العرب ومستقبل الثقافات القومية
لماذا نحن
دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ؟
—أو : لعنة الچيين المفقود !
Arabs and the
Future of National Cultures
Why We’re Always
on the Wrong Side of the
—Or: The Curse of the Lost Gene!
| FIRST | PREVIOUS | PART I | NEXT | LATEST |
|
الآن : العرب ومستقبل الثقافات
القومية لماذا نحن دائما
فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ؟ Arabs and the
Future of National Cultures Why We’re
Always on the Wrong Side of the الدراسة الرئيسة لصفحة
الثقافة على هيئة ملف .pdf أنيق سهل التنزيل والطباعة … هذه الدراسة التى تقع فى نحو 140 صفحة ( أو
نحو 4 ميجا بايت ) ، وكتبت ما بين أپريل 1992 ومايو 1996 ، هى
أقدم ما عمم حصريا من خلال قسم الرأى بالموقع ، وتمثل تلخيصا متكاملا لأغلب
ما طرح فيه من أفكار جريئة وصادمة على مدى قرابة عقد كامل . هذه الدراسة التى ستضاف لكتاب ’ حضارة ما
بعد الإنسان ‘ الأقدم الذى عمم مستقلا مطبوعا سنة 1989 ، ويمثل أيضا
حجر زاوية أساس لأفكار هذا الموقع ، انضمت الآن تنزيل كتاب ’ العرب ومستقبل الثقافات
القومية ‘ هنا تنزيل كتاب ’ حضارة ما بعد
الإنسان ‘ هنا القائمة الكاملة للكتب والكتيبات المتاحة كملفات .pdf هنا |
NEW:
[Last Minor or Link Updates: Thursday, January 17, 2008].
![]()
ê Please wait until the rest of page downloads ê
|
العرب ومستقبل الثقافات القومية لماذا نحن
دائما فى الجانب الخطأ من معركة الحضارة ؟ Arabs and the
Future of National Cultures Why We’re
Always on the Wrong Side of the
اتفاقية الجات هى الصياغة القانونية لما يسمى الجلوبة ، فالجات تقنن إلغاء
كافة القيود ، وتجعل العالم قرية جمركية وثقافية واحدة بمعنى الكلمة .
هذه الاتفاقية ،
وبكافة المقاييس ، تعد انتصارا ليس له نظير ، لا فقط لحرية التجارة
ولحق المستهلك فى الاختيار ولمبدأ الأرض لمن يستعمرها وحسب ، بل ولوحدة
وحرية الثقافة العالمية ، ذلك إن لم تكن تعريفا جديدا لمفهوم الحرية فى حد
ذاته . [ توضيح : الجلوبة
Globalization من الجلوب وهى كرة الأرض ، وأحيانا تترجم ’ الكونية ‘
وهذه مبالغة مضحكة ، أو العولمة وهى ترجمة سخيفة لكلمة worldization وهى كلمة لا وجود لها فى الإنجليزية . نفس الحال مع كلمة
الكوكبية …إلخ ] . هذا التقنين للمستقبل يضع الثقافات القومية فى مفترق طرق لم يسبق
له مثيل فى التاريخ : فإما أن تقبل الانصهار والذوبان فى الثقافة العالمية
الواحدة ، أو أن تصر على ما تسميه ذاتها وتراثها وتقاليدها ، وهو ما
يعنى التقوقع والخروج الطوعى من عجلة التاريخ .
الاتجاه الأول تمثله أميركا ، فهى ترفض كل
القيود على حرية الثقافة ، كما تطابق بين الابداع والمال الذى يمول هذا
الابداع ، بحيث يصبح الأخير مالكا لكل شىء ، وتعتبر أن هذا هو سر
القوة الدائمة لمنتجاتها الثقافية وغير الثقافية ، فى السينما مثلا والكلام
ينطبق على كل الأنشطة الثقافية الأخرى ، بدءا من الأغانى حتى برامج
الحاسوب ، قدمت أميركا النموذج الذى يحتذى ، فهى لم تصدر لنا مطلقا
الحياة أو الثقافة الأميركية كما يقال عادة ، ولو فعلت ذلك لما نجحت
أفلامها أبدا ، إن السينما الأميركية ومنذ وقت مبكر جدا سينما تم
تصميمها ، لتكون عالمية وليس أميركية ، وذلك كى يفهمها الجميع وتشبع
الجميع ويحبها الجميع ، وأهم كل شىء أن تجد من يشتريها ، ( ذلك
إن لم نقل إنها صممت لتكون فقط سينما بالمعنى الصحيح للكلمة ، وهو ما فشل
فيه الآخرون ) ، والنتائج ظاهرة دائما ، لكن ليس بقدر ظهورها فى
التسعينيات ، حيث تخطت الإيرادات الخارجية الإيرادات المحلية لها لأول
مرة ، وحقق فيلم ’ الحارس الشخصى ‘ عالميا أكثر من خمسة أضعاف ما
حققه أميركيا .
بينما يحدث هذا ينخفض مثلا إنتاج السينما المصرية
إلى أقل من الثلث فى عام واحد ، وتتراجع مثلها صناعات السينما القومية
الأخرى فى أوروپا والعالم ، والتى سبقته للتهمش أو التهشم دون رجعة ،
وما يسرى على السينما يسرى بدرجات ربما أقل حدة لكن واضحة أيضا فى مختلف صناعات
الثقافة والإعلام والاتصال بأنواعها . وبالتوازى تتصاعد دعاوى الإنغلاق فى
كل مكان ، وزعيم هذا الاتجاه ليس بلادا تمنع الأفلام والأطباق والكتب
والمجلات [ ولا زالت ،
ولا تزال ] ،
مثل إيران أو أشباهها إنما فرنسا ، وبغض النظر عن الجذور التاريخية
المحتملة ، فقد بدأ الأمر فى العام 1993 بمعارضة جنونية لتحرير الثقافة فى
إتفاقية الجات ، وأفلحت فرنسا رسميا فى تأجيل هذا التحرير لمدة 10
سنوات ، حتى وإن لم توافقها الجماعة الأوروپية ذاتها ، [ والتى
كان يرأسها آنذاك مهندسها الفرنسى الرومانسى العظيم چاك ديلور ، الذى
أرادها نسخة من أميركا وليست من الاتحاد السوڤييتى أو ’ أممية خامسة ‘ Fifth International كما نفضل نحن تسميتها ، واختارت مبدأ التنافسية والتحرير الطوعى
والتدريجى وفتح الأبواب أمام المواد الأميركية دون قيود تذكر . لكن اتضح أن
إرادة ديلور شىء وإرادة فرانسوا ميتران أو خلفه الجديد چاك شيراك الذى لا يقل
يسارية رغم تسميته يمينا ، شىء آخر . ومنذ العام 1994 زادت عصبية نزعة
الانغلاق فى فرنسا ، وتعددت مظاهرها وهذه بعضها فقط : صبيحة افتتاح
نفق المانش صدر قانون يحظر الاستخدام العلنى للغة الإنجليزية ، وخلال كأس
العالم الأخير لكرة القدم أقامت فرنسا دورة أسمتها الفرانكوفونية ، بعد
خروج الفريق الفرنسى من التصفيات ، واختاروا مواعيد المباريات لتطابق
بالضبط مواعيد مباريات البطولة الأصلية فى أميركا ، حتى لو أدى ذلك لعدم
مشاهدة أى أحد لها ، وأخيرا ، وحتى إلى يوليو 1995 أجهضت الجماعة
الأوروپية مشروعا فرنسيا جديدا لزيادة الدعم للتليڤزيون الأوروپى فى مواجهة
المنافسة الأميركية ] .
المشكلة الحقيقية
هى الإغراء المذهل الذى يعزز به مثل هذا السلوك لبلد فى مثل مكانة فرنسا ووزنها
التاريخى بالذات فى منظور متخلفى العالم ، من الميول الغريزية للعزلة
والتخلف عند الدول الأقل تقدما . هذا بحيث تلوح لنا La Belle France أقرب لعاهرة قبيحة La Laide France تستجدى ما يفعله
المتخلفون بجسدها الخالى من أى جمال ، أو بعبارة أكثر تهذيبا ، تلوح
لنا كطابور خامس يطعن الحضارة فى ظهرها بتشجيع المتخلفين عبر الجلوب بالاعتزاز
بما هم عليه من تخلف ، أو فقط ‑وهذا أقصى ما يمكن أن نصل له من تهذيب‑ تلوح
لنا كنوع انتهازى من الرأسمالية يستجدى التعاقدات من هنا وهناك بقصر نظر مفرط
المثيل . للأسف فرنسا تجد المجد والزعامة فى أن تصبح الدولة رقم 1 فى
العالم الثالث ، عن أن تصبح الأخيرة فيما يسمى بمجموعة السبعة أو الـ G7 ، أو
وحيا العظماء السبعة ! ما يلوح
لنا أبعد من هذا ، أو لعله تفسيره الوحيد ، أن فرنسا كأمة مأزومة
مهزومة ، لا تختلف كثيرا فى وضعيتها فى الحقيقة عن الوضعية العربية ،
بلد مأزوم مهزوم حضاريا وثقافيا واقتصاديا ، ويعانى من كل الپارانويات التى
يعج بها العقل العربى كنظريات المؤامرة والغزو الثقافى …إلخ . إنهم أمة من
المهازيم لا تزال تتجرع كأس المرارة والذل والهوان منذ ووترلوو وحتى الآن ،
وربما ستظل كذلك للأبد . لا تستطيع ولا تريد أن تمحو من ذاكرتها
أبدا ، أو تتجاوز حقيقة أن خراقة تحديها يوما لأمة الإنجليز أصحاب الثورة
الصناعية ، كانت تطاولا سافلا أحمق لا أكثر ولا أقل . وجيلنا الذى شب
تعلمه روايات تشارلز ديكينز أن الإنجليز هم أنبل شعوب الأرض والفرنسيون أحطها لم
يعد الأمر الآن مجرد خيال قصصى وحكى ميلودرامى بل حقائق سياسية وثقافية تؤكدها
الأيام وواقع يومى معاش يمسنا حتى فى دخلنا ومستوى اقتصادنا ، ولا يقلل من
شأن ما قاله تلك المنافسة الشرسة المستعرة الآن بين العرب والفرنسيين على ذلك
اللقب المذرى ، قاع العالم ( بالمناسبة أنا شخصيا لا زلت مؤمنا أن ثمة
بالأمر ثأرا لم يحسم بعد . يوم قرأت قصة مدينتين فى طفولتى خرجت كما الجميع
فى فصلى الدراسى يزدرى فرنسا وكل ما يمت لاسم فرنسا بصلة . الفارق أنى لم
أتقبل بسهولة ضياع دم أكثر شخصية أحببتها فى القصة ، ذاك الرجل الذى ينظر
للسقف وكأنه لا يبالى بكل ما يجرى حوله ، والحقيقة أنه لا يبالى لسبب واحد
هو أنه يعرف أكثر من أى أحد إطلاقا حقيقة هذا الجنون الذى يجرى . حتى اليوم
تفور الدماء فى عروقى كلما تذكرت القصة وأهتف لنفسى أن دم سيدنى كارتون ،
أول شخصية قصصية انطبعت فى نفسى إطلاقا ، وأول وربما آخر من هزنى من بينها
طيلة عمرى ، دمه لا يمكن أن يذهب هباء هكذا أبدا ، لا يمكن مهما طال
الدهر ! أيضا بالمناسبة لا تتوقع من هذه الصفحة كما قد يوحى عنوانها أنها
ستفيض كثيرا فى موضوع الغزو الثقافى . المسألة محسومة سلفا : غزو
ثقافى إيه إللى أنت جاى تقول عليه ؟ أنجح فيلم أميركى لا يحقق فى كل عرضه فى
مصر ما يحققه من حفلة عرض واحدة فى دار عرض فى نيو يورك أو حتى تل أبيب .
المشكلة ليست فى وجود غزو ثقافى ، المشكلة فى عدم
وجوده ! ) .
[ من عادة العرب أن تسمى الشىء بعكسه . مثلا يسمون
تحضر وانفتاح وحراك مكة الغناء الزاهرة ما قبل الإسلام جاهلية ويسمون جهامة
وعبوس وقمع عصور الظلام بنور الإسلام ، يخلقون المنتقم الجبار ويدعونه صباح
مساء الرحمن الرحيم ، يسمون البلطجة وقطع الطريق والانحراف الجنسى نبوة
ووحى ، يخلقون دين الصحراء ويختارون له علما أخضر ، يصممونه بحيث يكبت
ويقتل كل شىء حر طبيعى أو أصيل فى الإنسان ثم يسمونه بدين الفطرة ، يطلقون
جراد يثرب الدموى ينهش الأخضر واليابس فى كل العالم ويسمون هذا سماحة
الإسلام ، يخلقون أشرس وأبشع مؤسسة دينية فى التاريخ ويقولون الإسلام لا
يعرف الكهنوت ، يسمون أجهل الناس ( رجال الدين ، من
غيرهم ؟ ) بالعلماء ، يحبسون النساء فى البيوت أو خلف البراقع
ويضربونهن وأحيانا يذبحونهن ويقولون هذا تكريم من الله لهن ( وطبعا لم
يقولوا لنا ولو لمرة واحدة لماذا اختار الله المرأة ليكرمها وليس
الرجل ) ، يسمون مصر أم الدنيا وهى أم الدين ، يطلقون على
إسرائيل وصف الدولة الدينية وهى أكثر علمانية مليون مرة من أى بلد عربى ،
يذبحون الحيوانات بأبشع وأحرم الطرق الممكنة ويسمون هذا الحلال ، وهكذا
وهكذا إلى ما لا نهاية . إنهم بارعون فى هذا . دائما ما يجدون
التسميات العكسية لما هو جوهر الأشياء الحقيقى ، ومن ثم يطلقونها
عليها ، والأدهى أن يصموا الآخرين بعد ذلك بالمعايير المزدوجة .
واليوم ، ومع الاحترام للجبرتى والطهطاوى وطه حسين ، ولأسباب هى العكس
بالضبط من أسبابهم ، وستكون إحدى ثيمات هذا المبحث وكل الموقع ،
يطلقون على عاصمة الظلام والتخلف والبداءة الكونية پاريس ، عاصمة
النور ! موقعنا هذا يفضل تسمية الأشياء بمسمياتها ، لذا لم يؤمن يوما
إلا بأن پاريس هى عاصمة التخلف والبداءة والإظلام لكل الكوكب . ولم يتوقف
قط عن الحديث عن فرنسا كحصان طروادة الذى يمثل الخطر الأعظم إطلاقا على حضارتنا
المعاصرة ، أكثر من الخومينى وبن لادن وصدام وبشار . الشيوعية سقطت
لكن طابورها الخامس لا يزال نشطا ، تشاكل morphed تحت مسميات جديدة كالاشتراكية الديموقراطية والطريق الثالث والاتحاد
الأوروپى …إلخ ، دون أن يحيد فى جوهره قيد أنملة عن مبادئ ستالين أو
ذات يوم قال أرسطو إن الجمهورية
خطأ ، ولا نعتقد أن استجد منذ ذلك الحين شىء يحمل المرء على الاعتقاد بغير
ذلك . فرنسا تفعل العكس بإيمان عقيدى عجيب بالجمهورية ، وما يتفرع
عنها من شعارات كالديموقراطية وحقوق الإنسان ، تتوطن فيها كما لا تتوطن فى أية
أمة أخرى . هذا هو الذى يحملنا للقول بأن پاريس عاصمة الظلام فى عالمنا ، أو باختصار ‑كما جاء
بالأخص فى صفحة العلمانية‑ هى عمارنة
التاريخ الحديث . أيضا باختصار ، لا شك لدينا أن كما بدأ اليسار فى
پاريس ، انتهى أيضا فى پاريس . مظاهرات مايو 1968 كانت الذروة المطلقة
لذلك المد ، تلاها إنكسار متواصل عالميا لا قرار له . أيضا
باختصار ، لا شك لدينا أن الأممية الخامسة ستسقط كما سقطت الأربع
السابقات ، وأن مائتى عام من حكم رعاع الباستيل لكل المجتمع الإنسانى
بالحديد والنار وإرهابهم المشين لكل العقول كل ذلك الوقت تشهد الآن لحظات
احتضارها الأخيرة ! أولا واصل القراءة فى هذه الصفحة حتى تصل لهذه الفكرة . بعد ذلك انظر
تعميقا لإشكالية اليمين واليسار فى فرنسا فى صفحة الليبرالية . بعد قليل تطورت قناعاتنا بسرعة
لتجزم بأن فرنسا كعقبة كأداء لا أمل فى صلاحها أو شفائها من مرض
الجمهورية ، لا مفر من أن تكون الخطوة الأولى لأى عملية تطوير جدى لهذا
العالم ، وتأسيس ترتيب عالمى جديد يحمى اقتصاده الضخم ومكتسباته الحضارية
الطويلة ، هى قصف پاريس نوويا ، فلا جدوى من أى حلول أخرى ، وهذا
ستجده فى صفحة الإبادة
بمناسبة إعداد أميركا الخطط لقصف سبع دول نوويا ليس منها فرنسا . أيضا ثم رأى يستحق الوقوف عنده فى
صفحة الحضارة ، للكاتبة الإيطالية
أوريانا فالاتشى يختص بموقف عاهرتنا القبيحة من بن لادن وأحداث سپتمبر والعالمين
العربى والإسلامى ككل ، وإلى الصدارة منه مقولتها الشهيرة ’ أوروپا عاهرة تبيع نفسها للعرب والمسلمين… وفرنسا
أكبر دولة راعية للإرهاب الإسلامى فى العالم ‘ . بالمثل تابع لاحقا الإرهاصات
الأولى فى سپتمبر 2002 للمواجهة التى طال انتظارها بين الحضارة ممثلة فى قائدتها
أميركا ، والماضوية اليسارية ممثلة فى فرنسا ، والتى تتبنى وتحتضن كل
الماضويات الأخرى بما فيها الإسلام ، ذلك فى صفحة الجلوبة ، بمناسبة
كفاح فرنسا المستميت لإنقاذ رقبة صدام حسين من إطاحة أميركا به . لماذا يأتى الاستعمار البريطانى
بالتقنية والاقتصاد الحر ، ويأتى الاستعمار الفرنسى بالثقافة ؟ وهل
الإنجليز قوم متعالون حقا ، والفرنسيون أناس محبون للجميع ؟ وما هى
وحقيقة العلمانية الفرنسية ، وهل تظل شيئا جميلا يستحق الانبهار لو عرينا
أساسها الأيديولوچى ؟ أسئلة نوقشت بالأسفل
بإيجاز ، ثم ببعض الاستفاضة فى صفحة سپتمبر بمناسبة قرار انفاق 8 بليون
دولار على تحديث أحياء المسلمين فى فرنسا ، فقط مكافأة لهم على قتل
اليهود ! ] .
هكذا فاليوم ، فإن هذا هو التحدى الكبير
والفاصل لما يسمى ثقافات قومية ، إما أن ’ تشارك ‘
( والكلمة واضحة ومحددة ) فى صنع الثقافة الجلوبية الواحدة والوحيدة
( حلم أتاتورك العظيم وغيره ) ، بمعنى إنتاج سلعة ثقافية تصلح لكل
العالم ، وليس لاستهلاكها المحلى ( بفرض إمكانية هذا الأخير
أصلا ) ، وعليها تعلم وإتقان أصول وحرفيات الفنون ووسائط الاتصال كما
تصنع الآن ، ولابد لها من اعادة تقييم وتعريف الكلمات التى ربما أصبحت
جوفاء أو مجرد شعارات مدلكة للغرائز ومنها الوطنية والتقاليد والدور المجتمعى
للدين والانتماء والشرقية والقيم الخاصة والثقافات والمحلية والتنوع واللغة
الخالدة والتميز والقومية والتراث …إلخ ، وهى كلها -شئنا أم ابينا- تعادل
فى قاموس العصر الرقمى كلمة واحدة هى التخلف . هذه الكلمات والشعارات ، لم يعد لها وجود مؤثر ، لا
فى المجتمعات المتقدمة التى قبلت بمبدأ الانفتاح ، ولا فى المجتمعات
النامية التى حققت قفزات سريعة فى العقود الأخيرة ، ولا خيار أمام الأخرين
سوى هذا الانفتاح الثقافى المطلق ، وبديل هذا شىء مرعب ، هو الانعزال
فى جزر مظلمة وعاجزة ، تقنيا واقتصاديا وثقافيا ، وسط محيط جلوبى حى
مشرق وسريع الانطلاق . هذا هو التحدى الذى يطرح نفسه على الثقافات القومية
على نحو عاجل وملح . وبالمناسبة هذا كان الأمر أقرب للعكس من هذا فيما
مضى ، حيث المحيط هو المتخلف والأكثر تناميا فى الحجم ، بينما يتوالد
وينعزل فى وسطه تكاتل أو تبلور صغير ، ربما بما يمكن تسميته باستثناء الجملة بين قوسين مربعين
الخاصة بمتابعة ما جرى لاحقا على الموقف الفرنسى فالفقرات السابقة هى ما كتبناه
صبيحة إقرار إتفاقية الجات فى ديسيمبر 1993 . ورغم الإشارات الواضحة لحجم
التحديات التى تنتظر ثقافاتنا القومية فإن الكلام يبدو اليوم أكثر رومانسية
وتفاؤلا مما يحب ، وقد يكون على العكس بالضبط مما سيلى من حديث والذى
ستحركه آلام وأوجاع كيف واجهت عقلياتنا المتخلفة التبعات الحقيقية لمبدأ
الجلوبة . بادئ ذى بدء هناك حديث الپارانويا التقليدى : الكتاب
المصريون لم تعجبهم كلمة الجلوبة أصلا ، ذلك أنها لا تتماشى مع منهج
الترجمة السائد عندنا لعقود وقرون ، وراحوا يبحثون عما يسمونه ترجمة
المعنى . هنا استخدموا عددا لا حصر له من الكلمات مثل العولمة والكونية
والكوكبية …إلخ ، لكن الكلمة التى أعجبت الصحافة العربية أكثر من سواها هى
’ الأمركة ‘ وليس طبعا بقصد حسن أو سعيد أو مرحب . فيما يخص بترجمة
الكلمة الأمر الذى استغرق وقتا طويلا من المناقشة نحن شخصيا نرفض مبدأ ترجمة
المعنى ونراه سببا لتردى حركة الترجمة العربية ككل وفى مصر بالذات وسببا رئيسا
لتراجع مكانة اللغة العربية . لكن لو كان لنا اقتراح ترجمة معنى لكلمة
الجلوبة فلن نجد سوى كلمة عربية ذات معنى جميل جدا هى الاستعمار . لكن لو
نحينا أن هذه الكلمة نفسها ابتذلت فى الحقبة الناصرية حتى وصلت لمعناها
العكسى ، فإنها تعانى هى أيضا من المشكلة الرومانسية فهى لا تعدو محاولة
لترجمة محتوى الشعار وليس أكثر .
الشعار الذى انطلق ( أو بالأحرى أعيد
إطلاقه ، فهو حقيقة واقعة لم تمت يوما منذ الأسكندر الأكبر حتى
اليوم ، وإن وهنت فى نصف القرن الأخير تحديدا بعد هوجة ما سمى
بالاستقلال ) ، فحواه أن العالم ككيان اقتصادى وتقنى سيدار بأقصى
كفاءة ممكنة بالمعنى الهندسى للكلمة إذا أصبح وحدة واحدة . لكن هذا على
صعيد النظرية فقط ، إذ هناك هوة بين الاسم الرومانسى الذى سيفترض أن
الجلوبة ستعنى ’ إعمار ‘ العالم المتخلف وبين أن ذلك أمر من شبه
مستحيل من الناحية التطبيقية ، على الأقل فى إطار الإشارات الواردة من أممنا
حتى الآن . ونخاطر هنا وقبل الدخول فى مناقشات تفصيلية لقضايا الجلوبة
بالقول إن ذلك افتقاد مروع منا لجوهر ما تدور حوله الجلوبة أصلا منذ تحققت لأول مرة على يد الأسكندر الأكبر ‑تلميذ
أرسطو المباشر‑ ومن ثم الإمپراطورية الرومانية فغيرها من الامپرياليات الأخرى
بعد ذلك ، ألا وهو الوصول لأكفأ إدارة ممكنة للكوكب من خلال تحويله لوحدة
ثرمودينامية اقتصادية واحدة معدومة الفواقد تقريبا . والأرجح فى نهاية المطاف وفى ظل استجاباتنا بالغة الرجعية المتشبثة
بأيام التشرذم الكوكبى أو ما يسمى
بالاستقلال الوطنى ، أن يعود الغرب قريبا للمربع
رقم واحد من جديد ويعيد اكتشاف ما توصل له نادى روما فى مطلع السبعينيات من أن
لا مستقبل للكوكب ولتنميته إلا بالتحجيم الجذرى لنمو عدد سكانه وذلك بأى وسيلة
ممكنة ، وإن كان الوقت متأخرا الآن من الناحية العملية للحديث عن أى وسيلة
سوى الإبادة أى التخلص من القطاع الأكبر من هؤلاء السكان ممن يمثلون عبئا باهظا
على نمو الكوكب بل وحتى على توازنه البيئى والإيكولوچى ( يمكنك أن تصل
بمستويات الإبادة إلى 80 0/0 من العشيرة الإنسانية دون أن
يتأثر الاقتصاد الكوكبى بأكثر من 10 0/0
فقط ! ) . ربما هذا هو الكلام العملى الحقيقى الوحيد ، مع
العلم بطبيعة الحال أن الإبادة ليست عملية عنيفة بالضرورة ولا تعنى القتل إلا
بالكاد وفى حالات الضرورة فقط . الوسيلة الشائعة والرخيصة للإبادة حاليا هى
الڤيروسات الحديثة القاتلة حتى وإن بدت عشوائية لحد ما وإن ظلت عادلة ككل
ومنسجمة مع قوانين الانتخاب الطبيعى إذ تميل لقتل الضعفاء والفقراء
بالأساس . [ فى 15 نوڤمبر
1998 تحدثت جريدة الصنداى تايمز اللندنية باستفاضة فى
صفحتها الأولى عن القنبلة الچيينية ( أو الإثنية ) التى قالت إن
إسرائيل قد نمتها بالفعل . ولا شك أنها فكرة رائعة ستحسن كثيرا من مستقبل
العالم فى القرن الجديد ، كما نتوقع أن تزيد دقتها يوما بعد يوم مع ازدياد
المعرفة الچيينية أو مثلا يوم أن يصبح إدخال البصمة الچيينية لكل الأفراد أمرا
مألوفا فى الملفات الحكومية أو ما شابهها ، بل يمكن أن نتخيل مستقبلا
إمكانة تصميم ڤيروس يقتل فردا واحدا محددا فقط صمم من أجله حتى لو حدث وأصاب كل
الناس . فى يناير 2001 جاءت خطوة جديدة تخص القنابل
الچيينية ، كذلك لم يكن من حديث لأوروپا سوى قذائف اليورينيوم
المنضب ، والفكرة نشأت من أن هذه المادة عديمة القيمة من مخلفات المفاعلات
النووية اتضح أنها صلدة للغاية وتغطية القذائف الخارقة للدروع بها يعطيها فعالية
فائقة ، الآن بعد أن ثبت أيضا قدرتها على القتل عبر الإصابة بالسرطان قد
تصبح وسيلة إبادة كتلية جديدة للمستقبل وكل المطلوب اتخاذ الاحتياطات اللازمة
لعمليات المناولة أو لو غطت مثلا بطبقة رصاص ...إلخ . كل شىء
جائز ! ] . لكن بلا شك تظل الوسيلة الكريمة الأساسية للإبادة هى
التعقيم . ونحن نتصور أن العالم سينضج سريعا بحيث يصل إلى نقطة يجعل
التعقيم فيها إجباريا للدول أو للأفراد لمن هم دون ناتج معين للفرد ، ذلك
بأن يحدد عدد السكان بطريقة دولية أى بمنح نوع من الحصص السكانية للدول المختلفة
تبعا لإسهامها فى الناتج الكوكبى الإجمالى ، أو على المستوى الفردى بأن
يفرص على البالغين ضرورة الحصول على تصريح مسبق بالإنجاب بالطبع بناء على مستوى
إسهامهم فى الناتج الإجمالى للبلد أو الكوكب ، وما إلى ذلك من الأفكار كثير
بل يعتبر بعضه مطبقا بدرجة أو بأخرى فى كثير من الأماكن ، المهم فقط أن لا
تترك عملية الإنجاب للطبيعة والصدفة كما هو الحال فى السابق [ انظر كتابنا حضارة ما بعد الإنسان وكذلك صفحة الإبادة ] !
الجلوبة تطرح مبدئيا إشكالية ما يسمى التعددية . والمخيف
فى الخطاب الثقافى العربى الحديث عن التعددية وكأنها حق ( ! ) ،
وربما يسعون لصدور قرار بها من منظمة اليونسكو المشلولة بفكرها الرجعى ، أو
حتى مما يدعى بمجلس الأمن صديقنا الأكثر ألفة ومنقذنا الدائم بقرارات لحفظ ماء
الوجه لا أكثر ( ليس بوسع المرء أن يقف ضد منظمة اليونسكو إذا وعت أن ما
تقوم به هو شىء جيد لإثراء المتاحف بحفريات الثقافات العالمية لكن ليس للإبقاء
على هذه الأشياء حية فى الواقع اليومى للشعوب ) . لا يوجد أبعد ما
يكون عن الحقيقة والواقع من افتراض أن التعددية حق لأنها لو كانت هكذا فعلا لما
اندثرت أى ثقافات ولما تقدم العالم قط . يكفى أن نذكر أن كمال أتاتورك كرس السنوات
الطويلة من ختام حياته للبحث عن إسهام ما ممكن لتركيا فى الثقافة العالمية .
الأكثر أهمية ، إذا كان لنا أن تعلمنا شيئا من دراسة الهندسة ، فهو أنه يوجد
حل واحد وحيد يحقق وحده الكفاءة القصوى . مثل هذه المعادلات حين تقوم
بإجراء التفاضل لها ومساواة الناتج بالصفر ، تحصل على قيمة واحدة ،
تكون هناك إجابة واحدة فقط ، ثمة طريق واحد فقط لا غير للكفاءة
القصوى . هنا ‑فى عالمنا الكبير‑ من الغباء لأى شخص أو لأية أمة أن يفعل أى
شىء سوى أن يبحث عن تلك الكفاءة القصوى ، التى هى شىء واحد وحيد لكل
البشرية ، لكل الكوكب . هنا تصبح التعددية ، وبحكم التعريف
نفسه ، إهدارا للموارد ، تضييعا لوقت ، تخلفا ، أو كما قلنا
غباء ! هوية واحدة فقط شديدة التحديد والتوصيف ، هى المؤهلة للمضى
بأفضل سرعة ممكنة نحو المستقبل ، ما عداها يزداد تخلفا مع كل لحظة تمر
عليه .
أولا : يجب القول أنك لن تشارك فى ثقافة
العالم الجلوبى إلا بأشياء صغيرة هنا وهناك ، كنوع من الطعام ، أو
قطعة موسيقى أو رقصة ما ، أو تقليعة من العطور أو الأزياء أو قطع
الأثاث . أما المشاركون بالجزء الأكبر من الثقافة فهم بلا مناص صناع
التقنية وتحديدا الولايات المتحدة . التقنية هى الشىء المهم ودون أن
تخترعها لا تتوقع أن يكون لك أثر ثقافى يذكر على بقية العالم [ ثقافة
التيار الرئيس الجلوبية فوق القومية قضية أخرى فى الواقع ، ونوقشت تفصيلا
فيما بعد فى صفحة الفن الشعبى ] . ثانيا : تلك الإسهامات ’ الصغيرة ‘
لم تأت بالصياح أو بقرار من أحد . الهند لم تستخدم قوة السلاح فى جعل
العالم يأكل أرز الكارى ثالثا : العكس بالعكس ، فبما أن هذه
مسألة تخضع لما يمكن تسميته المزاج الشعبى العالمى ، فنادرا ما تأتى
الدعاية المنظمة أو الإلحاح بنتائج تذكر فيها . وكثيرا ما تفشل أشياء ناجحة
للغاية محليا فى النفاذ للخارج ، كما مصارعة الثيران الإسپانية مثلا ،
أو تنتشر ببطء شديد كالبيسبول الأميركية ( رغم كل جبروت أميركا المتعارف
عليه ) . رابعا : هذه الأشياء تصلح لكل البشر ، أى
أنها إسهام فى ثقافة جلوبية حقيقية ، وليست إنقاذا لثقافة محلية من الموت
بمجرد الإبقاء عليها فى محيطها كما هى بحجة الحفاظ على التعددية . خامسا : لم يفلح أحد متمسك بمحليته فى الحفاظ
عليها ، وبالأحرى تأكيدا لم يفلح فى صنع شىء جلوبى ، وهذا درس مؤلم لا
يلقيه أحد من منصة محاضرات ، إنما هو واقع يومى معاش . فشعوب كالياپان
والصين والهند شعوب تندفع بنهم لثقافة الغير الأكثر تقدما ( وكما سنرى
فإنها تدوس معظم ثقافتها القومية بلا هوادة أو ندم فى خضم هذه
المسيرة ) .
سادسا : وهو الأهم أنك على الأرجح جدا لن تفرض
شيئا على العالم ما لم تكن غير متخلف ، أى مقاربا له تقدما وتحضرا ،
ونقصد بهذا التقنية والاقتصاد قبل أى شىء آخر . وليس أقل دلالة على ذلك التخلف
أن الشىء الوحيد عندنا المؤهل أو المرشح لأن يصبح جزءا من الثقافة الشعبية
العالمية هو شىء نكرهه ونحاربه للغاية : رقص البطن ! [ نهديك هذه القصة عن
بداية أعادة إحياء رقص البطن الشرقى فى مصر من خلال مهرجان عالمى له فى القاهرة
فى يونيو 2003 ، فقط لتكتشف من خلال المشاركات والجمهور سواء بسواء ،
أنه أقرب جدا لأن يصبح يوما ظاهرة عالمية من أن يعود لمحليته
عندنا مرة أخرى . أيضا نذكرك بمدى الشهرة التى حققها مع مطلع القرن الجديد
من خلال المغنية الكولومبية لبنانية الأصل شاكيرا ، والتى تقدمه كفن
انتصابى erotic
خالص ، وبوعى عميق منها لبعده الحسى التنويمى الفريد
والقوى جدا من نوعه ، وللمزيد عن جيل المغنيات هذا انظر صفحة الفن الشعبى ] . سابعا : التوحيد والتقييس standardization ‑أو بعبارة أصرح طمس الهويات الصغرى وتقليصها لمجرد مناسبات فلكلورية
كرنڤالية احتفالية بهيجة لا أكثر ، ذلك لحساب هوية عالمية واحدة وحيدة‑ هو
روح وفلسفة الجلوبة [ ربما تعمقنا لاحقا فى صفحة جديدة اسميناها الفن الشعبى فى الفوارق بين الفلكلور وبين الفن
الشعبى ، حيث الأول أشبه بالمشغولة اليدوية إن استعرنا الوصف من صفحة هولليوود حيث عقدت نفس المقارنة بين السينمات القومية
وسينما هولليوود ، والأخير يعنى الفن القياسى الذى ينتج على نطاق اقتصادى تصنيعى
واسع ويرضى كل الأذواق . ربما تجوز ذات المقارنة على صعيد الهوية الجلوبية
ككل ، مع فارق أن الجلوبة طيف يشمل ما هو أكثر بكثير من الفن وحده .
هنا سنجد هويات قومية ’ فلكلورية ‘ فى مواجهة هوية جلوبية ثقافية
’ شعبية ‘ الاتساع والانتشار تمثل المواصفة القياسية للهوية فى
العالم ] . فقط وليكن شعارنا : شقيقنا العالم لن نسمح لك ولا لأنفسنا أن تسبقنا كثيرا !
ثامنا : هذا التقييس أو التوحيد لا تفرضه
إرادة شخص ما أو غطرسة حكومة ما أو حتى هيمنة قدرة عظمى ما ، إنما يفرضه
ببساطة مفهوم الكفاءة ، حيث لا يجب أن يتوانى أحد عن الأخذ بما ثبت أنه
أفضل وأكفأ فى مكان آخر فى العالم . نعم ، هذه جميعا مصطلحات هندسية
واقتصادية جافة ، لكنها فى الحقيقة تفاعلية وديالكتيكية أكثر مما يبدو
للوهلة الأولى . ومثلا لا تعنى كما يقول البعض إنها ‑أى الجلوبة‑ هى آليا
الأمركة . صحيح أن ما يأخذه العالم عن أميركا حاليا يكاد يكون هو كل
الجلوبة ، بحكم النجاح الساحق للتجربة الأميركية تقنيا واقتصاديا
وأيديولوچيا ونمطا فى الحياة …إلخ ، لكن أميركا نفسها لا بد وأن تنصاع
أحيانا لنجاحات الآخرين وللتقييس الأصح إذا لم يكن لديها ( على الأقل جدا
هناك ثلاثة أشياء : عليها أن تأخذ بالنظام المترى فى القياس ،
وبالمائتى وعشرين ڤولتا للكهرباء المنزلية ، وبكرة القدم كلعبة أولى فى
الرياضة . وأقصى ما يمكن أن يفعله العالم بالنسبة لهذه الأخيرة ، وهذا
حادث بالفعل وبسرعة مدهشة ، هو أن يعتمد التسمية الأميركية لها السوكر soccer كتسمية قياسية احتراما لأن لدى أميركا لعبة أخرى اسمها football ،
ويصعب لها تغيير اسمها ‑المفارقة السيئة أنها حتى لا تلعب
بالقدم ! ) . لا تستغرب ، فكل الأمور سوف تسير بهذه الطريقة
فى عالم جعلته ثورة الاتصالات والمعلومات قرية صغيرة بمعنى الكلمة .
إذن –وبلا المواربة المعتادة المصاحبة عادة لهذا
النوع من الحديث– العرب هم آخر قوم على الأرض يمكن تخيل أن يسهموا فى التعددية
الثقافية كما قد يفهمها عالم اليوم . ربما يمكن تصور أن تسهم الياپان أو
الهند أو الصين فى الثقافة العالمية بأشياء هنا وهناك ( الياپان هى القوة
الثقافية الثانية فى العالم ولها طوال التسعينيات أربعا أو خمسا من أنجح 100
فيلم سنويا على مستوى العالم ، ناهيك عن هيمنة المانجا المتواصلة على محلات
الڤيديو ، بمعنى أنها وجدت فى جودزيللا ضالة أتاتورك الضائعة لها !
لكن فقط لا تنس أن الياپان وقبل هذا بسنوات جعلت من نفسها القوة الاقتصادية
والتقنية الثانية فى العالم وقبل هذا بعقود أخرى قتلت ثقافتها وتراثها قتلا بدستور كتبه الچنرال ماكآرثر بخط
يده وليس حتى على آلة كاتبة ومن الملفت أنهم لا يسعون لتعديله قط وكأنهم لا
يريدون اكتساب هذا الحق أبدا ! ) . نعم ، لقد فعلتها الياپان وألمانيا ،
والآن تفعلها الصين والهند . فمتى يأتى دورنا فى التخلص من هويتنا بثقة
وشجاعة ؟ قبل ثلاثة أرباع قرن من الآن كان المصريون يسخرون من الطربوش
والبرقع ويتسابقون لارتداء الملابس الغربية . هذا ما يفعله الشباب الصينى
والهندى صباح مساء اليوم بولعهم بكل شىء غربى بدءا من التقنية حتى
الموسيقى . بصراحة : لقد
قضى انضواء أكبر كتلتين بشريتين فى العالم فى ركاب الثقافة الغربية على آخر أمل
لأية ثقافة قومية أخرى مستقلة فى الوجود بعد اليوم . أو بعبارة أخرى : لا
مكان لأحد فى عالمنا عالى التقنية سريع التقدم دون أن ينسى شيئا اسمه
الهوية !
( ولعله ليس من
قبيل الخيال العلمى بكلمات أخرى مثل هذه الدول لا تنادى بالتعددية إنما
تمارسها وتفعل هذا بعد أن أصبحت بالفعل قوى اقتصادية مؤثرة نسبيا ويحترمها
العالم بعد أن اندمجت فى ثقافته على حساب ما اتضح أنه قيم بالية عندها .
إنما أن ينادى المتخلفون بالتعددية فهذا هو الوبال بعينه على البشرية هذا بفرض
أن منحهم أحد أذنا صاغية من الأصل . فالعالم يعى تماما أن هذه الشعوب
متخلفة تقنيا وحضاريا لأن ثقافتها أو معظمها على الأقل متخلف وتخطاه الزمن .
نقول هذا ونحن نعلم
جيدا أن العرب قدموا بالفعل واحدا من تلك الإسهامات البسيطة التى أصبحت جزءا من
ثقافة المواطن العادى فى الغرب . هذا حدث مرة واحدة عندما ترجمت ألف ليلة
وليلة للغات الأوروپية وعصفت بالحياة الثقافية هناك وما تزال تعصف ، بدءا
من ظاهرة ڤالينتينو حتى أحدث أفلام ديزنى . أما تمسكهم اليوم بالتعددية فليس مطلبا حصيفا
بالمرة ولن يقابل إلا بالسخرية مع ما هم عليه من تخلف ويجب عمليا على الأقل أن
ينسوا قضية الثقافة بالمرة وأن يركزوا أولا على جسر الهوة التقنية ومن ثم
الاقتصادية المريعة بينهم وبين العالم المتقدم . وبالنسبة للثقافة هناك حل
أسهل سلكه من هم فى مثل هذا الوضع الميئوس ، أو على الأقل هو حل ليس
مستحيلا كما بالضرورة المطالبة قسرا بالتعددية . هذا الحل هو ترك ثقافتهم
ومن ثم تبنى ثقافة أخرى أفضل . ( بمناسبة الحديث عن الدساتير ، ربما
الصواب فيما يخص الدستور المصرى ‑وهذا يسرى على من يشاء من الآخرين بالطبع‑
إذن المشكلة التى تواجه الثقافات القومية هى ببساطة
هى أن عليها أن تستبدل نفسها بثقافة أخرى . ويفترض أن عالمة الأنثروپولوچيا
الأشهر مارجاريت مييد قد حسمت هذه القضية قبل ثلاثة أرباع القرن بأن لا حلول وسط فى هذا
الشأن ، وذلك عندما قالت إن الثقافة
كاللغة إما أن تقبلها كلها أو تتركها كلها . الواقع الذى نراه ونتعامى عنه ونخشى الاعتراف به أن
غالبية شعوب العالم تفعل هذا بحماس ، ونحن لا نرى منه سوى ما يعجبنا وهو
كلام بعض المثقفين عندهم عن ضرورة الحفاظ على ما يسمونه التعددية الثقافية أو
الهوية القومية . فى الياپان أو المكسيك
هذه الورقة لا تعتقد بالمرة أن الهند أو الصين التى
أصبحت قناة إم تى ڤى الموسيقية المتحررة أكثر نجاحا فيها من بلدها الأم أميركا ،
شعوب تريد الحفاظ على ثقافتها القومية ، بل العكس بالضبط أنها تريد إحالتها
للمتحف والتخلص منها بأسرع ما يمكن . وكل ما نستطيع التحفظ به مؤقتا فى هذا
السياق أن ربما يكون لهذه الشعوب سقف لن تتخطاه فى الانضمام لمسيرة المستقبل
( أو أمركة نفسها لو شئت ) ، بسبب أن الرغبة وحدها لا
تكفى ، وأنها وإن خلعت جلدها القديم فإنها لم تستطع خلعه بنسبة 100 0/0
كاملة . وعندما يتجرأ أحد على ذكر
كلمة التغيير فإن الشعار الجاهز الذى يشهر فى وجهه على الفور هو ما يسمى ثوابت الأمة . هذه الورقة
تفترض ما يلى : أولا : أنها أكثر مما يجب وتنم من الناحية
الكمية وحدها على عقلية ستاتية رجعية رافضة للتجدد والتغيير . نحن من أكثر
المهتمين بإشكالية الثوابت ، بل الواقع نأمل فى التفرغ للبحث فى هذا الطموح
الفلسفى المثير يوما الفارق الوحيد أننا نعتبر ما عمره من عمر الكون هو فقط
الثوابت ، وما عدا هذا هو متغيرات ! لكن ما أبعد الفجوة ليس فقط بين
هذا وبين الستاتية الكلية للعقل العربى ثقافيا وسياسيا أو حتى تقنيا ، بل
بينها وبين أى فكر آخر فى كل بقية العالم ، الذى يدرك أنه بات عالما عالى التقنية
ومن ثم سريع التطور .
[ البداية
بالنسبة لنا قد تكون مشروع موقع بالإنترنيت نخطط له بعد EveryScreen.com ، سوف يحمل عنوان nOusia.com ،
والكلمة تركيب لكلمتى nous, ousia اليونانيتين القديمتين بمعنى عقل المادة أو
روح الجوهر المادى . التحكم ( ومنه قانون القوة ) Control ،
الاجتماع ( أى الحاجة للتفاعل ) Socialization ، الفردانية
( بمعنى تميز كل فرد ) Individuality ، الاستعقاد
( بمعنى التطور رأسيا ) Sophistication ، التلافف
( بمعنى التطور أفقيا ) Conglomeration ، التخصص
( كميل تصاعدى فى مسيرة التطور ، أو ربما كان ميلا ثابتا كغيرة من
الناوسيات المذكورة الأخرى ) Specialization ، هى من بين
الأشياء المرشحة كثوابت ، والتى يبدو أنها كانت حقيقة واقعة منذ عصر تكون
المجرات ، وإن كانت خاضعة بالطبع لمزيد من البحث مستقبلا أو للحذف أو الدمج
أو الإضافة ] .
ثانيا : أنها جميعا ثوابت متخلفة وليس بها أى شىء جيد تحت أى معيار مقبول
عالميا ، يكفى أن عندهم الكدح وعندنا الرزق ، عندهم الانفتاح وعندنا
الهوية ، عندهم الحرية الجنسية وعندنا الدين ، عندهم الابتكار وعندنا
التقديس ، عندهم المنهج وشمول الرؤية وعندنا الأحادية وكون القبيلة كل
العالم ، عندهم كل شىء موضوعى ومادى وعندنا كل شىء ذاتى ومشخصن ،
عندهم المواجهة والواقعية والشفافية وعندنا الكرامة والشرف وشكليات
الفضيلة ، عندهم الفرد والنقاش والتمرد وقوة الشخصية وعندنا السمع والطاعة
والأسرة والإجماع . العقل العربى عقل دون إنسانى لا يمكنه حتى تجريد
المعانى والرموز والأفكار . كل ما يفهمه هو فقط رابطة الدم ، هى
معياره الوحيد فى الحكم على الأمور ، لا قيمة للأفكار ولا للمبادئ ولا حتى
للمصالح . فقط أنا وأخى ضد ابن عمى ، وأنا وابن عمى ضد الغريب
( أحد الأمثال الشعبية العربية الدارجة لا نهائية العدد ، لكن من
القلة القليلة جدا منها المفعلة فعلا على أرض الواقع بحيث ترقى لمستوى القانون
الاجتماعى والثقافى إن لم يكن لمستوى القداسة ! ) . الإنسان الأبيض
لا يهتم برأى الآخرين فى مظهره أو فى شخصه أو ’ بصورته
المشوهة ‘ ، ويهتم فقط برأيه هو فى نفسه ، ولن نذهب أبعد فنقول
أنه -أو الإنسان الياپانى وسنعود لهذا ، لا يهتم حتى بذلك ، إنما فقط
بالحقيقة الموضوعية ، بالمحتوى ! إجمالا هم آلات عاقلة باردة
ثوابتها العلم والعلمانية والعملية والعالمية ، ونحن حيوانات غريزية
انفعالية هاجسها الأهل والعرض والأرض والفرض . ولهذا السبب هم دوما
بناءون ، بينما نسقنا القيمى الذى نراه سماويا ومقدسا هو تحديدا الذى
يجعلنا طوال الوقت طفيليين همجا مارقين هدامين وقطاع طرق نسعى لتقويض كل ما
يبنيه الغير ، العدو دائما أبدا . والنتيجة أن التاريخ العربى لم يكن
سوى منوال تكرارى لا نهائى من حلقتين لا ثالث لهما : غزوة بدر ثم صلح
حديبية ، بدر ثم حديبية وهلم جرا من مجازر غدر وإبادة وقطع طريق عند القوة
فتمسكن واستكانة وكذب يسمى التقية عند الضعف . الشرف والوضوح ورغبة التعايش
الصادق مع الغير أمور غير واردة من الأصل فى مثل هذا السيناريو . يقولون لك عندنا تبقى الزوجات على أسمائهن الأصلية وفى الغرب يتخلين عنها لصالح اسم الزوج ، وكأن احترام وتكريم المرأة أكثر عندنا منه عندهم ! طبعا خطأ ! أكذوبة فاحشة ! السبب هو أننا نؤمن برابطة الدم وبالأسرة الكبيرة وبالماضى اللا نهائى ، ونرفض تمثل فكرة الأسرة النووية التى جاء بها عصر الصناعة ، حيث مفهوم بناء حياة جديدة أو مستقلة عن الجذور فكرة غير واردة أصلا فى العقل العربى ولا يطيق أحد تخيلها . والنتيجة أنك لا تتزوج امرأة إنما قبيلة كاملة تدس أنفها فى غرفة نومك مدى الحياة ، والعكس بالعكس بالنسبة للمرأة . التكافل والتواصل والتواد والتراحم وصلة القربى ، كلها قيم بائدة عفا عليها الزمن وهجرها العالم ، لصالح مبدأ الفردانية والتنافسية المطلقين . قد ترد قائلا إن الاجتماع قدرة ، كان كذلك وسيظل هكذا للأبد ، والجماعة أقوى من مجرد مجموع الأفراد . طبعا هذا صحيح ، لكن ثمة فارق هائل بين أن يبنى الاجتماع على المشاعر والانفعالات فتكون هى الرابطة الأساس بين أعضائه ، وبين أن يبنى على العقل والمصلحة |