنظمات باعتبار أن لا هدف لها إلا كبح عملية الانتخاب الطبيعى على الكوكب باسم تقنينها أو منع الحروب …إلخ ) . كجناح عربى ينشد المستقبل علينا ببساطة مؤلمة أن نحول علاقتنا بهم إلى علاقة من التتلمذ النجيب أو prolific apprenticeship ذلك بقدر ما يسمح به هؤلاء وتسمح به معادلاتهم ومصالحهم الاقتصادية ( لغة أخرى يفهمونها كما لغة السلاح ) ، فتلك هى الخطوة الأولى التى لا مفر منها لاكتساب التقنية وتنمية البشر ، ومن ثم بناء القوة الذاتية . أو بمعنى أصح الخطوة الأول للانتقال من الجانب الخطأ لمعركة الحضارة إلى الجانب الصحيح منها .

سيكولوچية العبد…

سيكولوچية القنفذ…

سيكولوچية الشحاذ…

سيكولوچية قاطع الطريق...

سيكولوچيتنا ،

ذلك المزيج الفريد : مربع الحقد‑الپارانويا‑الاستجداء‑الفهلوة !

إن ما نراه الآن أن المشهد الثقافى والسياسى العربى واقع بالكامل تحت إمرة جيل المهزومين ( حتى وإن انحسر هؤلاء نسبيا عن المسرح الاقتصادى فى عدد غير قليل من الدول ) . والجزء المخيف فى المشكلة أن هذا الجيل عُجنت عقوله بالهزيمة ( التى صنعتها أساسا طريقته فى التفكير ) بدرجة وسواسية لا يمكن إصلاحها ، وثبت أنه من المستحيل لهؤلاء المهزومين تجاوز هزيمتهم أو حتى التخفيف من الموقف الپارانويى لهم تجاه الآخر ، وتحديدا تجاه كل ناجح أو منتصر فى هذا الآخر ، فما بالك إن كان هذا الآخر هو الأنجلو‑يهودى .

بفضل جيل الهزيمة هؤلاء ، سيكولوچيتنا باتت مركبة مما يلى :

1- من سيكولوچية العبد الذى أكل روحه الحقد على من هم أفضل منه ، أعماه عن رؤية أى شىء آخر طيب أو ردئ فى الحياة حوله ، وجعل بصره لا يحيد للحظة إلا عن النعم التى يتمتع بها سيده ويرى أنه الأجدر بها منه ( مؤخرا كتاب لباحث مجهول الهوية اسمه ع . ع . بعنوان ’ تراث العبيد ‘ 1995 عن المكتب العربى للمعارف حلل هذا مطولا ) .

2- ومن سيكولوچية القنفذ الذى يرى الكل متآمرا عليه ، وتعميه پارانويته ونسخته العدوانية من الجيتوية ، عن رؤية أى مستقبل لنفسه قبل لأى أحد آخر ( القنفذ أعمى : أولا يرجع نجاح الغير كالصهيونية أو الغرب مثلا لكونهم أشرارا ، لديهم لوبى وإعلام ومؤامرات سرية …إلخ . ثانيا يخسر حتى أصدقاءه فلا يرى مثلا أن كل هذا الإعلام الغربى إعلام يسارى يقف فى الواقع فى صفه هو وصف تخلفه . ثالثا ينتهى لعداء الجميع ، حيث بما أن المنتصرين انتصروا لأنهم أشرار ‑وليس لأنهم متقدمون أو متحضرون أو جادون أو أى شىء من هذا القبيل ، فالحل هو أن يصبح هو أكثر شرا وقتلا وإيذاء ووحشية من الجميع . ورابعا حين يهزم ‑ولا بد أنه سيهزم بالضرورة كما الحال دائما مع الفريق المصرى لكرة القدم ، يقول سأجرب مرة أخرى وسأكون فيها أكثر شرا ووحشية ، وطبعا كالعادة يكون واثقا من النصر فى هذه المرة التالية ذلك كما كان يفعل فى كل مرة . والأسوأ من هذا وذاك أن يكون كله فى أغلب الأحيان بالصراخ فقط لا أكثر ، ولا يأتى ذاك العقل العربى المغوار بشىء يذكر من ذلك الانتقام الجبار الذى يتوعد به مجانا أعداءه الموهومين طوال الوقت ، والنتيجة أن أصبح ذلك القنفذ يأخذنا فى فيلم سيريالى رخيص لا ينتهى أبدا عنوانه 20040929 08:52 ص استيقاظ حنجرة بن شكاك يقابل الشبح ! ) . ولا غرابة بعد ذلك أن مصطلحاتنا كلها انغلاقية قنفذية ، نظل نكررها بلا خجل ، بل ونتباهى بها . نقول الشعب العربى الأبى ( أى الرافض ) ، نقول الصمود والتصدى ( حين لا تعجبنا كلمة الرفض حين يصفنا بها أنور السادات ) ، نقول المقاومة ، نقول رد الظلم ( بل نستمرئ ونستجدى وضعية المظلوم حين لا يكون هناك ظلم ، ناهيك أن حقيقة أن لم يكن أبدا ثمة لحظة ظلم لنا أصلا ) . نقول ونقول ، بينما كلها ألفاظ للمفعول به لا للفاعل ، ألفاظ لرد الفعل لا للفعل ، ألفاظ للتوجس من العالم لا لقيادته ، ألفاظ للپارانويا ولنظرية المؤامرة وعقدة الدونية ، لا للثقة والانبساط والانفتاح .

3- ومن سيكولوچية الشحاذ الذى تنحصر علاقته مع الكبار فى المطالبة بالـ ’ حقوق ‘ ، ويعميه مبدأ خذ وطالب هذا الذى لا ينتهى أبدا عن حقيقة أنه هو نفسه لا يشتغل شيئا ( خذ وطالب هى الجوهر من سيكولوچية الشحاذ المميزة للعقل العربى الطفيلى المتوحش ، وعكسها سيكولوچية البيزنس ، خذ وهات ) .

توجد نسخة ثالثة بالسياسة 2 ومن ثم جمال مبارك للأسف نحن مصممون چيينيا كقطاع طرق وليس كبنائين .

4- ثم أخيرا ، ولعله الأكثر جوهرية وأصالة ، من سيكولوچية قاطع الطريق ، حيث سرقة موسى ( المرخص له من السماء بأن يملك كل أرض تطأها قدمه ) لذهب المصريين أو قطع محمد ( المرخص له من السماء بكل شىء ) لطريق قوافل أثرياء مكة فى غزوة بدر هى مجرد لحظات رمزية فى تاريخ المنطقة وتاريخ عقلية أهلها البدوية تبين أن الكدح والبناء ليسا مطلقا من الأچندة إن لم يكنا محرمين أو يجلبا العار لصاحبها ، وأن قطع الطريق وحده هو الفعل الذى يرقى لمستوى القداسة . هذا شىء متأصل فى الچيينات البدوية للمنطقة ، من قدامى اليهود حتى العرب المعاصرين . البدوى لا يفعل أكثر من أن يأخذ غنمه ليرعى فى منطقة ما ، وحين تأكل أغنامه العشب وتصبح جرداء ، يأخذها لمنطقة أخرى وهكذا . أما هو فلا يفعل فى كل حياته شيئا سوى الاستلقاء على ظهره أو معاشرة النساء ، وحين يحدث ويتصدى له صاحب الأرض يقتله بدعوى أن الأرض أرض الله والمال مال الله ، وقد ذهبت إلى هذا عن طريق الخطأ ( وربما نعود تفصيلا لفكرة كيف ولماذا مجدت التوراة الراعى على حساب الزارع ، وجعلت الأول رمزا للنقاء والورع والثانى رمزا للشر وأسحار الشيطان ، ذلك منذ قصة هابيل ضد قابيل ويعقوب ضد عيسو وهلم جرا ) . باختصار : للأسف نحن مصممون چيينيا كقطاع طرق وليس كبنائين . وظيفة البنائين أن ينبوا المدن ووظيفتنا نحن أن ننهبها ( ع الجاهز ! ) . وهذه على الأقل هى عينها سيكولوچية اللص الصغير ، التنويعة أو التفريعة المتواصلة مثلا حتى عبد الناصر فى سرقة قناة السويس من ملاكها وكذا تأميم بقية أموال المصريين والمتمصرين وغير المصريين ثم محاولة خنق إسرائيل بإغلاق المضايق سنة 1967 ، كلها فى غفلة من الزمن وفقط اعتقادا أنها سرقة ستمر بسلام ولن يعاقبه أحد عليها . هذه ‑ولعلها مسلك مصرى خالص أكثر منه عربى أو لعلها تنبع مما ما يسمى فى الشخصية المصرية بالفهلوة‑ ليست حتى سيكولوچية اللص الكبير المحترف ، بل هى أسوأ الأشياء إطلاقا ، لأنه يدرب شخصياتنا على أن تكون فى منتهى الوضاعة غير مستعدة لمواجهة نتائج أفعالها ، أو مواجهة أى أحد أقوى كان أو حتى أضعف ، ناهيك عن تربية السلوك المستقيم مع النفس قبل مع الآخرين ، أو باختصار إنه مرة أخرى حديث الاستعمار والاستخراب ! [ حللنا لاحقا فكرة اللصوصية الصغيرة هذه تفصيلا فى مدخل مطول بمناسبة الذكرى الخمسين لما يسمى بثورة يوليو . أما فكرة تحريم دين كالإسلام للبناء والكدح صراحة وشرعا فأصبحت اقتباسا عن ابن العباس تصدر صفحة الحضارة التى صارت كلها معنية بالشأن الإسلامى ( انظر تفاصيل ذلك ’ الاكتشاف ‘ فى صفحة سپتمبر ) ، ثم تمددت لصفحة أخرى كاملة هى العلمانية تختص بمزيد من الأضواء على الدين عامة ] .

كأى صراع بين الحضارة والتخلف ، الخيار الوحيد فى الصراع العربى الإسرائيلى منذ 1947 وحتى الآن هو الاستسلام . المشكلة أن شروط الاستسلام تسوء يوما بعد يوم . المشكلة الأسوأ أن العرب لم يعرفوا فى تاريخهم قط هذا الاختراع المسمى الاستسلام .

الأسوأ من كل هذا ، أننا لا نكاد نرى بوادر لانسحاب هذا الجيل ‑الجيل الذى يجدر تسميته بجيل الهزيمة ، هذا إن كان لأحد عندنا أن يحب تسمية الأشياء بأسمائها ، انسحابه فى هدوء كريم ، وتخليه عن مكانه لجيل آخر لم يهزم وليس لديه نفس المرارات والأحقاد والعقد ، يقبل على عالم المستقبل بفهم واقعى لمعطياته ومعادلاته الطبقية والثقافية والسلوكية ، بل العكس بالضبط هو الصحيح إذ لم يعد لذلك الجيل من رسالة مقدسة اليوم سوى توريث تلك الأحقاد ومشاعر الهزيمة بمنتهى القوة والقسوة لكل الأبناء والبنات ( الشق المضحك فى الأمر أن بعض هؤلاء المهزومين يدعى التقدمية ، بينما المستحيل على المرء أن يفهم كيف يقول إنسان عن نفسه أنه تقدمى ويكرة دولة أو دولتين هما الأكثر تقدما على مستوى العالم ) . ببساطة إن خيارنا الإستراتيچى لا هو السلام ولا هو الحرب إنما لدينا خيار استراتيچى دائم وثابت ووحيد هو اللا سلم واللا حرب . ففى السلم تصبح هزيمتنا صريحة اقتصاديا وتقنيا وحضاريا وفى الحرب تصبح هزيمتنا صريحة عسكريا ، أما فى اللا سلم واللا حرب فتكون الهزيمة ذات شماعات وحجج جاهزة مسبقة ( هذا هو مثلا تفسير سياسة حافة الهاوية التى يتبعها الفلسطينيون مع إسرائيل سواء من خلال المفاوضين أو من خلال غوغاء الشوارع ، فالواجب أن تعرف أولا من هو عدوك بدلا من أن تظل تهز ذيله مراهنا أنه لن يبطش بك فى لحظة ما ، لكنك فى الواقع لا تريد حربا أو سلاما إنما مناوشات إلى الأبد فقط تشبع الكرامة المزعومة ، ناسيا كالعادة أن لا مهانة أشد من الفقر والتخلف . ثم قل لى بحق عروبتك إذا ما حل السلام ماذا ستكون وظائف الآلاف الذين لا رزق لهم حاليا إلا النضال بدءا من رئيس جمهورية سوريا حتى عبد البارى عطوان رئيس جريدة القدس العربى ؟ ! ) .

الواضح أن الاتفاقية المسماة أوسلو ‑التى هى من بنات أفكار اليسار الإسرائيلى عقدها مع اليسار الفلسطينى تحت رعاية اليسار الأميركى‑ لن تنجح أبدا . يوم 5 يونيو 1967 كان كل الفلسطينيين كمن دخلوا الجنة فجأة . كمن حصلوا من حيث لم يحتسبوا على بطاقة خضراء جماعية للهجرة لبلد تعادل أميركا فى تقدمها وازدهارها . تحركوا بكل الحرية ونالوا كل الخيرات الممكنة من العيش فى بلد أجنبى مرفه مزدهر . بعد عشرين سنة من هذا ظهر من بينهم المتطرفون الإسلاميون يقولون ليس المهم الرفاهية المهم إلقاء إسرائيل فى البحر ، ليس المهم جنة الأرض المهم جنة ما بعد الموت . قامت الانتفاضة وورثها اليسار الأوسلوى . عاد المحرض عرفات بأچندة اسمها الاستقلال . وككل من حصل على الاستقلال سيحصلون معه حتما على الجوع والفساد أيضا . أوسلو كارثية ليس من منظور فلسطينى فقط ، بل إسرائيلى أيضا . إنها تعطى الفلسطينيين أكثر مما يجب ، ورفع سقف الآمال الفلسطينية من منظور ذوى الحناجر الفلسطينيين يخلق وضعا مثاليا لتشجيع الإرهاب ، يسمح لمجرد عملية تفجيرية واحدة بتغيير نتيجة الانتخابات فى إسرائيل . النتيجة أن ها هو بنيامين نيتانياهو على قمة السلطة وموقع العرب فى طاولة أشغال هذا الزعيم العظيم جديد مثله بل ومبتكر حقا : أن يتجاهل وجودهم كلية ! إن المرء ليشفق حقا على العرب حين يحاربون ما يسمونه مؤامرة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات ، بينما نيتانياهو يتحرك فى دولة إسرائيلية تمتد من طوكيو للوس أنچليس !

إن علينا أن نعيد صياغة علاقتنا بالدول الأكثر تقدما ( بما فيها تلك التى دخلنا فى حروب مباشرة معها يوم رفضنا قبل خمسين عاما ذات ’ الشرعية الدولية ‘ التى وضعتها وسطنا ثم عدنا لنتمسح فى هذه الشرعية عينها بعد قليل ) . والعلاقة بين المهزوم والمنتصر لم يحصرها التاريخ يوما إلا فى ثلاث خيارات لا رابع لها ، هى بترتيبها المرحلى السلام أو الاستسلام أو الزوال ( أو بالأحرى الإزالة ) . ولا يختلف عربيان اليوم على أن المرحلة الأولى قد طويت صفحتها بلا رجعة فى مطلع عام 1996 يوم اختار هؤلاء الأعداء حكومة جديدة قوية ووصموا حكومتهم السابقة اليسارية بالتفريط والتخاذل ، وربما كان رأيهم هنا أن بنيامين نيتانياهو هو أعظم رئيس وزراء فى تاريخ إسرائيل ‑ربما أعظم من بن جوريون نفسه‑ إذا كان رأس جدول أعماله فتح أبواب الصين والياپان والهند أمام إسرائيل أسواقا وتقنية ...إلخ وهو طموح لا يقارن مثلا بطموحات سابقيه رابين‑پيريس فى التواجد العسكرى فى القوقاز ذو الخلفية الإسلامية لملء الفراغ الناشىء عن انهيار الاتحاد السوڤييتى . هذا التوسع الذى كان الأول من نوعه بالنسبة لإسرائيل التى تعتبر توسعها فى المحيط العرب مجرد دفاع عن النفس ، ليس بالطموح ذى الشأن مقارنا بالرؤية النيتانياهوية لمستقبل الدولة اليهودية .

ببساطة وصراحة وبكل الأسف : فى عهد رابين‑پيريس أرادت إسرائيل مقايضة التخلى عن بعض أرض 1967 سياديا ، مقابل احتلال كل أرض العرب اقتصاديا . لكن حتى هذا لم يعد معروضا ، ببساطة لأن من الواضح أن الاتفاقية المسماة أوسلو ‑التى هى من بنات أفكار اليسار الإسرائيلى عقدها مع اليسار الفلسطينى تحت رعاية اليسار الأميركى‑ لن تنجح أبدا . يوم 5 يونيو 1967 كان كل الفلسطينيين كمن دخلوا الجنة فجأة . كمن حصلوا من حيث لم يحتسبوا على بطاقة خضراء جماعية للهجرة لبلد تعادل أميركا فى تقدمها وازدهارها . تحركوا بكل الحرية ونالوا كل الخيرات الممكنة من العيش فى بلد أجنبى مرفه مزدهر . بعد عشرين سنة من هذا ظهر من بينهم المتطرفون الإسلاميون يقولون ليس المهم الرفاهية المهم إلقاء إسرائيل فى البحر ، ليس المهم جنة الأرض المهم جنة ما بعد الموت . قامت الانتفاضة وورثها اليسار الأوسلوى . عاد المحرض عرفات بأچندة اسمها الاستقلال . وككل من حصل على الاستقلال سيحصلون معه حتما على الجوع والفساد أيضا . أوسلو كارثية ليس من منظور فلسطينى فقط ، بل إسرائيلى أيضا . إنها تعطى الفلسطينيين أكثر مما يجب ، ورفع سقف الآمال الفلسطينية من منظور ذوى الحناجر الفلسطينيين يخلق وضعا مثاليا لتشجيع الإرهاب ، يسمح لمجرد عملية تفجيرية واحدة بتغيير نتيجة الانتخابات فى إسرائيل . النتيجة أن ها هو بنيامين نيتانياهو على قمة السلطة ، ولا يريد شيئا من العرب طيبا كان أم سيئا ، ويبنى سياسته العربية على حكمة بسيطة يقول إنه تعلمها من خلال اشتغاله كرئيس لوفد إسرائيل فى الأمم المتحدة ، وهى أن لا تذهب للعرب قط ، بل دعهم هم يأتون إليك ، وبما أن العرب هم المستفيدون من السلام فدعهم هم الذين يسعون إليه ، أما إسرائيل التى فتحت الياپان والهند والصين فلن يفيدها السلام العربى فى شىء !

إن المرء ليشفق حقا على العرب حين يحاربون ما يسمونه مؤامرة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات ، بينما نيتانياهو يتحرك فى دولة إسرائيلية تمتد من طوكيو للوس أنچليس ، وموقع العرب فى طاولة أشغال هذا الزعيم الجديد فهو جديد مثله بل ومبتكر حقا : أن يتجاهل وجودهم كلية ! يتركهم يحاربون مثلا طاحون الهواء المسمى التطبيع الذى لم يعد هو يريده أو يهمه فى شىء .

 [ تكرر أن غيرت عملية تفجيرية أخرى نتيجة الانتخابات ، وأتت باليسار من جديد ، فما كان من تهادن باراك المقيت إلا أن زاد الطين بلة . بعدها أصبح المجتمع الإسرائيلى فى اندفاع هائل نحو اليمين بحيث لم يعد للعمليات الإرهابية إلا أن تزيده عزما . بحلول القرن الجديد أصبح الليكود تحت زعامة آرييل شارون هو الوسط السلامى المتخاذل ، متحالفا فى الحكم مع بعض يمين الوسط ويسار الوسط ، بينما اليمين الحقيقى الذى لم يدخل الحكم قط موقنا أكثر من أى وقت مضى أن السلطة تزحف إليه تستجديه استجداء كى يفرض رؤيته الحضارية ماضية العزم على المنطقة فرضا ! ] .

لا شىء يثير التقزز مثل كلمة ما ضاع حق وراءه مطالب . المحترمون لا يعرفون خذ وطالب إنما خذ وهات وانتهى الأمر . وللدقة هم لا يطالبون قط بل فى الواقع لا يستخدمون كلمة حق أبدا . إما ينفذون ما يريدون ، وإما يتجاوزونه للنقطة التالية . الأدهى أن كلمة حقوق هذه لن تفتح بوابات جهنم إلا على أصحابها ، ماذا لو طالب اليهود بأملاكهم المنهوبة حين طردوا من البلاد العربية ، وماذا حتى لو طالبت مصر أو غيرها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا السعودية بتعويض عن الغزو الإسلامى ونهب الموارد الهائل الذى استتبعه ؟

من هنا يشفق المرء كثيرا على من يسمون فى المقابل دعاة السلام العرب . هم يراهنون على اليسار الإسرائيلى الفاشل المعدم والمفلس تاريخيا .

صحيح أنا ممن يدعون للواقعية ، لكن هؤلاء يخطئون الحسابات لا أكثر ، هذا إن لم يكن بعضهم يبنيها على نظرية عربية تولع بالحلول طويلة المجرى الأبعد ما تكون عن الواقعية ، تقول خذ وطالب ( يقال صفاء الصالح أو احتمال أقل أحد ضيوفه الأكاديميين بى بى سى أوائل يونيو 2004 إن مخترعها هو ربما فيصل أول ملك للعراق ، لكن المؤكد أن آخر من طبقها عرفات العائد من المنفى للضفة والقطاع ليخترع كل يوم شروطا وشروط ، أو عامة كل من وقعوا معاهدات سلام مع إسرائيل ثم جمدوها أو دخلوا فى مفاوضات سلام معها ثم كشفوا شيئا فشيئا أنهم يساومون على ذات أچندة ما قبل 1948 القديمة البالية ، والمؤكد حتى اللحظة أن أحدا لم يخلص للسلام كسلام سوى إسرائيل ) . لا شىء يثير التقزز مثل كلمة ما ضاع حق وراءه مطالب . المحترمون لا يعرفون خذ وطالب إنما خذ وهات وانتهى الأمر . وللدقة هم لا يطالبون قط بل فى الواقع لا يستخدمون كلمة حق أبدا . إما ينفذون ما يريدون ، وإما يتجاوزونه وينتقلون للنقطة التالية . الأدهى أن كلمة حقوق هذه لن تفتح بوابات جهنم إلا على أصحابها ، ماذا لو طالب اليهود بأملاكهم المنهوبة حين طردوا من البلاد العربية ، وماذا حتى 20040830 03:47 ص لو طالبت مصر أو غيرها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا السعودية بتعويض عن الغزو الإسلامى ونهب الموارد الهائل الذى استتبعه ؟

صحيح أيضا أنا ممن قالوا يوما إننا لا يجب أن نهرول نحو السلام بل يجب أن نعدو عدوا ، لكن هذا كان بشرط سأذكره حالا ، لكن الجديد أن السلام نفسه أنه لم يعد معروضا أصلا اليوم . فببساطة ومنذ تغير السلطة فى إسرائيل لليمين لم يعد العرض قائما وبات ما يسمى التطبيع مجرد حلم تاريخى من أيام رابين‑بيريس وليس إلا ، تجاوزته حركة التاريخ إذ كان يعبر عن لحظة ما من لحظات النمو الاقتصادى الإسرائيلى ولم يعد لها حاليا ما يبررها . بعد ذلك ربما لا خلاف يذكر على أنهم لن يعيدوا اليسار للحكم أبدا إلا فى لحظة يحدث وتصبح فيها أكثر يمينية من اليمين ( على غرار تجربة حزب العمال البريطانى ، علما بأن مصطلحات يمين ويسار هى فى التحليل النهائى تعبير عن موقف من قانون الانتخاب الطبيعى إما بإطلاقه وتحريره بين كل أفراد المجتمع ‑بالمناسبة لم يعد الصراع بين طبقة وطبقة‑ وإما بمحاولة مصادرته وتكبيله ، وهذا هو سبب أن كل التيارات اليسارية التى شهدها العالم بدءا من كرومويل والثورة الفرنسية وحتى الاتحاد السوڤييتى هو مآلها التلاشى بعد برهة قصيرة ، ذلك أنها ببساطة تناطح أكثر القوانين قاعدية على وجه الكون ) .

لكن أنا أيضا ممن اعتقدوا فى نفس الوقت أن ما يسمى السلام الشامل ليس الخيار الصحيح للمنطقة ، إنما قبل كل شىء ضرورة تكاتف الجهود إقليميا ودوليا لإسقاط بؤر التخلف التى تشد المنطقة للوراء ، ونقصد بها تحديدا فلول التطرف القومى الناصرى–البعثى ممثلة فى ريچيمى حافظ الأسد وصدام حسين ، زائد طبعا ريچيم خومينى وتلاميذه الإسلامى المتطرف فى إيران ، أى القمم الثلاث لما يسمى جبهة الرفض ( المعروفة دلالا أو تدليلا باسم جبهة الصمود والتصدى ) ، تلك التى طالما غررت بمصر وكل العرب لدخول الحرب تلو الحرب والهزيمة تلو الهزيمة بمزايداتها الغوغائية ، وهى التى ناهضت وقتلت أنور السادات وصنعت النصب لتكريم قتلته ، وهى التى غزت الكويت إلى ما قبل خمس سنوات فقط مضت . ولا يزال هؤلاء الثلاثة بالذات لم يتزحزحوا قيد أنملة عن أچندتهم الخرابية الشاملة . هذا هو الشرط الذى قصدته لسلام على أسس قويمة ومفيدة مع إسرائيل .

سلام لا يخلصنا من ريچيمات الحكم فى دمشق وبغداد وطهران ، هو كارثة أسوأ من كل حرب .

إن السلام مع استمرار هذه الريچيمات الثلاثة هو كارثة أسوأ من كل حرب ، وسوف تعوق مثلها تماما آمال المنطقة فى التحضر والتنمية الحديثة والاندماج فى المنظومة الجلوبية العصرية . الواضح أن هذه الفكرة بدت بكرا فى نظر الكثيرين ولم تبد هناك أى إرادة لتنفيذها سواء فى أميركا أو حتى فى إسرائيل ، ناهيك عن العرب . الآن باتت الأمور أكثر نضجا : عاد اليمين القوى للسلطة فى إسرائيل ومن الممكن أن يتبنى دونما التميع السياسى التقليدى مثل هذه التغييرات الطموح للأفضل فى خريطة المنطقة ، عربيا وقع الأردن اتفاقية سلام نشطة وناجحة مع إسرائيل ، ومسيرة السلام الفلسطينى تسير باضطراد وتفهم متبادل وفى نهاية المطاف غالبا ما يتم تذليل أى عقبات تعترضها ، تركيا جاهزة من خلال إرادتها السياسية الماضية دائما أبدا ومن خلال مصالحها الواضحة ضد الريچيمات الثلاث البالية وأخيرا من خلال حلفها العسكرى رهيب الجانب مع إسرائيل . أخيرا نعتقد أن دول الخليج بعد تجربة حرب الخليج باتت أكثر انفتاحا على فكرة تجييش الجيوش ضد ريچيمات الرفض العربية ، أما مصر فسجلها رائع لا يبز ولا يمكن المزايدة عليه إذ قد دخلت مثل هذه الحرب ثلاث مرات كاملة وفى ثلاث جبهات مختلفة حتى الآن ( إن أضفنا لحرب تحرير الكويت صدامها مع ريچيمى ليبيا والسودان المتطرفين فى وقت لم تفكر فيه حتى أميركا نفسها فى اتخاذ أى إجراء ضدهما –لا يزال هذان ريچيمان متطرفان وإن كانا أضعف من أن يؤثرا فى مصير المنطقة ، ناهيك بالطبع أصلا عن أن علاقاتنا بإسرائيل أقدم من علاقاتنا بمعظم البلاد العربية ، والتى لم تبدأ إلا سنة 1989 مع عودة الجامعة العربية للقاهرة ) ، ليبق فقط بعد ذلك أن تتبنى أميركا الفكرة ويبدا بعدها حشد الجهود من أجل مستقبل عربى جديد بمعنى الكلمة ، ومن أجل شرق أوسط حقيقى وليس مرقعا على طريقة شيمون بيريس المعيبة وشبه الوهمية .

اليهود يتحولون الآن لليمين . أميركا سوف تتبعهم …والعالم كله .

على أنه من المضحك فى هذا السياق أن مثقفينا يمارسون ذلك المسمى ’ التطبيع ‘ بنفس طريقتنا الركيكة المعتادة كأن بدأنا نسمع مثلا عن منظمات مصرية للسلام مؤسسة عادة من مهزومين مخضرمين ، هدفها إقامة التحالفات مع جناح المعارضة الخاسر وشبه الهامشى حاليا فى إسرائيل ، بينما لا نرى قط من يحاول إقامة جسور الصداقة مع رجلها القوى الذى تبوأ السلطة فى 1996 ، إن لم نقل مع رجلها الأقوى الذى يجب أن يخلفه وهكذا . ونيتانياهو يتنبأ ببساطة أن الناتج الداجن الإجمالى GDP لإسرائيل سيفوق الناتج الداجن لكل العرب بما فيه الدول الپترولية بحلول عام 2007 أو 2008 . والمعادلة هنا بسيطة وسهلة لكنها شبه غائبة عن الجميع ، فطالما أرقام الناتج الداجن تشهق وتشهق فلن يجد الضعفاء سبيلا إلى عجلة السلطة فى إسرائيل أبدا . إننا لا نرى الجانب المستقبلى الأشمل للصورة : اليهود تاريخيا وتقليديا هم يساريون ، من ثم فهم يقفون وراء الحزب الديموقراطى فى أميركا ، وكذا يمدون بتأييدهم ونفوذهم بقية قوى اليسار فى العالم . الآن هم أكثر ثراء وجبروتا ويتحولون لليمين . هذا سيؤدى على مجرى غير بعيد إلى تغيير فى موازين القوى الحزبية داخل أميركا ، وببساطة لن يكون لليسار أى مستقبل كما فى الاتحاد السوڤييتى سابقا ، كما فى إسرائيل حاليا ، كما فى أميركا قريبا ، كما فى بقية العالم ليس بعد وقت طويل .

نحن فى عالم واحد مجلوب ، نشأت الأسس الموضوعية له من شبكة أعصاب ومن دورة دموية ، من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات وقنوات الساتيلايت وشبكة الإنترنيت ، ومن خلال التداخل والتكامل الشديدين للعملية الإنتاجية فى الاقتصاد العالمى . نموذج الأمم المتحدة ، أو بالأحرى نموذج الجمعية التعاونية ، أو النموذج الطحلبى البدائى ، الذى يروج له بشراسة ، لا يصلح نهائيا هنا ، بل هو تحديدا الذى لم يؤد تاريخيا لأى مكان إلا لاضمحلال وانهيار الحضارات . هو يرى ويريد العالم كيانا متساوى الخلايا وظيفيا وقيمة ، بينما الثورة التقنية والاقتصادية ثورة تتضرع طالبة قيادة عليا ، مركز وظيفته الرؤية الشاملة والتوجيه ، ثورة تستصرخ أن لن يكتب لها البقاء ‑ناهيك عن الازدهار والنماء‑ دون نموذج إمپراطورية كوكبية ، نموذج البيزنس الذى تدار به أية مؤسسة أو شركة أو جيش أو أى شىء بأدنى قدر من الاستعقاد على ظهر الأرض ، متعضية متخصصة بمخ وعضلات شديدى التمايز عن بعضهما البعض .

قطعا سيكون هناك قائد ومنقاد ، وما سيحدد كونك قائدا أم تابعا هو فقط مستواك التقنى . نعم وبصراحة تامة ، طالما هناك فجوة تقنية فالتبعية ليست إجبارية فقط ، بل هى شىء جيد . بعبارة أخرى : إذا كان من ثمة تعريف لما يسمونه بالأمن القومى ، وإن كنت أشك أن لا زال للكلمة معنى أصلا فى عصر الجلوبة ، فهو ينحصر فى كلمة واحدة : التبعية ! علينا أن نعلن بوضوح تعريفنا لهذا ’ الأمن القومى ‘ . إنه البناء الاقتصادى . إنه ربط عجلتنا بالعالم المتقدم . هنا يكمن أمننا القومى الحقيقى . أن نكون جزءا من العالم المنتج الفاعل . جزءا صغيرا أو كبيرا ، بقدر إنتاجنا وقدرتنا على الفعل ، بقدر اقتصادنا ، وليس أى شىء آخر . لا عيب فى الارتباط بالمتقدم . العيب فى زعامة التخلف والمروق أو ما يسمونه ’ الصمود والتصدى ‘ . صمود وتصدى من أجل ماذا ؟ ولأين سيصل بنا الصمود والتصدى فى آخر المطاف ؟ لن تذهب بنا لأى مكان . للخراب والدمار . كل يوم الهوة التقنية تزداد وتتسارع ، والشعارات تفاقم الفجوة ، ولا حل إلا ’ التتلمذ النجيب ‘ . نعم ، كل ما نفضله ونتمناه أن تكون تلك تبعية خلاقة ومنتجة ، ومن هنا نكرر أن كلمتى التتلمذ النجيب هما بالضبط التعبير الدقيق عن الصيغة التى يجب أن ندافع عنها فى علاقتنا بمن هو أكثر منا تقدما أيا من كان وأيا كان ماضينا السئ معه . وهذا ما سنحاول الآن الدخول فى تفصيلاته بعض الشىء ، تحت عنوان نود له اسما هو الحلف الحضارى .

كل هذا يقود لمصطلح آخر هو التبعية . التبعية شىء طبيعى ، فنحن فى عالم واحد مجلوب ، أو قل كائن حيوى أو متعضية living organism واحد ، نشأت الأسس الموضوعية له من خلال ثورة الاتصالات والمعلومات وقنوات الساتيلايت وشبكة الإنترنيت والهواتف الخليوية التى ستصبح رخيصة وفى كل يد وتحملها معك لأى مكان فى العالم حرفيا ، هذه ستصبح شبكة الأعصاب لجهاز عصبى مركزى واحد لتلك المتعضية . وأيضا من خلال التداخل والتكامل الشديدين للعملية الإنتاجية فى الاقتصاد العالمى ، الدورة الدموية التى تضخ وتوزع مصادر الغذاء والأوكسچين والثروة من الأماكن المتخصصة فى إنتاجها بكفاءة وتخصص إلى الأماكن المحتاجة لاستهلاكها .

كما اجتاح التخصص النظام الاقتصادى ، يجب أن يصبح النظام السياسى متخصصا أيضا . نعم سيكون هناك تخصص ، وسيكون هناك مخ وسيكون هناك عضلات ( وأيضا سيكون هناك فضلات ! ) . نموذج الأمم المتحدة ، أو بالأحرى نموذج الجمعية التعاونية ، أو النموذج الطحلبى البدائى ، الذى يروج له بشراسة ، لا يصلح نهائيا هنا ، بل هو تحديدا الذى لم يؤد تاريخيا لأى مكان إلا لاضمحلال وانهيار الحضارات . هو يرى ويريد العالم كيانا متساوى الخلايا وظيفيا وقيمة ، بينما الثورة التقنية والاقتصادية ثورة تتضرع طالبة قيادة عليا ، مركز وظيفته الرؤية الشاملة والتوجيه ، ثورة تستصرخ أن لن يكتب لها البقاء ‑ناهيك عن الازدهار والنماء‑ دون نموذج إمپراطورية كوكبية ، نموذج البيزنس الذى تدار به أية مؤسسة أو شركة أو جيش أو أى شىء بأدنى قدر من الاستعقاد على ظهر الأرض ، متعضية متخصصة بمخ وعضلات شديدى التمايز عن بعضهما البعض .

سنعود تفصيلا للكلام عن نموذج الأمم المتحدة ونموذج الإمپراطورية ، لكن ما يهمنا قوله فى هذه المرحلة إن قطعا سيكون هناك قائد ومنقاد ، وما سيحدد كونك قائدا أم تابعا هو فقط مستواك التقنى . نعم وبصراحة تامة ، طالما هناك فجوة تقنية فالتبعية ليست إجبارية فقط ، بل هى شىء جيد . بعبارة أخرى : إذا كان من ثمة تعريف لما يسمونه بالأمن القومى ، وإن كنت أشك أن لا زال للكلمة معنى أصلا فى عصر الجلوبة ، فهو ينحصر فى كلمة واحدة : التبعية ! علينا أن نعلن بوضوح تعريفنا لهذا ’ الأمن القومى ‘ . إنه البناء الاقتصادى . إنه ربط عجلتنا بالعالم المتقدم . هنا يكمن أمننا القومى الحقيقى . أن نكون جزءا من العالم المنتج الفاعل . جزءا صغيرا أو كبيرا ، بقدر إنتاجنا وقدرتنا على الفعل ، بقدر اقتصادنا ، وليس أى شىء آخر . لا عيب فى الارتباط بالمتقدم . العيب فى زعامة التخلف والمروق أو ما يسمونه ’ الصمود والتصدى ‘ . صمود وتصدى من أجل ماذا ؟ ولأين سيصل بنا الصمود والتصدى فى آخر المطاف ؟ لن تذهب بنا لأى مكان . للخراب والدمار . كل يوم الهوة التقنية تزداد وتتسارع ، والشعارات تفاقم الفجوة ، ولا حل إلا ’ التتلمذ النجيب ‘ . نعم ، كل ما نفضله ونتمناه أن تكون تلك تبعية خلاقة ومنتجة ، ومن هنا نكرر أن كلمتى التتلمذ النجيب هما بالضبط التعبير الدقيق عن الصيغة التى يجب أن ندافع عنها فى علاقتنا بمن هو أكثر منا تقدما أيا من كان وأيا كان ماضينا السئ معه . وهذا ما سنحاول الآن الدخول فى تفصيلاته بعض الشىء ، تحت عنوان نود له اسما هو الحلف الحضارى .

إن حلفنا الحقيقى يجب أن يكون مع اليمين الإسرائيلى . هو عمقنا الستراتيچى ونحن عمقه الستراتيچى ، فى معركة المنطقة ضد التخلف وذوى الشعارات . والسلاح النووى الإسرائيلى هو صمام الأمان الأكبر للمنطقة لتخليصها مرة واحدة وللأبد من التحريض القومى واليسارى والإسلامى ، والتركيز على التنمية بلا منغصات .

مصر هى المؤهلة تاريخيا لقيادة مثل هذه المبادرة ، بحكم أنها لم ولن تكون عربية عرقيا ، وكانت بحكم ثقلها الديموجرافى وعمقها التاريخى هى أقل شعوب المنطقة تأثرا بالغزو العربى ، هذا الذى لم يفلح كثيرا فى إحداث تغيير كبير فى طبائع أهلها وميولهم أو حتى معتقداتهم الدينية ، وأهم ما فيها جميعا ‑وفيما يخص موضوع هذه الدراسة‑ استعدادهم لمعانقة الغير المتقدم والترحيب به والتآخى معه طالما هو بالقوة الكافية ليحمى هذا الشعب من تهديدات الجيران المتخلفين اللصوص أو من استوطن من هؤلاء الأعراب أرضه أو صحاريه .

إن حلفنا الحقيقى يجب أن يكون مع اليمين الإسرائيلى . هو عمقنا الستراتيچى ونحن عمقه الستراتيچى ، فى معركة المنطقة ضد التخلف وذوى الشعارات . والسلاح النووى الإسرائيلى هو صمام الأمان الأكبر للمنطقة لتخليصها مرة واحدة وللأبد من التحريض القومى واليسارى والإسلامى ، والتركيز على التنمية بلا منغصات .

مصر هى المؤهلة تاريخيا لقيادة مثل هذه المبادرة ، بحكم أنها لم ولن تكون عربية عرقيا ، وكانت بحكم ثقلها الديموجرافى وعمقها التاريخى هى أقل شعوب المنطقة تأثرا بالغزو العربى ، هذا الذى لم يفلح كثيرا فى إحداث تغيير كبير فى طبائع أهلها وميولهم أو حتى معتقداتهم الدينية ، وأهم ما فيها جميعا ‑وفيما يخص موضوع هذه الدراسة‑ استعدادهم لمعانقة الغير المتقدم والترحيب به والتآخى معه طالما هو بالقوة الكافية ليحمى هذا الشعب من تهديدات الجيران المتخلفين اللصوص أو من استوطن من هؤلاء الأعراب أرضه أو صحاريه .

Mel Gibson and Julia Roberts in Conspiracy Theory (1997)

Conspiracy Theory!

اليسار الإسرائيلى يتمنع تجاه طرح كهذا ويتمسك كما رأينا بمفهوم عقيم اسمه السلام الشامل ، ناهيك أصلا عن أنه ككل يسار العالم شىء عفا عليه الزمن . بينما اليمين الإسرائيلى فهو الوحيد القادر والمستعد معا ، لاستخدام كل شىء بما فيه القوة العسكرية ( إن لم يكن النووية ربما ) من أجل الهدف الحضارى الأسمى لمنطقة تنموية مزدهرة خالية من الشعارات وحكم التحريضيين قوميين أو شيوعيين أو إسلاميين أو أيا ما كانوا . ربما لم يكن اليمين الإسرائيلى كذلك حتى وقت كبير . كان اقصى مات يصل أليه من جرأة ، هو أطروحة توازن القدرة Balance of Power ، ورغم النظرة اليسارية لها كسياسة تسلحية عدوانية ، هى فى الحقيقة أطروحة سلامية فى جوهرها ، كل ما تعنيه أن لا تتفاوض إسرائيل من موقف الضعف ، لأن هذا لن يأتى بالسلام أبدا . بهذا المنطق أعاد اليمين الإسرائيلى كامل سيناء لمصر ، وكان أقصى ما طمح له من توسع هو بعض المستوطنات هنا وهناك . اليوم ومع عودته تحت راية بنيامين نيتانياهو اختلف الأمر . نحن أمام يمين قوى إيجابى توسعى ( وقطعا علمانى ) ، لن يوفقه شىء فى رسالته لنشر الحضارة ولو بالقوة ، فى هذه المنطقة المنكوبة حضاريا منذ ظهور إخناتون ، وحتى تأسيس إسرائيل المعاصرة ، وبسبب هذا التخلف والبداءة تشكل ، بلغة الچيو‑پوليتيكا ، فجوة ستراتيچية دائمة فى الخريطة ( الواقع أنها فجوة لم ‑وربما لن‑ تردم أبدا ! هل يمكنك على سبيل المثال إحصاء عدد من احتلوا مصر ؟ ) .

نعم ، نحن الآن مقارنة بإيحاء من الدپلوماسية الفصل الأول ص 4 بصدد الانتقال من توازن القدرة Balance of Power إلى مبدأ القدرة Principle of Power ، وهذا مما لا تريد قراءته أبدا العقلية العربية !

على نحو أعم وأهم ، اليمين الإسرائيلى صعد الآن للسلطة بإجماع داخلى مذهل ، وتحديدا من خلال شخصية متخصصة فى التقنية العالية كالمهندس بنيامين نيتانياهو [ أول ما فعله رحلة للياپان والصين ، ’ ضمهما ‘ فيها لإسرائيل إن جاز القول ، وكان كل طموح اليسار قبله ضم الهند شبه الشيوعية ! ] . هذا اليمين بصورته المشرقة الجديدة هو حليفنا الطبيعى بل والحقيقى ، فى معركتنا مع التخلف ككل ، وليس فقط بكسر شوكة الريچيمات والتنظيمات المتطرفة . إنه أعظم حليف ممكن يساعدنا فى تطبيق الإصلاحات الاقتصادية الجدية المؤلمة ، ضامنين معه أن يفلح فى إقناع أميركا بما يعنيه حقا الخطر الإسلامى إذا ما حدث وواصلت مطالباتها الساذجة بالديموقراطية وحقوق الإنسان ، وضامنين معه أن لن ترفع فى وجهنا فزاعاتها الهبلاء هذه إذا ما حدث وأدى تحرير الاقتصاد لتوترات داخلية ، أو إذا ما تم البطش الواجب بأحزاب وقوى المعارضة القومية والدينية . لاحظ أن هذا وضع خاص جدا لا شك سوف تحسدنا عليه أى دولة فقيرة تسعى للنهضة بعد أن أجهضت أميركا التسعينيات اليسارية باسم تلك الفزاعات ، مرحلة طموحات النهضات الكبرى فى العالم الثالث على غرار التجربة التشيلية العظيمة للچنرال پينوتشيت وشبيهاتها ، والتى مررتها أميركا أيام كان ذعرها من الخطر الشيوعى على أشده .

على أميركا ( صاحبة فزاعة الديموقراطية وحقوق الإنسان الشهيرة ) أن تفهم أن بالأحرى لنا أن تكرر تجربة النهضة‑بالقبضة‑الحديدية هذه عندنا اليوم . فالخطر الإسلامى داهم سواء بقلب نظم الحكم المحلية أو بالهجرة للبلدان المتقدمة ، ومن ثم فهو أخطر بما لا يقاس من الخطر الشيوعى . إنه لا يسعى للمنافسة أو شىء من هذا القبيل ، بل لدفن الحضارة الإنسانية برمتها فى عصر ظلام جديد .

بذلك سوف تتحقق لنا منافذ لا حدود لها إلا اجتهادنا واستحقاقنا ، منافذ لأوفر الاستثمارات وأحدث التقنيات وأرقى الجامعات ، وسوف تأتينا أعظم الشركات وأفضل السياح وأوسع الأسواق ، والضمانة الحاسمة لكل هذا أننا جزء من حلف حضارى بالمعنى الحرفى للكلمة ، علمى علمانى عالمى ، يؤمن حقا بالاقتصاد والتقنية والجلوبة وبالقيم التقدمية والتطورية كما تمليها قوانين تفوقية القدرة supremacy of power الدارونية القاعدية .

المشكلة ليست فى وجود السلام من عدمه . المشكلة فى ما هو الهدف من هذا السلام . الأطروحة المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الكتلى تجعل المرء يشعر بخجل ما بعده خجل . ماذا لو أصبحت المنطقة خالية فعلا من أسلحة الدمار الكتلى ، هل سنطالب بجعلها خالية من الأسلحة التقليدية لأنها أيضا متفوقة جدا إسرائيليا وهزمونا بها ألف مرة ؟ وهل لو جعلناها خالية من الأسلحة التقليدية سنعود لنطالب بجعلها خالية من العقول التى تفكر ، ذلك حتى يكون لنا شىء من مجاراة اليهود ؟

إن ما نريد قوله إن الأمل الوحيد للعرب فى اللحاق بالعالم تقنيا وجلوبيا وثقافيا هو حلف حضارى إقليمى تقوده إسرائيل تحت نظام حكم يمينى سافر وجرىء فيها . اقتصاديا لن ننطلق ( ولم ينطلق من قبلنا أو بعدنا أحد ) دون أن نكون جزءا تابعا لإمپراطورية ما ، والوحيد المرشح عسكريا واقتصاديا لإنشاء إمپراطورية فى المنطقة هو اليمين الجديد فى إسرائيل . أما اليسار الإسرائيلى فهو آخر شىء يمكن أن يعول عليه ، بل إن أطروحاته عن شرق أوسط جديد دون إزالة حافظ الأسد وصدام حسين وآية الله أيا كان اسمه ، هى ضرب من الخيال سيكون شيمون پيريس هو أول المصدومين فى فشل هذا السلام بل وكونه مضرا للمنطقة حيث ستفرغ هذه الريچيمات الكلمة من أى محتوى تقدمى حقيقى .

المشكلة ليست فى وجود السلام من عدمه . المشكلة فى ما هو الهدف من هذا السلام . الأطروحة المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الكتلى تجعل المرء يشعر بخجل ما بعده خجل . ماذا لو أصبحت المنطقة خالية فعلا من أسلحة الدمار الكتلى ، هل سنطالب بجعلها خالية من الأسلحة التقليدية لأنها أيضا متفوقة جدا إسرائيليا وهزمونا بها ألف مرة ؟ وهل لو جعلناها خالية من الأسلحة التقليدية سنعود لنطالب بجعلها خالية من العقول التى تفكر ، ذلك حتى يكون لنا شىء من مجاراة اليهود ؟

إن علينا استغلال وجود إسرائيل –وهو أمر واقع على أية حال– نستغلها من خلال توظيفها هى وقوتها العسكرية ‑نووية وغير نووية‑ كصمام أمام كبير لتخليص المنطقة من قوى الرفض والتخلف ، إن لم يكن لتحقيق جميع الأحلام القديمة–المتجددة ، منذ الخديوى إسماعيل وكمال أتاتورك وحتى الحبيب بورقيبة وأنور السادات ( حتى مع التحفظ على تدين هذا الأخير ) ، فى إضفاء الصبغة الحضارية على منطقتنا وعلى شعوبنا الوحيدة فى العالم ( ربما باستثناء بعض دول أفريقيا ) التى لا تزال تعيش فى مرحلة ما قبل التصنيع ، وبالطبع تخليصها من قوى التخلف التى تشدها إلى الماضى . إن وجود أسلحة الدمار الكتلى وما تمثله من طفرة علمية يعطى منطقتنا هيبة واحتراما فى أعين العالم أفضل ألف مرة من أسلحة الظلام الكتلى التى لا نملك سواها كعرب ومسلمين !

باختصار : إنه حلف لكل المتقدمين والراغبين فى التقدم ضد كل الرافضين للتقدم ( ولا نقول المتخلفين ، إذ ليسوا جميعا رافضين للتقدم ) .

المشكلة ليست فى وجود مؤامرة أميركية‑صهيونية ضدنا نحن العرب ، بل المشكلة عدم وجود مثل هذه المؤامرة أصلا ! العرب والمسلمون ليسوا بالأهمية التى تجعل أى أحد فى هذا العالم يستيقظ فى الصباح ليقول بم نتآمر عليهم اليوم ، ثم يقضى بقية يومه وكل الأيام مغتاظا يغلى يأكله الحقد وهو يحيك الدسائس ضد ما وصلوا إليه من تقدم وقدرة تقنية واقتصادية وحضارية وعلمية هائلة . لو كان ثمة أحد يتآمر على العرب والمسلمين فهو فى أقصى تقدير شخص واحد فقط ، هو تشارلز داروين . عدا ذلك فكل يد فى العالم ممتدة لهم لانتشالهم من تخلفهم وفاقتهم ، وهم يعضون تلك الأيادى طوال الوقت . تخيل ماذا سيحدث لو قرر نيتانياهو صباح الغد أن يحزم كل اليهود متاعهم ويعودون لروسيا وپولندا . سيخرج علينا من يقول إنها مؤامرة أكبر ، يريد أن يحرمنا من القشة الوحيدة التى توحدنا كعرب ، وأنها خطة مدبرة لإغراقنا فى مستنقع من الحروب الأهلية يرثون بعدها كل الأرض وحدهم !

باختصار : أنت حين تتعامل مع العقل العربى أو المسلم فأنت تتعامل مع عقل مريض ، تملؤه الوساوس والپارانويا ونزعة تدمير الغير وتدمير الذات ، محدود الأفق وتسيطر عليه بالكامل الخرافة الدينية ، هذا ناهيك عن الجهل بكل ما يجرى حوله فى الدنيا ، وأهم كل الأشياء والتى تسد الطريق على أى أمل فى العلاج : الغباء المطلق !

 أو بصراحة أكثر : المشكلة ليست فى وجود مؤامرة أميركية‑صهيونية ضدنا نحن العرب ، بل فى عدم وجود مثل هذه المؤامرة أصلا ! لسنا فى أقل من الحاجة لتدخل خارجى لفرض قيم الحداثة فرضا ، سواء على حكام الرفض الشعاراتيين ، أو على الحكام الفاسدين المناورين اللاعبين على كل الحبال . والبديهى أن التغيير من الداخل مستحيل ، وما يسمى الشرعية الدولية ( سنناقشه لاحقا ) أتاح لمثل هؤلاء الحكام إحكام شباكهم وقبضتهم على شعوبهم إما قهرا وإما تضليلا ، بما لا يمكن لها الفكاك منه .

بصراحة أكبر وأكبر ، هى ليست حتى مشكلة حكام ، إنما مشكلة شعوب ، ومشكلة سيكولوچية نظرية المؤامرة التى تتملك روح العرب وكيانهم ، والمتأصلة فى چييناتهم منذ أزل الدهر .

نعم ، المشكلة ليست فى وجود مؤامرة أميركية‑صهيونية ضدنا نحن العرب ، بل المشكلة عدم وجود مثل هذه المؤامرة أصلا ! العرب والمسلمون ليسوا بالأهمية التى تجعل أى أحد فى هذا العالم يستيقظ فى الصباح ليقول بم نتآمر عليهم اليوم ، ثم يقضى بقية يومه وكل الأيام مغتاظا يغلى يأكله الحقد وهو يحيك الدسائس ضد ما وصلوا إليه من تقدم وقدرة تقنية واقتصادية وحضارية وعلمية هائلة . لو كان ثمة أحد يتآمر على العرب والمسلمين فهو فى أقصى تقدير شخص واحد فقط ، هو تشارلز داروين . عدا ذلك فكل يد فى العالم ممتدة لهم لانتشالهم من تخلفهم وفاقتهم ، وهم يعضون تلك الأيادى طوال الوقت . تخيل ماذا سيحدث لو قرر نيتانياهو صباح الغد أن يحزم كل اليهود متاعهم ويعودون لروسيا وپولندا . سيخرج علينا من يقول إنها مؤامرة أكبر ، يريد أن يحرمنا من القشة الوحيدة التى توحدنا كعرب ، وأنها خطة مدبرة لإغراقنا فى مستنقع من الحروب الأهلية يرثون بعدها كل الأرض وحدهم !

باختصار : أنت حين تتعامل مع العقل العربى أو المسلم فأنت تتعامل مع عقل مريض ، تملؤه الوساوس والپارانويا ونزعة تدمير الغير وتدمير الذات ، محدود الأفق وتسيطر عليه بالكامل الخرافة الدينية ، هذا ناهيك عن الجهل بكل ما يجرى حوله فى الدنيا ، وأهم كل الأشياء والتى تسد الطريق على أى أمل فى العلاج : الغباء المطلق !

An Israeli soldier carries out his reserve duty guarding the kindergarten and children on the playground, the settlement of Gush Qatif, Gaza, Israel, February 2004.

The Content Question!

لماذا العودة لحدود 4 يونيو 1967 ؟

Israeli soldiers guard blindfolded Palestinian militants at the Erez border crossing who were arrested during an army operation in the Gaza Strip, February 11, 2004.

The Content Question, Again!

هذه نقطة اعتباطية جدا من نقاط التاريخ ؟ لماذا ليست العودة لحدود مملكة داود أو مملكة سليمان ؟ لماذا ليست العودة لحدود الإمپراطورية الرومانية ؟ لماذا ليست على الأقل العودة لحدود ما قبل غزوة بدر ؟ مشكلة رؤيتنا للصراع الإسرائيلى‑العربى ، أننا نتخيل أن الجانبين فيه متساويان كأنهما طرفا مبارزة چنتلمان إنجليزية ، يمكن أن تفصل بينهما قرارات وقوانين صدرت على إحدى الموائد فى نيو يورك أو چينيڤ .

كل المناقشات تدور حول صيغة الصراع ، ولا تجد أحدا أبدا يسأل سؤال المحتوى . بينما لو نظرت له على أنه صراع بين قوى حضارة وتحديث من جهة وقوى ظلام وتخلف من جهة