سينما ما بعد‑الإنسان
هيتشكوك وكيوبريك وبعض الآخرين
Post-Human
Cinema
Hitchcock, Kubrick and Some Others
NEW: [Last Minor or Link Updates: Thursday, May 01, 2008].
December 18, 2007: Special Guest
Entry: Al-Ahram daily’s book review of Fantastic
Cinema.
June 29, 2005: War of the Worlds: A
Great Post-Human Material Hard to Be Corrupted (Even by Steven ‘E.T.’
Spielberg)!
February 11, 2004: The Lord of the
Rings —or the whole dark side of Humanity collective mind, is it about Islam?
June 19, 2003: The Matrix Rebanned!
The inside story plus a movie review.
September 18, 2002: Minority
Report, a good ‘Rashomonian’ movie but Steven ‘The Good Jew’ Spielberg
cannot talk deep about our harsh futures!
October 17, 2001: How far did the humane Steven
Spielberg spoiled the Stanley ‘Post-Human’ Kubrick’s A.I.?
July 22, 2001: The ugly confusion
between Surrealism and Post-Modernism.
June 1, 2001: The first Web introduction to
Post-Human Cinema.
March 21, 2001: Hannibal —or How I
Learned to Stop Worrying and Love the Post-Human.
…
![]()
ê Please wait until the rest of page downloads ê
|
سينما ما بعد‑الإنسان The Post-Human Cinema
السينما المعادية للإنسان
هيتشكوك بأسلوبه الساخر لم يقدم قط نموذجا بشريا
يستحق حتى مجرد الاهتمام ، ويمكن كتابة مجلدات فى هذا عن كل شخصية بل وكل
لقطة فى أفلامه . وفقط على سبيل المثال ، أبطاله المغاوير هم ذلك
الكائن المغرور الأرعن فى ’ شمال الشمال الغربى ‘ ، أو الكائن
الذى لا يرى شيئا مما يرى فى ’ سايكو ‘ ، أو هم كتل اللحم التى
تنهشها ’ الطيور ‘ ثم تعفو عنها بأريحية محضة من جانبها . وفوق
كل هذا وذاك فأفلامه فى حد ذاتها بيان عملى لمدى حمق مشاهديها أنفسهم ومدى
السهولة التى يمكن بها تضليلهم والتغرير بهم عقليا وعاطفيا سواء بسواء .
المشاهدون ، ومن ثم كل البشر ، هم بالنسبة له كما ضفدع على منضدة
مختبر . لو أردت له أن يحرك ذراعه اليمنى سنتيمترا إلى اليمين ، كل ما
عليك أن تعطيه تيارا قيمته 1 ڤولت فى ساقه اليسرى . وإذا أردت 2 سنتيمترا
فليكن 2 ڤولت ، وإن أردت لليسار ، فاعكس اتجاه التيار أو اعكس موضع
السلك . هذا كل الأمر ! أما كيوبريك فقد قدم أيضا كل هذا ، وبكفى مثالا
تلاعبه بعواطفنا ثلاث مرات مع ثم ضد ثم مع مرة أخرى ، بطل ’ برتقالة آلية الدقة ‘ ،
وكأنه بكل العنف يقرعنا انظروا لأنفسكم كم كنتم أغبياء تخدعكم ظواهر
الأمور . مثلا أيضا اعتاد السخرية من فيلم رهيب مثل ’ قائمة شندلر ‘ ، قائلا ’ إنه عن
النجاح ، أليس كذلك ؟ ‘ . وكان يعد لفيلم عن الهولوكوست
تعتقد أرملته
أن مشاهدا واحدا ما كان ليستطيع تحمله . كما هيتشكوك وشخصياته
الكاريكاتورية المثيرة للشفقة دائما أبدا ، كيوبريك لم يقدم أى إنسان سوى أو قوى أو جدير بالاحترام إلا مرة واحدة ،
هى ديڤيد ’ 2001
—أوديسا الفضاء ‘ . وعندما تورط وفعل هذا وجد لزاما عليه أن يكافئ
شخصا بقدر من الشجاعة والإرادة مثل ديڤيد ، بأن يرتب له ميلادا ثانيا
اندماجيا أسطوريا مع آلهة الذكاء الكونى نفسها وليس أقل ، بمعنى أن
مواصفاته تستحق فى الواقع الانتماء به لشىء لا إنسانى . أما وصيته الأخيرة
فى ’ عيون عريضة الغلق ‘ فهى طبقا لكلمة النهاية جدا ‑البذيئة جدا‑ للفيلم ولحياة
كيوبريك المهنية والفكرية أيضا ، أن مارسوا الجنس ولا شىء إلا الجنس ،
فليس من المناسب بل إنه من الخطر جدا للإنسان أن يفكر أو حتى أن يحلم كما قالت
دراما هذا الفيلم ، ويمكن أيضا كتابة مجلدات فى هذا وفيما قالته أفلامه
الأخرى . فقط نقول : كم
نفتقدك بكل الحق يا ستانلى كووبريك . كان بوسع المرء الانتظار عشر سنوات من
أجل فيلمك التالى ، أما الآن فانتظار العمر كله لم يعد يجدى نفعا !
المثير للفضول فى السينما
المعادية للإنسان أنها بعيدا عن هيتشكوك وكيوبريك هى عملة نادرة للغاية ، على الأقل بحكم طبيعة الزبون الذى تباع له ، فهى لا
تغازله ولا تنفخ فى غروره ، إنما تقزمه وتحط من شأنه لأبعد مدى ممكن .
أو بمصطلحات السياسة
هى سينما
يمينية للغاية ،
ومثلها نجاحها فى الانتخابات أمر صعب جدا لأن الكتلة الرئيسة من أصحاب التصويتات
هم الدهماء ممن يجذبهم تضليل اليسار ونفخه فى قوتهم وعظمتهم ، ولا يعجبهم
كثيرا أن تصفهم أو تعاملهم كالضفادع ( طبعا هذا لا شأن له بمن هو المفيد
حقا للإنسان ، اليمين أم اليسار ، من يبدأ بتعريفه بحقيقته أولا ومن
ثم يدله على بداية الطريق الصحيح للنهضة والارتقاء بوضعيته ، أم من يواصل
إغراقه فى غيبوبة الأكاذيب وينتهى به لاشتراكية الفقر للجميع . وهذه قصة
أخرى ! ) . السينما المعادية
للإنسان ، أو ربما ليست هذه تسميتها الدقيقة إنما السينما المحتقرة للإنسان
أو حتى ربما بالأحرى السينما التى تريد الأخذ بيد الإنسان ، هى سينما يجب أن تسمو فوق إنسانيتك حتى تفهم المغزى الحقيقى لها ، ناهيك
بالطبع عن أن تصنعها . لكن المؤكد ساعتها أنك سترى الدنيا غير
الدنيا ، وتستنير فجأة أن الإنسان ما هو إلا مجرد عشيرة بيولوچية species أخرى تخطتها أو كادت شجرة التطور لهذا الكوكب المخضرم الذى خبر أشكال
الحياة المختلفة لأربعة بلايين كاملة من السنين . رغم هذا فهناك بعض الأفلام التى اقتربت بدرجة ما من
الضريح ضد‑الإنسانى لهيتشكوك الأستاذ وكيوبريك العبقرى كما يوصفان عادة .
هذه الأفلام هى الأفلام ’ التى
تعقر ‘ ، مستعيرين فى هذا التعبير الوضاء
لديڤيد فينشر موجه فيلم ’ 7 خطايا ‘ . هذه على العكس أفلام
إنسانية الولاء ، أبطالها أناس يستحقون الاحترام وتوحد المشاهد معهم ،
ينتصرون هم وإنسانيتهم فى النهاية ، لكن رغم ذلك فإن هذه الأفلام ككل
وبطريق غير مباشر ومن خلال جبروت أشرارها تحديدا ، تترك أثرا مؤرقا عميقا
بمدى هشاشة الإنسان بيولوچيا ونفسيا وعقليا . المثال الذى اختاره فينشر هو
’ الفك المفترس ‘ الذى منعه من النزول للبحر إلى الأبد ( عامة كل
أفلام الرعب والسيريالية تحقر من الإنسان وقدراته بدرجة أو بأخرى ، بل إن
منها ما يرقى صراحة لمفهوم معاداة الإنسان مثل الديڤيدين المولودين معا سنة 1946
كرونينبيرج ولينش الأقرب لنسخة
طوائفية مصغرة من عملاقى هذه السينما ، لا سيما كرونينبيرج الذى تبناها
بوضوح ومنذ بداياته ) . أيضا من الأمثلة المتنوعة البارزة التى تخرج منها
بذلك الانطباع الجسيم بالضالة رغم توجهها الإنسانى فى المحصلة الأخيرة فيلم
’ المدمر ‘ بجزئيه و’ هاللوويين ‘ و’ يوم
الاستقلال ‘ و’ المتمرد ‘ The Matrix و’ المواجهة
الصعبة ‘ Face/Off و’ 12 قردا ‘ ( المستوحى بدوره
عن كلاسية كريس ماركر القصيرة الهائلة بمجرد الصور الساكنة’ المطار ‘ La Jetée والمقصود هنا أورلى ) ، هانيبال —أو
كيف تعلمت أن أكف عن القلق وأحب ما بعد‑الإنسان Hannibal —or How I Learned to Stop Worrying and Love the
Post-Human
القيمة الخاصة لصمت الحملان أنه يقدم القوة الجبارة
التى تقزم الإنسان وتبطش به كقوى تأتى من داخله بل وتحديدا من أفضل ما فيه من
أشياء . إننا لسنا فى حاجة لسمكة قرش عملاقة أو لأطباق طائرة هائلة حتى نحس
بحمق تخايلنا بإنسانيتنا ، بل قدم الفيلم مسخا متوحشا من قلب صميم
الإنسانية كل ما فعله أن استوعب أفضل ما فيها من علم وثقافة وذوق رفيع فنى
وأدبى ، ومنها معا تولدت قدرته على السمو فوق بنى عرقه البيولوچى بل
ويلتهمهم بالمعنى الحرفى للكلمة . مرحبا إلى آكل لحوم البشر الأشهر :
دكتور هانيبال ليكتر . طبعا ’ صمت الحملان ‘ 1991 ليس الفيلم
الأول عن هانيبال ليكتر ، فرواية توماس هاريس الأولى عنه ’ التنين
الأحمر ‘ قدمت سينمائيا فى عام 1986 فى فيلم بعنوان’ قانص
البشر ‘ . لكن ’ صمت الحملان ‘ كرواية وكفيلم لم يكنا مجرد
ترقية لها من شخصية هامشية إلى محور أساس ، بل الفارق الرئيس هو المواهب
الكبيرة التى قدمت الفيلم الجديد وحققت له المجد فى الأوسكار وشباك التذاكر
معا ، وما يكمن وراء هذا هو تأكيدا تلك الرؤية المباغتة الصارمة التى قدموه
بها . هانيبال فى ’ صمت الحملان ‘ أو فى فيلمه
الجديد فائق النجاح حاليا والذى يسمى ببساطة ’ هانيبال ‘ ، هو آلة
قتل متحركة فائقة لا يمكنك تخيلها قط دون أن تراها . فبأقل لمسة ممكنة على
الوجه أو فى البطن تصرع الضحية فى لحظة . بيولوچيا هو أيضا صاحب قدرات سمع
وشم ولمس مثالية . وأكل لحوم البشر هو نوع من التطور الدارونى . فهناك
أولا مملكة النبات ، ثم الحيوانات آكلة النبات ، ثم الحيوانات آكلة
الحلوانات آكلة النبات . ولا يوجد حيوانات آكلة للحيوانات آكلة الحيوانات
سوى البشر أكلة لحوم البشر ، إو إذا ما اضطرت بعض الحيوانات اللاحمة لأكل
الإنسان عرضا بهدف الدفاع عن نفسها . ما نفهمه مما لم تقله الأفلام ولا
الروايات ، أن هذا ’ التطور ‘ كان لا بد وأن يرتقى بالضرورة
بدكتور ليكتر إلى مصاف جديد فى شجرة التطور ، يقارن فقط بمصاف الشياطين
والآلهة كليى القدرة . مع ذلك ليس هناك شىء ما خارق للطبيعة يمنحه مثلا
القدرة على قراءة أفكار الناس أو نقل أفكاره إليهم حتى لو كانت أن يمزق الإنسان
وجهه ويلقيه للكلاب . إنه فقط اكتسب كل هذا من خلال الذكاء والثقافة
والاطلاع ، فهو يعرف كل شىء عن كل شىء فى كل علم أو حقل معرفة ، ولا
يقل فى هذا عن أى إله معروف ( تركع له الوحوش والبهائم ، ويرى ما فى
الضمائر والنفوس ، كذلك فى الرواية نراه يعكف على وضع المعادلات لنظرية
الوتر الفائق . والحقيقة أنه إذا ما أضفنا قدرته على الحكم الصائب على من
يستحق التكريم من البشر ومن يستحق الإفناء ، نجد فى الواقع أنه أفضل من
جميع الآلهة المعروفة لنا حتى الآن . ولعل أى منا لم يتوسم أبدا يوما إلها
أعظم كى يعبده ! ) . ( الجدير بالذكر أيضا أن النجم أنتونى
هوپكينز هو صاحب الكثير من الإضافات للشخصية ولوازمها من عندياته ، وهى
أكثر ما يعتز علنا به فى حياته المهنية ، ومن المهم أن نعلم أن أغلب ما
رأينا من لمسات مميزة جدا للشخصية لم يأت من الرواية أو من كاتب السيناريو أو من
المخرج ، إنما من أنتونى هوپكينز شخصيا . محاكاة صوت زمجرة تناول
الطعام slurp
أو محاكاة طريقة كاثرين هيپورن فى النشوة وكأنها تسمع
موسيقى . كما يقول إن هانيبال لم يكن ليرمش العينين أبدا وهو يتكلم ،
وهذا شىء لاحظه هو بنفسه دون أن ينبهه إليه أحد أو يقرأ أحدا كتب عنه ، ذلك
حين شاهد يوما شريط ڤيديو للسفاح الشهير تشارلز مانسون . حتى اللعب
بالألفاظ الجنسية على كلمة chianti أو
المحاكاة التحقيرية المستفزة للكنة البطلة غرب الڤيرچينية هى أشياء أتى بها
أنتونى هوپكينز من عفو الخاطر من عنده فى موقع التصوير ، ولعلها أصبحت هى
أكثر ما نذكره من الشخصية ) . فى مقابل دكتور ليكتر هناك وكيلة التحقيقات
الفيدرالية كلاريس ستارلينج التى أرادت الاستفادة من خبراته فى علم النفس وهو
حبيس فى الجزء السابق كى تتمكن من القبض على قاتل متسلسل وضيع ، والتى تريد
الآن القبض عليه وقد أصبح طليقا يتمتع بتدريس وقائع بعض من أقسى فصول العنف فى
تاريخ الديانة المسيحية فى واحد من معاقلها التاريخية فى فلورنسا إيطاليا ،
ويلقن الناس دروسا عملية جديدة فى النهايات المؤسفة لخطيئة الجشع ( الطريف
أن الفيلم الجديد يبدأ بعبارة ماجنة التهكم تصف هانيبال بأنه الطبيب النفسى الذى
لا يعترف بأن السايكولوچى علم ! ) . لقد كنت ممن لاحظوا فى حينه أن هذه الأسماء تحتمل
ما هو رمزى ، فليكتر قريبة من Lucifer أى إبليس وكلاريس توحى
بـ Christ
أى المسيح . وأن القصة فى صمت الحملان أقرب لتنويعة على
حياة المسيح ، هذا الذى يكلفه الإله بالرسالة فى المشاهد الأولى فيمر
بسلسلة تجارب يختبره فيها الشيطان قبل أن يصبح مؤهلا جديا للرسالة ، وهذه
الرسالة أنه حمل الرب الموكل إليه صمت الحملان البشرية المتوجعة ، وهلم
جرا . كما لاحظت أن إبليس فى الفيلم والإنجيل ينفذ للناس من خلال
آذانهم ، وأنه يأكل اللسان تحديدا من ضحاياه ذلك أن أخشى ما يخشاه هو
الكلمة ، والكلمة هو الرب حسب أيضا الإنجيل . لكن ماذا بقى من قيمة لهذه النظرية بعد الفيلم
الجديد ؟ إن هانيبال لم يعد إبليسا أصلا ، ولا يأتى إلا بأفعال قتل
نبيلة للغاية ضد نماذج الحثالة الوجيهة وغير الوجيهة فى مجتمعاتنا
المعاصرة ، بل لم يعد ذلك أشد سفورا وحسب الآن ، إنما بات مركزا
لتعاطف وحماس المتفرج الانفعالى الصريح والمباشر طوال الفيلم . أيضا
هانيبال لم يعد يأكل الألسنة فقط بل يأكل المخ والخصيتين وربما كل شىء .
بالمثل ما قيمة تلك النظرية وكلاريس‑المسيح أصبحت هنا سافرة العلمانية وليست مجرد
ابنة لأسرة لوثرية متدينة فى ’ صمت الحملان ‘ أو على الأقل لم يكد
يعنينا شيئا من معتقداتها الدينية آنذاك ؟ الحقيقة أن نظرية كون الفيلم هو قصة المسيح لا تقول
شيئا فى حد ذاتها . فصمت الحملان هو فى التحليل الأخير فيلم إنسانى
التعهدات من بطولة كلاريس ستارلينج ، ومهما كان من شأن هانيبال ليكتر فيه
ومهما أربك لنا من موجات مخنا فهو ليس البطل الذى يعنينا مصيره …الجديد أن فيلم
’ هانيبال ‘ ليس كذلك ! إذن بلمسة أعجوبية فاحشة الخيال الفكرى يتوحد
المسيح والإلحاد . لكن مهلا : ما المشكلة حقا فى هذا ؟ المسيح هو
ابن الإنسان الذى صار إلها ، والإلحاد هو تأليه الإنسان ، إذن لا فرق
يذكر من حيث الجوهر ! التحفظ الوحيد أن تأليه الإنسان الذى بات هو نفسه
عقيدة ودوجما لم يعد بالشىء الحداثى أو التقدمى اليوم ، فى عصر الموجة
الثالثة من الآلهة : الإله بعد‑الإنسان ، أو الـ post-human .
ألفريد هيتشكوك وستانلى كيوبريك وهانيبال ليكتر هم فى السينما مندوبو هذا الجيل
الجديد من الآلهة ، و’ هانيبال ‘ هو أول بيان عريض سافر
يدشنه . نعم لقد خلص الفيلم الجديد بنفس اللمسة السحرية
هانيبال من ظله الإبليسى ، وإذا كان من الجائز ولو لوهلة تمثل فيلم صمت
الحملان كعمل يمنطق عبادة الشيطان ، فالمؤكد أن ’ هانيبال ‘ ليس
كذلك لأى وهلة . هانيبال هنا هو بعد‑إنسان بكل ما تحمله الكلمة من محتوى
مادى بدنى عقلى وواقعى ، وهو خال من كل بعد أسطورى أو حتى رمزى باستثناء
أنه كشخص وكمعنى يشير فى حد ذاته لما سيكون عليه المستقبل الذى هو بدوره مستقبل
مادى وواقعى ، بل نقول إن محاولة العثور على مثل تلك الرموز هى إضعاف لفيلم
هو فى حقيقته أكثر صفاء فى الرؤية وعظمة فى الفكر من سابقه بكثير .
رائد الذكاء الآلى ( أو الاصطناعى فى التسمية
الشائعة ) الكبير مارڤين مينسكى صاحب مقولة أن البيولوچيا طريق
مسدود ، تنبأ أيضا ذات يوم بأن الوقت قد اقترب الذى سيحمد فيه البشر الآلات
لو تركتهم أحياء فى مثل الوضعية الحالية للحيوانات ( أنا شخصيا أسميت أحد
السيناريوهات المحتملة للمستقبلات الوشيكة فى كتاب قديم لى من سنة 1989 بعنوان
’ حضارة ما بعد‑الإنسان ‘ باسم سيناريو القط المدلل ) .
هانيبال ليكتر جسد مثل هذه المعانى عندما قال ببعض الإعجاب وبكل الود لكلاريس
التى لن يؤذيها قط وقطع يده دونا عن يدها ، قال : أنت فتاتى !
( من الممتع والجميل حقا أن تنظر الآن لصمت الحملان كتجسيد لفترة الاستكشاف
المبكرة من البشرية لفكرة ما بعد‑الإنسان ، مثلا آنذاك لم يكن أحد بمثل
يقين اليوم من أن هانيبال لن يؤذى كلاريس . أيضا ربما لم يعد اسم هانيبال
نفسه مناسبا بعد ، فهو لم يعد قوة عاتية تهب من الجنوب المتخلف ، إنما
من هى تنتمى صميميا لأعمق نقطة ممكنة فى مستقبلنا عالى التقنية ! ) . إن كلاريس ’ هانيبال ‘ تختلف عن كلاريس
’ صمت الحملان ‘ حتى فى التفاصيل . ولعل لهذا السبب تحديدا ‑أى
لأسباب أيديولوچية محضة وليس لتلك المبررات العلنية الواهية‑ أشاحت چوودى فوستر
عن كل الأمجاد المهنية التى كانت ستجنيها من تمثيله ( فى المقابل أنتونى
هوپكينز بفضل هانيبال أصبح الآن فى الرابعة والستين أكثر نجومية مما كان عليه فى
الرابعة والخمسين ، حيث كان بفضل هانيبال أيضا أكثر مما كان عليه فى
الرابعة والأربعين التى بدورها أكثر من العقود قبلها وهلم جرا ، ولا أكاد
أذكر أن هناك حالة للتصاعد اللا نهائى للنجومية بهذه الطريقة فى تاريخ السينما ! ) .
صحيح أن كلاريس لا تزال رمزا عظيما لحقبة ألوهية الإنسان التى سادت القرون
الثلاثة الماضية ، ذلك بكل ما أوتى به من علم وتقنية ومبادئ ومثل ،
لكنها فى الحقيقة وصلت الآن لمنطقة العقم ، وباتت عقبة فى مسيرة تقدم حضارة
الكوكب أى علمه وتقنياته ( من مهازل العجب العجاب أن نرى البشر حتى اللحظة
يطالبون بالمزيد مما يسمى حقوق الإنسان ، وكأنهم لم يأخذوا حقهم
بعد ! ) . فى الفيلم الجديد تكاد تخلو كلاريس من وجوهها
الإيجابية ، باتت مجرد طائر دحراج يغريه غروره وثقته بمغامرة السقوط إلى
الأرض فلا يدرى بنفسه إلا وقد ارتطم بها ومات . ومن الناحية الدرامية لا
تعدو أكثر من عامل منغص يحاول أن يحول بين هانيبال وأفعاله النبيلة فى تصفية
الكوكب من بشريته الرديئة . لقد كبر وعظم شأنا وطموحا بحيث باتت رسالته
التى لم يرسله بها أحد ، هى الاحتواء الكامل للعشيرة البشرية متوسطة الذكاء
المخربة للكوكب . هذا سواء بالفتك بغالبيتها الشريرة أو بالحنو والحماية
لعناصرها الطيبة القليلة التى تستحق مصير القطط المدللة لا الكلاب المنبوذة من
مكتب التحقيقات الفيدرالية ، لا لشىء إلا أنها جادة وصاحبة لبعض القيم
وحاولت أداء واجبها فيه بإخلاص . ربما قبل عشر سنوات لم يكن كثيرون قد استخدموا
مصطلح post-human ، لكن اليوم يكفيك أن تكتب الكلمة فى أحد
محركات البحث فى الإنترنيت حتى تبزغ لك مئات المواقع والأدبيات تتراوح ما بين
تنظيرات مارڤين مينسكى الجبارة الرصينة السيليكونية المناهضة للبيولوچيا
والچيينيات جذرا ، حتى فيض التفاصيل العلمية لأشياء مثل التقنيات النانووية
وتمازج المخ البشرى والحاسوب والمسمى بالتطليع upload والتعديل الچيينى للبشر
وتقانات إطالة العمر وشحذ الذكاء والذاكرة …إلخ ، وانتهاء بمواقع جمعيات
أهلية مهمتها التبشير العملى والتفصيلى بحقبة ما بعد‑الإنسان ، ولهم فى هذا
أحزاب ومناهج لا تعد ولا تحصى . ساعتها ستدرك أن هانيبال ليكتر ليس بالمرة
مجرد أسطورة سينمائية من ستوديوهات مترو أو اختراع خيالى من روائى بدأ حياته
بالكتابة الصحفية لصفحات الحوادث والجريمة ، بل هو منهاج حياة يومى لعشرات
الآلاف من البشر اختاروا العلم طريقا للسمو فوق بيولوچيتهم المعيبة بل والمهينة
والمسماة بالإنسان . الفارق الوحيد الذى ربما لا يوافقون هانيبال عليه
إعجابه الزائد باقتصاديات الكائن البشرى غليظ المخ كطعام جيد ! إذا ما استثنينا بالطبع مقالة ستيڤين كينج الرهيبة
عن الكتاب ( فضلا عن وضعها الاستثنائى وربما التاريخى أنها من كاتب للرعب
لا يقل شهرة أو خبرة ) ، تظل من أذكى الملحوظات التى يمكن قراءتها فى
المراجعات السينمائية لفيلم ’ هانيبال ‘ قول مجلة ڤارايتى إن ريدلى
سكوت قد تخلى عن اعتداله الأسلوبى المحافظ المعتاد لأول مرة هنا ، وتقصد
بهذا انطلاقه فى تجسيد الدموية بتلذذ كبير . لولا هذا التلذذ والإخلاص فيه
لما كان هذا هو الفيلم صاحب أنجح افتتاح فى وقت من غير فصل الصيف فى تاريخ شباك
التذاكر الأميركى وثالث أنجح افتتاح إطلاقا فى تاريخه ( وفى مصر ثالث أنجح
افتتاح لفيلم أجنبى بعد ’ تايتانيك ‘ و’ مهمة صعبة ‑الجزء
الثانى ‘ ) . من قرأوا الرواية وراعهم مشهد الرأس مكشوف الجمجمة
لوكيل شعبة العدل الشاب اللزج ، وهو لا يزال بعد حيا يقظا يتكلم يأكل
ويشرب ، والمعدة لتناول المخ مباشرة منها ، لم يتخيلوا أنها يمكن أن
تحدث نفس الصدمة قط فى السينما . ما تجزم به أفواج الجمهور أن العكس هو
الصحيح . إن أكثر ما يثير التقزز فيما كتب عن الفيلم هو وصفه ببساطة كفيلم
رعب . إن بنية الرعب أن تعيش فى كابوس الخوف من المسخ . ملايين الصغار
عبر العالم توحدوا وهللوا إعجابا بهذا ’ المسخ ‘ مثلهم الأعلى الجديد ،
ذلك أن فيلم مغامرات نمطى بالكامل . والمقزز أن تحاول أن تسلب منهم
هذا : أعظم ولع بأعظم رمز هما معا أعظم برهان على أن نبض الحياة لا يزال
يجرى فى عروق هذا الكوكب وأنه لا خوف قط على مسيرة التطور فيه . لقد ولت بجلاء تام حقبة المسالمة التى اضطرت لها
هولليوود وأكاديميتها بسبب طوفان الهجوم الغوغائى ضد منحهما كل تلك الأوسكارات
لصمت الحملان . وعاد هانيبال لينتقم من جديد ويعيد الاعتبار لسينما العنف
وسينما الأفكار الجارحة لا ’ التى تعقر ‘ فقط بل المعادية للإنسان
صراحة . وقد سبقه فى هذا تمهيدان أقل شأنا ربما ، لكن فتحا له أوسع
الأبواب : ’ المصارع ‘ لنفس ريدلى سكوت مع نسبة لا بأس بها من
عنفه الهانيبالى زائد تسميات اثنى عشر للأوسكار فى نفس أسبوع عرض
’ هانيبال ‘ ، و’ النمر الرابض والتنين الخفى ‘ فيلم
فنون القتال التايوانى بالغ العنف أيضا ، والذى من المؤكد أن برووس ليى
نفسه لم يحلم يوما بأن فيلم كاراتيه سوف يحصد يوما مائة مليون من الشباك
الأميركى زائد عشرة تسميات للأوسكار ، ناهيك عن أن يكون ناطقا بالماندارين
ومن بين تسمياته أفضل فيلم وأفضل فيلم بلغة أجنبية نفسيهما ومعا !
ما أردنا قوله إننا نعيش اليوم احتفالا سينمائيا
كبيرا يتجاوز بكل القوة حقبة رداءة ’ المريض الإنجليزى ‘ وتفاهة
’ القلب الشجاع ‘ و’ غراميات شيكسپير ‘ التى جثمت عنوة على
الأوسكار وعلى العقول لعقد كامل ، وينعش الآمال والذكريات لتلك الأيام التى
أعارت فيها الأوسكار نفسها بسخاء بما فيه التسمية لجائزة أفضل فيلم بل والفوز
بها أحيانا لأعمال مارقة بلا تقدير رقابى أصلا ( أفلام إكس ) مثل
الخريج وراعى بقر منتصف الليل فاز وطارد الأرواح ، لا لشىء إلا لأنها أفلام
كانت صادمة وقوية بمعنى الكلمة . إننا اليوم فى قلب حالة من الانتصاب
الذهنى والفنى تجبرنا على تجاوز ما ركنا إليه من أفكار ’ إنسانية ‘
عديمة اللون والطعم والرائحة بالية وركيكة طالما روجت لها السينما وغير
السينما . والقيمة التاريخية لفيلم هانيبال ‑علما بأن قيمته الفكرية يكاد
ينحصر مصدرها الأصلى فى هاريس وروايته أكثر منه بكثير من السيناريو أو
التوجيه ، بالطبع مع حفظ حق إنجازهما وكذا السير هوپكينز الخارق فى توصيلها
بأقوى وجه ممكن‑ أنه الحدث الصدمة الذى يقتحم العقول على أوسع نطاق ممكن ويجبرنا
على مراجعة الكثير من ثوابتنا . إنه مانيفستو عملاق يتجاوز بمراحل ذلك
التهذب الخجول لهيتشكوك وكيوبريك اللذين رحلا دون أن يشعر بأفكارهما أحد ،
بل وحتى لطمات داروين وفرويد الجديرة والمروعة للخيلاء الإنسانى والتى رغم ذلك
أفلح البشر بدرجة أو بأخرى فى تغمية أبصارهم عنها والمضى فى غيهم الإنسانى
الأفيونى الأهوج وكأنها لم تكن . أخيرا ، كل ما نستطيع أن نغامر بالتنبؤ به أن
كلاريس لو ظهرت فى الجزء القادم من هانيبال فلن تكون شيئا أقل من بعد‑إنسان ،
أو بكلمات نصيحة هانيبال للطفل الآسيوى فى اللقطة الأخيرة تماما من
الفيلم : ’ جرب شيئا جديدا ! ‘ . [ ديسمبر 2003 : تابع
قصة محاكمة هانيبال ليكتر حقيقى فى ألمانيا هنا ] هل تريد المساهمة ؟ ... يمكنك ذلك مباشرة من
خلال لوحة الرسائل إضافة أو قراءة أو بالكتابة عبر البريد الإليكترونى . الجديد :
بدأت مداخلتى بعبارة أنى كلما سمعت كلمة ما بعد‑الحداثة
تحسست مسدسى . تماهى الأزمنة الذى ظهر على نحو إبداعى جامح جرئ وثرى برواية
مارسيل پرووست ’ البحث عن الزمن الضائع ‘ ( 13-1927 )
الأصل فى كل هذا هو مبدأ اللا يقين uncertainty principle
الذى وضعه ڤيرنر هايزينبيرج عالم الفيزياء الجسيمية سنة
1927 . صحيح أن الأسئلة الوجودية الكبرى بدأت بعمر الخيام وربما
قبله ، وصحيح أن پرووست كتب قبل أن يقول هايزينبيرج شيئا ، وأن الشاغل
الأهم عند وجودييى تلك الأيام ليس الجسيمات ، إنما فقط الثورة الصناعية
التى قزمت الإنسان فراح يبحث عن عمره الضائع ، إلا أننا نضع يدنا على مبدأ
اليقين بالذات لأنه وحده الذى سيساعدنا على فهم أين تقع المشكلة . كلنا
يذكر المناظرة الشهيرة بين أينستاين ونايلز بوهر التى انتهت بعبارة الأول
الشهيرة ’ الرب لا يلعب النرد ‘God doesn't play
dice .
كانت المشكلة أن كان من المستحيل تحديد مكان جسيم إذا كنت تريد تحديد سرعته
والعكس بالعكس . والسبب ببساطة أنه كى تعرف أية معلومات تحتاج لفوتون ضوئى
يصدر لعينك حتى ترى به ، وهذا يغير من طبيعة الجسيم مكانا أو سرعة أو
كلاهما معا . ما لم يره بوهر ورآه أينستاين أننا أمام مشكلة إنسانية
محضة . قدرة الإنسان على الرصد عاجزة ، ليس لديه وسيلة للرؤية سوى عين
تستهلك فوتونات ثقيلة الوزن سخيفة الوجود . أما الحقيقة المجردة فقابعة
هناك حيث لن يستطيع رؤيتها أبدا . أنا شخصيا ربما كتبت ذات مرة أن غزو
الفضاء طريق مسدود ( على الأقل بالنسبة للإنسان ، وربما يكون ذا جدوى
أو معنى لكائنات سيليكونية أو نانوية تالية له —تابع منشأ الفكرة عندى ورأيى فى مستقبلها فى صفحة ما بعد‑الإنسان ) .
السبب أنه كبير جدا ، نفس الشىء يسرى على كشف الجسيمات ذلك أنه صغير
جدا . مهما وصلنا من علم فلن نجزم أن ليست وراء الكون أكوان أكبر
وأكبر ، ولا نستطيع الجزم بأن ثم أكوان أصغر وأصغر تتطفل على سطح أحد أو
بعض الإليكترونات فى عالمنا ، ولا علاقة لها بالمرة بميكانيات الكم
وأينستاين وبوهر وهايزينبيرج ، بل الإليكترون نفسه لا يستطيع رصدها ولا يحس
بوجودها . كلا الطريقين مسدود لسبب واحد فقط لا غير : أننا بشر !
[ عدنا للمزيد لاحقا حول
هذه الجدلية فى صفحة ما بعد‑الإنسان ] إذن قدراتنا محدودة للغاية ، والثورة الصناعية
ومنجزات العلم لم تزد علمنا إلا بشىء واحد هو جهلنا . هنا تدخل السيريالية
ثم بعدها بقليل ما سمى بما بعد‑الحداثة ( والحداثة هى عصر
الصناعة ) . ما لا يراه الكثيرون أن الاقترابيتين جاءتا بزاوية تختلف
180 درجة . وكان محزنا للغاية لى اليوم أن أرى أعظم سينمائى سيريالى حى
ونشط اليوم يصنف تحت راية ما بعد‑الحداثة . تماهى الأزمنة وسمات أخرى كثيرة
راح يعددها الزميل أحمد حسونة ، هى جميعا خصائص شكلية جدا ، والدليل
أن لم تميز بين الشىء ونقيضه كما الحال اليوم . دائما ما نقول على سبيل
الدعابة إن أعظم منهج نقدى هو منهج سعيد صالح فى مسرحية مدرسة المشاغبين حين سأل
’ فين السؤال ؟ ‘ . هذا ينطلق من أن السينما
فن شعبى ( وكذا كل الفنون فى أغلب الحالات ) ، ومن ثم المهم
فى فهمها الرغبة فى فهم لب الموضوع . هنا تظهر الـ 180 درجة واضحة بين
السيريالية وما بعد‑الحداثة . كلاهما وجد نفسه أمام حقيقة ضآلة
الإنسان ، لكن الاستجابتين كانتا متناقضين كلية . الإنسان غير قادر
على الرصد لأنه حقير وتافه والسبب يكمن فيه . هذه كانت الاستجابة
السيريالية . والإنسان غير قادر على الرصد لأن العيب فى الكون نفسه ،
لا يقينى ومبهم وغير محدد الملامح . هذه كانت الاستجابة بعد‑الحداثية .
لى رأى شخصى قد يبدو غريبا بعض الشىء ، وهو أن
السيريالية لا تنتمى كثيرا للوجودية
قدر انتماء ما بعد الحداثة لها . رغم أن كلتيهما ‑السيريالية
والوجودية ، هما بنات مباشرات لفرويد . نفس الشىء أقوله عن التحليل
النفسى وفرويد الذى يكاد يجمع الكثيرون ونحن فى طليعتهم على أنه أحد أعظم عقلين
فى التاريخ الإنسانى بجانب داروين ، بالترتيب صاحبا ثانى وأول ضربة عظمى
لعجرفة ابن الالهة المغرور المدعو الإنسان . الخط الفاصل هنا وهناك هو ’ فين السؤال ؟ ‘ .
الإنسان وصل لمرحلة ما من التطور تيقن له بعدها ضآلته وقلة شأنه ، وأن عليه
أن يفسح الأرض لكائنات أخرى أفضل . هذا هو السؤال ، والمدهش أن سؤال هاملت لا يختلف كثيرا عن سؤال عادل إمام ، ما
يختلف فقط هو الإجابة ! الإجابة الوجودية تعلى من شأن الإنسان وتمحور الكون
كله حول ذاته وإحساسه وإدراكه للكون ، وتحقر من شأن الحقيقة
الموضوعية . فى المقابل لا التحليل النفسى ولا فرويد ولا حتى السيريالية
فعلت هذا ، ومن ثم لا أفهم من أين جاء الربط . من فعلوا هذا هم نايلز
بوهر ومارسيل پرووست وما بعد‑الحداثة ، ومن ثم توجب الربط . على أية حال الحقيقة موضوعيا ، وبأفضل كلمات
تاريخية ممكنة فى صالح الوجودية ، هى ما يلى : الوجودية فتحت الطريق
لحقيقة أنه طالما ليس فى استطاعة الإنسان فهم العالم ، فلينكفئ على
ذاته . ربما أصحابها يرون فى هذا إعلاء للإنسان ، لا بأس .
نسختها النكرانية atheist فعلت ذات الشىء لكن فى نطاقين معا ، نطاق
البشر ونطاق الآلهة . واصلت مسيرة تحطيم الآلهة ، وواصلت ترسيخ مكانة
الإله الجديد ، الإنسان ، الذى تبوأ هذه المكانة منذ فجر عصر العقل
والنهضة الصناعية ، وأرادت هى رفعه لمراتب سماوات أعلى . لكن فى
الحقيقة لم تلحظ أنها تضيف آليات جديدة لتحطيم الآلهة ، سوف تدور الدوائر
حتما بذات الطريقة لتجعلها تسقط على الإله الجديد من عليائه الزائفة . [ بعد 11 سپتمبر تحدثنا من جديد ‑وإن فى صفحة الحضارة ، وبصورة أخرى لوجه السيد
أينستاين !‑ عن مبدأ اللا يقين وما قد يناظره فى حقل الستراتيچية تحت مسمى
اللا تماثلية asymmetrism ، التى لعلها النظير السياسى لما يسمى ما
بعد الحداثة فى دنيا الثقافة والفن ، كما قلنا أن قد تصبح مذهبا هى
الأخرى ! ] . الأحد القادم سوف يعرض فى ذات السلسلة ولذات الموجه
Twin Peaks —Fire Walk with Me ( 1992 ) ، والمناقشة
ممتدة . اكتب رأيك هنا
لن أطيل عليك ، وإليك الإجابة موجزة
ومباشرة . نعم كيوبريك موجود بنسبة لا تقل عن 90 أو 95 0/0 ،
لكن هناك سپييلبيرج أيضا يضع لمسته من وقت لآخر ويفسد به المذاق الذى يمكن تخيله
من لو أن كيوبريك قد نفذ الفيلم بنفسه . جميع المشاهد التى قدمت جو الأسرة
الدافئ فى بداية الفيلم ، أو فى لقاء الروبوت الصبى مع ’ أمه ‘
فى تتابع النهاية ، كذلك الجمل الصريحة التى تشيد بعظمة الإنسان ،
كلها أشياء لا سابق لها بالمرة فى سينما كيوبريك ، ويكاد يستحيل تخيل أن
كان سينفذها بهذه الطريقة بالمرة .
لكن ما عدا هذا ، نظل أمام فيلم بعد‑إنسانى
بدرجة واضحة كل الوضوح ، ينتمى بكل القوة لسينما ستانلى كيوبريك باردة التجريد
مخيفة السيريالية . يراوغنا كثيرا ، ويأخذنا بذات رحلة كيوبريك
الأوديسية المعتادة عبر سيمفونية مكونة من ثلاث أو أربع حركات منفصلة بالكامل
تقريبا عن بعضها البعض ، فقط كى يصعقنا فى نهاية المطاف ، بأن العرق
البشرى برمته قد باد ، ولم ينج منه أثرا بعد عين سوى صبوح الوجه هيلى چوول
أوسمينت ، ذلك الروبوت الصغير الذى برمج ليحمل المشاعر الإنسانية
الطيبة . وأن أيضا بالتالى من سيرث الأرض هو ذلك الذكاء الكونى الوافد من
الفضاء الخارجى ، والذى لا شك يذكرنا بنطيره فى ’ 2001
—أوديسا الفضاء ‘ ، رغم كل جهود سپييلبيرج فى الإحالة قسرا لفيلمه
هو ’ لقاءات قريبة من النوع الثالث ‘ ! أيضا من الجائز تخيل أن
كيوبريك لو صنع الفيلم بنفسه لرأينا معالجة أفضل لموضوع المشاعر من منظور تكيفى
أكثر دارونية وأقل حرارة . كيوبريك
بعد‑إنسانى شرس مخيف لا يرحم ، ولا يفوقه فى هذه القسوة سوى
’ الأستاذ ‘ The Master ،
أستاذ الأساتذة فى هذا وفى كل شىء ، ألفريد ’ الأستاذ ‘
هيتشكوك . أما حبيبنا سپييلبيرج ذلك اليهودى الطيب ، فلن يستطيع أبدا
ومهما حاول ، الخروج من جلده الإنسانى . باختصار ، لو بإمكانك أن
تغض الطرف عن بعض المنغصات الصغيرة هنا أو هناك ، فالفرصة لا تزال قائمة
أمامك لمشاهدة فيلم أخير آخر لستانلى ’ الفريد من نوعه ‘
كيوبريك ! اكتب رأيك هنا
[ الشباب الياپانى صنع سابقة بالإقبال على فيلم ’ الذكاء الاصطناعى ‘ ، ليجعل منه
أول فيلم أميركى فى التاريخ يحقق إيرادا فى بلد أجنبى أكثر مما حققه داخل
أميركا . اقرأ تحليلا لاحقا عن
دلالة هذا الحدث من منظور بعد‑إنسانى لقماشة هذا الشباب وطبيعة ثقافته ،
وكذا حديثا سابقا عن شباب هذا البلد
عامة .
لكن لأن الشىء بالشى يذكر ،
وفيما يخص شق سينما ما بعد‑الإنسان ، نقول هنا إن علاقة شباب الياپان بهذه
السينما طالما كانت علاقة ’ طبيعية ‘ ومنطقية للغاية . إن ما
يحضرنى بشدة فى هذه اللحظة هو فيلم الاستحراك من ستوديوهات مانجا ’ أكيرا ‘ 1988 .
الفكرة ليست أنه فيلم اكتسح العالم وكان أحد مظاهر الغزو الثقافى العكسى الجاد
والمدهش ، فهذا لعله أتفه ما فى الأمر . من منظور بعد‑إنسانى ما أردت قوله أن ليس من الغرابة
أبدا أن يكون من يحيى صنع هذا الضرب اليوم هم شباب الياپان ( بلد الجيل
الخامس للحاسوب ) ! ] .
Cover Story:
(New Year
2002)
سنعتبر عامنا هو عام بليد رانر . هذه النقطة التى
تقع تقريبا فى منتصف الطريق بين صنعه سنة 1982 وسنة 2019 التى تقع أحداثه
فيها . وهى مناسبة رائعة للتوقف لتقييم تلك الرؤى العميقة التى طعن بها هذا
الفيلم بصير الرؤية visionary نفق المستقبل البعيد ليرى بعضا من
خباياه . من الأفلام التى فكرنا فيها أيضا أربعين عاما على لورانس العرب لكننا فضلنا
التطلع للمستقبل بدلا من الماضى ( فقط هذه مراجعة دليل
الأفلام له ) . مبدئيا إليك مدخل
كتاب دليل الأفلام عن الفيلم . وهو ملخص لمراجعات ومتابعات الناقد مدحت
محفوظ المسهبة من سنة ظهور الفيلم ، عمم بعضها فى مجلة
’ الفنون ‘ القاهرية أو نشرة نادى القاهرة للسينما أو غيرهما .
وكانت جميعها نغمة نادرة بين آلاف الصفحات التى احتواها الملف الصحفى العالمى
للفيلم ، والذى إما هاجمته الأقلام بشراسة أو فى أفضل الحالات امتدحته
بسطحية . لكن كما تعلم سرعان ما توالت فى الأعوام التالية التقييمات
الجادة ، وبمرور الوقت اتفق الجميع حوله ككلاسية سينمائية معتمدة . أيضا سوف نجعل لحن الخلفية المرافق لتصفحك للموقع
هو اللحن المميز عميق ومتعدد الإيحاءات للفيلم . وهو لحن كتبه الموسيقى
ڤانچيليس الذى كان فى ذروة لمعانه فى ذلك الوقت ، حيث كان قد فاز للتو
بالأوسكار عن مجرى صوت فيلم ’ عربات النار ‘ 1981 . ويمكنك من هنا تسجيل اللحن والاحتفاظ به لو شئت . أخيرا فقد ألهمنا الفيلم كتابة هذا المدخل اليوم فى صفحة الثقافة
عن مدى علاقة العقلية العربية بالعلوم والتقنية . وفى جميع الأحوال نعتبر صفحة ما بعد‑الإنسان هى المكان الطبيعى على مدى الأعوام
السابقة لمتابعة ذات الشئون المستقبلية التى تناولها هذا الفيلم العظيم ،
وندعوك دوما لزيارتها على نحو متكرر . أما أول ما يخطر ببالنا اليوم عن هذا الفيلم ،
أننا لم نعتبره يوما فيلما بعد‑إنسانى بمعنى الكلمة ، وربما كما ستلحظ فى المراجعة
أن أغاظنا لحد ما وقفته الحيادية بين الإنسان وبعد‑الإنسان ، ونهايته
التصالحية الحيادية . والتى لمزيد من سوء الحظ أنها لم تكن حتى من بين
قناعات ريدلى سكوت ، وحذفت فى ’ نسخة قطع الموجه ‘ التى عرضت فى
ذكراه العاشرة قبل عشر سنوات ، ذلك مما زاد المذاق العام إبهاما . مع
ذلك نقول اليوم إن كل هذا يتضاءل أمام حجم الرؤى ودقتها فيما يخص شئون المستقبل
بمختلف مناحيها ، بالذات ما يخص الهندسة الچيينية التى اعتبرها محورا
لتقنيات العقود التالية . ربما نتعاطف على نحو أقل مع تفاؤلاته بالنسبة
لاستيطان الفضاء ، وربما نناقش بعض التفاصيل هنا وهناك . لكن هذه لم
تنتقص يوما من انبهارنا الشامل به ككل . بل الأبعد من هذا أن ربما لم يعد
حتى يزعجنا كثيرا ذلك الإحساس المشروع بالإبهام عند الكلام عن المستقبل .
ولعل العبارة التى تطن فى أذنى من بين كل ما قرأت فى الأيام الأخيرة عن العامين
المنصرم والجديد ، ولا أتمالك نفسى من الضحك كلما تذكرتها ، كلمة
ويلليام سافاير الساخرة فى النيو يورك تايمز :
’ لو كان بإمكانك التنبؤ بكل ما
حدث سنة 2001 لكان مكانك الآن السجن ‘ ! اكتب رأيك هنا [ تحديث : مارس 2002 : خلال
العام فرض فيلم دكتور سترينچلاف نفسه فرضا ، وقد فاتنا أن نتوقع أن الحرب الحالية لا بد وأن
تتحول لحرب نووية . صحيح
طالبنا بهذا فى يوم 11 سپتمبر نفسه ، لكن
لم نتوقع تبنى أميركا للسلاح النووى بهذه السرعة . تبنته قبل انتهاء الشهر
الرابع للحرب وأعلنته قبل انتهاء الشهر السادس . وطبعا لو توقعنا لاخترناه
فيلما للعام بداهة رغم أن لا مناسبة زمنية خاصة له ! طبعا هو فيلم بعد
إنسانى ، وهو عمقه الذى نادرا ما فهمه أحد ، وأقل واجب أن افتتحنا مدخلا
خاصا له هنا بالأسفل ، وهذه هى مراجعة دليل
الأفلام له . كذلك لاحت لنا أيضا بعد قليل فكرة
ثلاثين عاما على الحلق العميق ، اقرأ هذا
المدخل الطريف عنه أيضا فى صفحة الإبادة ، وكذا اقرأ مراجعة دليل
الأفلام . نخشى أن نقول الآن ‑ونحن بعد فى الشهر الثالث فقط من العام‑
إن الكل يفكر فى الإبادة ، وليس فى الهندسة الچيينية ولا أفلام
الپورنو ! ] . [ يبدو أننا عدلنا عن هذا ، ولاحقا فى
خريف ذات السنة أضفنا مدخلا ضخما عن تاريخ الپورنو فى صفحة الجنس ! ] .
طموح سپييلبيرج هذه المرة صنع بليد رانر
جديد ، بعد أن اعتقد قبل عام أنه صنع ’ 2001
—أوديسا الفضاء ‘ جديد ، من خلال مشروع كيوبريك غير المكتمل
الذكاء الاصطناعى الذى تناولناه آنفا فى حينه . ذهب لنفس
المؤلف فيليپ كيه . ديك . إنه شخص بائس رحل فى 2 مارس 1982 ربما حنقا
وغيظا على ما أحاط بليد رانر من مشاكل إنتاجية وانتقادات صحفية . وقد كانت
تلك المرة الأولى التى يحصل فيها بين يديه على مبلغ طيب من المال ، فى
حياته القصيرة المضطربة الحافلة بالعقاقير وخمس زيجات ونصب دور تعميم الكتب
المغمورة عليه طوال الوقت . لا نعلم هل كان سيسعده أم لا أن يشذ ناقد
سينمائى مصرى شاب شاهد الفيلم سبعة مرات فى أيام عرضه السبعة فى سينما راديو
الشاحبة فى وسط مدينة القاهرة ، وغامر بالخروج الناشز على صوت الكورس
الصاخب ، وأخذ يمجد الفيلم بلا هوادة عبر سلسلة
مقالات فى مختلف المجلات المصرية تحمل أسماء مثل ’ الفنون ‘
و’ نشرة نادى القاهرة للسينما ‘ …إلخ . على أن المؤكد أن ديك كان
سيسعد لو عاش ليرى السينما تعود لتعترف به مرة ثانية وتصنع من إحدى قصصه
’ استرجاع كلى ‘ ، سپييلبيرج صنع أرقى ما يمكن صنعه لتقليد بليد رانر
الذى صار تدريجيا أسطورة مؤلهة فى كل العالم ، وليس ببضع مقالات مغمورة فى
مصر ، ألقيت نسختها المترجمة فى أرشيف شركة وارنر فى هولليوود أو ‑وهو الأرجح‑
فى صفيحة قمامتها ! قام سپييلبيرج بدعوة باهظة الكلفة بالطبع ، لحفنة
من أكبر العقول المسئولة عن صنع المستقبل وتمثله . فى سنة 1999 جمع 16
عالما وتقنيا فى سانتا مونيكا ، منهم نييل جيرشينفيلد من مختبر الوسائط فى
معهد ماساتشوستس للتقنية MIT ، وزميله فى ذات المعهد‑الأسطورة عميد
مدرسة العمارة ويلليام ميتشيلل ، كذا جاء پيتر كالثروب الحجة فى حقل الحياة
الحضرية ، وجاء شون چونز من دارپا ( الوكالة التى لا تقل أسطورية فى
شأن التقنيات العسكرية ، وقد تحدثنا عنها سابقا
وكان الكلام بالصدفة فى نفس حقل تخصص چونز وهو البيوتقنية ، فرحلتنا
التاريخية فى متابعة إنجازاتها كانت فى حقل الحوسبة أساسا ) ، ولعل
أشهر اسم فى القائمة بالنسبة لجيل الإنترنيت هو چارون لانيير من رواد تقانات
الواقع الفضيل virtual reality . ستقفز فورا إلى القول إن فريقا كهذا لا يمكن إلا أن
يعطيك أفضل تنبؤ ممكن بعالم المستقبل . حسنا ، هذا ممكن ، لكنه
لم يحدث . المشكلة ليست فى الفريق . المشكلة أن سپييلبيرج سألهم
السؤال الخاطئ : ما هو شكل العالم سنة 2054 ؟ الإجابة كما رأيناها بعد ثلاث سنوات على شاشة
السينما ، جاءت ردا على سؤال آخر لم يسأله لهم أحد : ما هو شكل العالم
سنة 2010 ؟ نعم ، ليس بهذه الطريقة يمكن لأحد أن يتنبأ
بسنة 2054 ، قبلها بأكثر من نصف قرن . هذا هو الفارق . عندما
يتعلق الأمر بالتنبؤ من مسافة كهذه ، لا يصلح العلماء للأمر . كما
قلنا ذات مرة فى كتابنا المستقبلى’ حضارة ما بعد الإنسان ‘
( 1989 ) ، العلماء هم آخر من يصلح للتنبؤ بالمستقبل
البعيد . والسبب فى هذا بسيط هو معاناتهم الدءوب الدائمة فى إنجاز
الأشياء ، والتى تجعلهم أميل للتحفظ لدى التنبؤ بالمستقبل ( حتى لو
رأيتهم يتحدثون أمام ممولى أبحاثهم بتفاؤل شديد ، فهم إنما يتحدثون فى
جزئيات ومشروعات محددة ، فالممولون أنفسهم لا يحبون عادة الكلام فى
المستقبل البعيد ! ) . المؤكد أن فريق العلماء المذكور انصرف من
ضيافة سپييلبيرج الكريمة ، معتقدا أنه أجاب على السؤال الذى وجه له .
لم يخطر ببال أى منهم أنه قد خدعه ، أو أنه كان يجب عليه أن يصارحه بأن من
المستحيل عليه التنبؤ بنصف قرن قادم . هنا يكمن الفارق . بليد رانر تنبأ بسنة 2019
قبلها بقرابة أربعين عاما ، لكن ريدلى سكوت لم يستدعى العلماء
ليسألهم . فقط استدعى سيد مييد . الفارق بينه وبين العلماء بالنسبة
للسينما يشبه الفارق بين كتاب العلوم وبين العلماء بالنسبة للصحافة . إطلاع
واسع على العلم والتقنية ، لكن دون الارتباط بقيود وآليات شغل البحث
الأكاديمى المثبطة للخيال . هذا الموقع الوسيط هو الذى يمكن أن يعطينا
خيالا أقرب ما يكون للدقة . أحد أسباب تحول بليد رانر لأسطورة ، أن
مرور السنة تلو الأخرى ، يعطى نبوءاته مصداقية أكبر . باختصار ، ’ تقرير الأقلية ‘ متواضع
كفيلم مستقبلى ، لكنه رائع كفيلم راشومونى ، وأحد أروع التحيات التى
قدمت لأكيرا كوروساوا أستاذ الإنسانية فى السينما ( تسمية ربما نقترحها
لمقابلة هيتشكوك أستاذ اللا إنسانية ! ) . الذى يعتبره
سپييلبيرج ، ولا غرابة من هذا الإنسانى الطيب ، أستاذه ! الأحداث تدور فى واشينجتون 2054 حيث تم القضاء
تماما على الجريمة ، عندما اكتشف بالصدفة قدرة ثلاثة من المواليد على
استبصار المستقبل . يقوم توم كرووز بدور الضابط المسئول عن هذا
المشروع ، ونراه فى التتابع الأول يتلقى المعلومات من هؤلاء الثلاثة
الموضوعين فى حمام خاص شبه منومين ، وأدمغتهم موصولة بأجهزة خاصة لقراءة
وترجمة الإشارات الصادرة عنها ( بعض التفاصيل جيدة ، كالشاشات
الحاسوبية القائمة فى الهواء والتحكم فى شاشة الحاسوب بقفازات تصدر ضوءا ،
لكنها كما قلنا خيالات 2010 وربما قبل ذلك ! ) . ثم يستنتج من
هذه المعلومات الشحيحة مكان وموقع الجريمة ، وترسل فرقة خاصة تهبط من
الطائرات فى اللحظة المناسبة لتقبض على الجانى متلبسا ، وتضع له خوذة تذهب
به إلى نوم لا نهائى فى سجن خاص بهذه التقنية . حبكة الفيلم أن جاء مسئول
حكومى لكشف ثغرات هذا النظام تمهيدا لتعميمه على الصعيد القومى ( كنبوءة
هذه سيئة جدا ، وبصراحة عيب أن يصدر فى عهد حكم چورچ دبليو . بوش فيلم
يتحدث عن أن أميركا أو أية دولة أخرى ستظل بلدا قائما بذاتها سنة 2054 .
حتى نبوءات 2010 تتنبأ بأشياء أكثر جلوبية بكثير ! ) . ويجد چون
أندرتون ( كرووز ) نفسه متهما بالقتل ، وبالطبع ملاحقا من ذات
الفرقة التى كان يرأسها ، وأمامه فقط 36 ساعة لإثبات براءته . ثم مشاهد كثيرة رائعة ، فى حدود النشاط المحض
مشهد الهروب بالسيارات التى تنظلق رأسيا فوق حوائط مبانى واشينجتون الزجاجية
الشاهقة هو قطعة خالدة بكل المقاييس تذكرنا بأفضل ما قعل سپييلبيرج من مشاهد
النشاط مثلا فى ’ غزاة التابوت المفقود ‘ . أما المشاهد الأخرى
فمنها على الأقل مشهدان عظيمان بمعنى الكلمة : مشهد الصوبة الحافلة بكائنات
نباتية متحركة وذكية ( نبوءة جيدة الخيال ، والوحيدة التى تحتمل أن لا
تتحقق قبل 2010 ) ، عندما ذهب لمقابلة العالمة الچيينية التى أنجزت
المستبصرين الثلاثة ، وتخبره بوجود ما يسمى تقرير الأقلية عندما تشذ رؤية
واحد منهم الاثنين الآخرين ، وهو عنوان القصة والفيلم رغم عدم جوهريته
( دور مذهل من لوى سميث ) . ومثل مشهد خطف أندرتون لأفضل
المستبصرات أجاثا ( سامانتا مورتون ) وذهابة بها لمول تجارى لكشف
حقيقة الجريمة ، هنا خيال الكتابة الدرامية يصل لذروة رائعة من التشويق ،
فالمرء لا يجد دائما من يخبره بكل ما سيحدث حوله فى اللحظة التالية ، ومن
ثم يتفادى مورتون الشرطة ويصل للشخص الذى يفترض أنه سيقتله . يكتشف أندرتون أن هذا هو الشخص الذى اختطف وقتل
ابنه الصبى ، وعليه فعلا أن يقتله كما رأى المستبصرون ، ولم يكن يصدق
قط أنه سيقتل تحت أية ظروف . هنا تبدأ المفاجآت
’ الراشومونية ‘ . يصبح للقصة أكثر من وجه وأكثر من منظور .
هذا الشخص مزيف ولم يقتل ابن أندرتون . الوكيل الفيدرالى دانى ويتوير الذى
كان مؤكدا أنه يدبر كل هذا كى ينتزع المشروع من أندرتون ربما يكون أكثر ملائكية
من أندرتون نفسه . أيضا هناك رؤى أخرى للمشروع وتاريخه من بقية
صانعيه ، الذين يبدون طيبين جدا ومخلصين جدا ، لكن بعضهم يخفى بعض
الأشياء . نعم هى دراما تشويق استحواذية رائعة ، لكن العلم فيها
ضعيف ، وطبعا لا نقول سىء . والسؤال متى يضبط سپييلبيرج إحساسه
بالمستقبل . قيل دوما أن خطأ ’ 2001 … ‘ أنه تنبأ بما هو أبعد من
2001 ، ويقال الآن إن بليد رانر تنبأ بـ 2019 دون زيادة أو نقصان .
هذان الفيلمان اللذان شعر سپييلبيرج نحوهما بالغيرة وحاول تقليدهما ، لكنه
دوما مضبوط على مؤشر أقرب بكثير من التاريخ المستقبلى الذى يتمثله .
النانووية لن تكون مجرد عناوين صحف سنة 2054 ، ربما الاحتمال الأكبر أن لن
يكون هناك إنسان أصلا ، وتكون هى كل شىء ، لا العكس ! لقد جلست
شخصيا من اللحظة الأولى متحفزا لأرى كيف سيعالج الهندسة النانوية . هذا هو
الشىء الطبيعى لدى كل من يفكر فى المستقبل ، لأنه ببساطة أهم سؤال مستقبلى
على وجه الإطلاق الآن ، بعد أن باتت معروفة الملامح المستقبلية العامة لكل
من الحوسبة والهندسة الچينيية . تدريجيا أصابنى اليأس ، وبدأ بدأ
اليأس يتحول لسخظ عندما أدركت أنه سوف يتجاهلها ، ثم فجأة جاءت تلك الإشارة
العابرة الساذجة حقا ، فأصبح السخط حنقا وغيظا هائلين !
سپييلبيرج ، هذا الإنسان الجميل الطيب ،
يصلح للثيمات الإنسانية الدافئة ، لا للمستقبليات الخشنة المعقدة .
إنه إنسان غارق فى هموم الإنسان ، ويصنع أفضل ما عنده عندما يتكلم عنه
كلاما اجتماعيا محضا كما فى ’ اللون القرمزى ‘ و’ قائمة
شندلر ‘ و’ أميستاد ‘ ، أو على الأكثر عندما يتكلم
بمشاعر إنسانية مفرطة جدا ليلوى بها قالبا آخرا ، كالفانتازيا مثلا
( ’ إى . تى . ‘ أو غيره ) . لكن المؤكد أنه
لم يبرمج منذ طفولته للكلام الجاف فى العلم والمستقبليات . والمؤكد أكثر
أنك لو قلت له إنها ‑أى العلم والمستقبليات‑ سوف تبطش
بالإنسان والإنسانيات ، لأصبح العدو رقم 1 فى هذا الكوكب للعلم
والعلماء وللمستقبل والمستقبليين ، وحشد ضدنا كل ما فى جعبة آلته
السينمائية الجبارة . بمناسبة ’ تقرير الأقلية ‘ ، ومرة
ثانية بعد الذكاء الاصطناعى ، وللمرة الألف عامة ،
نكرر : هذا حقل بعد‑الإنسانيين
الأشراس ميتى القلوب من شاكلة هيتشكوك وكيوبريك ، ويحظر على اليهود الطيبين
دخوله . لكن ، رغم كل شىء ألم يثر فضولك أن أكبر
فيلمين جديدين ناقشتهما هذه الصفحة فى الاثنى عشر شهرا الأخيرة هما فيلمان لهذا
السپييلبيرج ! اكتب رأيك هنا
… |