نظرية الفيلم الهولليوودى

Hollywood Film Theory

 

| Part I | Part II |

 

NEW: [Last Minor or Link Updates: Saturday, July 21, 2007].

 

 March 4, 2003: Hollywood’s greatest year since the greatest of them all, year 1946. Movies dramatically thrive almost everywhere inside and outside the U.S. It’s depression time again, friend!

 June 11, 2002: Hollywood movies dramatically shrink almost everywhere outside the U.S. This might not be a so bad symptom. The whole planet just became a ‘Hollyworld!’

Sherry Lansing

 November 11, 2001: Hollywood enlists in the war against terrorism, but supposedly not a war  against Islam. How would the ever-secular industry handle this GOP condition?

 October 23, 2000: A whole new page on Sex and Religion!

 December 2, 1999: The famous and extremely controversial Hollywood Film Theory study is posted here as the first dedicated Arabic columnist page on the Web. Our publishing project under motto Think Internet! is born.

 

ê Please wait until the rest of page downloads ê

 

’ منذ أن نلت حريتى لم أصنع سوى أسوأ أفلامى ‘

چون هيوستون

‘Not what man knows but what man feels, concerns art. All else is science.’

Actually, I owe John Carpenter for the introduction to the whole concept as quoted in a late 1998s or an early 1990s yearbook that movies are about emotions not thoughts Bernard Berenson (1897) ê

‘Director should be invisible’

Speech in BBC re-broadcasted in part on his death 20020328 Billy Wilder

’ بعد السينما الصامتة ، لا يوجد جديد ‘

غالبا فى أحد الكتب السنوية لأواخر الثمانينيات أو أوائل التسعينيات والمؤكد أنها بدون حيثيات ستانلى كيوبريك

 هذه الورقة ميكروسوفت مكروسوفت افلام الافلام فيديو الفيديو فديو الفديو تلفزيون التلفزيون تليفزيون التليفزيون تليفزيونى التليفزيونى تلفزيونى التلفزيونى تليفزيوني التليفزيوني تليفزيونية التليفزيونية تلفزيونية التلفزيونية بقلم الكاتب مدحت محفوظ قدمت فى افتتاح احتفالات المجلس الأعلى للثقافة بمصر بمئوية السينما من 23-29 ديسمبر 1995 ، حيث ظهرت بعيد ذلك فى صدر الكتاب التذكارى للمناسبة . ثم أعيد تقديمها فى يوم السينما الأميركية فى برنامج دراسات ووثائق فى مهرجان القاهرة السينمائى فى 9 ديسيمبر 1996 . ونشرت بعد تنقيح شامل فى التوضيبة الثانية من كتاب ’ دليل الأفلام ‘ أغسطس 1998 .

 

 فى 2 ديسيمبر 1999 وتحت شعار رمزى اخترنا له اسم Think Internet! رئى وضعها فى الموقع -بعد تنقيحات إضافية ، لتكون فاتحة للمقالات السينمائية النقدية والتنظيرية باللغة العربية على شبكة الإنترنيت ، بل وأول صفحة عمود رأى إطلاقا عليها باللغة العربية . يفترض أن تصبح فاتحة لمواد أخرى تخص مختلف القضايا الفكرية والاجتماعية المطروحة عربيا وعالميا . تابع ما يضاف من صفحات جديدة تحت مسمى Views والتى ستظهر تباعا .

[ تحديث : بعد شهر : آخر ديسيمبر 1999 : انتهينا من وضع الصفحات الثلاث المنشودة لشهر Think Internet! ، وهى هولليوود ، التقنية ، الثقافة . نأمل أن تكون قد زرتها جميعا . كذلك يوجد عرض موجز لمحتوياتها ومصادرها فى مثل هذا المكان من الصفحة المذكورة أخيرا ] .

 [ تحديث : بعد عام : 2 ديسيمبر 2000 : عدد الصفحات وصل إلى 7 صفحات تحوى 50 ألف كلمة . الصفحات بترتيب ظهورها هولليوود ، التقنية ، الثقافة ، الصناعة ، الرقابة ، الليبرالية ، ما بعد‑الإنسان . يمكنك زيارة ما تم إبراده اليوم بالأخص فى هذه المناسبة ] .

[ تحديث : بعد عامين : 2 ديسيمبر 2001 : عدد الصفحات وصل إلى 14 صفحة هى بترتيب ظهورها هولليوود ، التقنية ، الثقافة ، الصناعة ، الرقابة ، الليبرالية ، ما بعد‑الإنسان ، الجنس ، الإبادة ، الجلوبة ، الفن الشعبى ، سينما ما بعد‑الإنسان ، سپتمبر ، الحضارة .

عدد كلمات هذه الصفحات بلغ صباح اليوم 140 ألف كلمة ، أو ما يوازى كتابا من خمسمائة صفحة . ولعل الملخص الذى أبرد لاحقا هذا الشهر بمناسبة انتهاء المائة يوم الأولى على حرب 11 سپتمبر يعطيك لمحة عن الحمية الكبيرة التى دبت فى صفحات الرأى هذا العام وبالذات فى الشهور الأخيرة ] .

ونحن نرحب بكافة المساهمات من تعليقات أو أخبار من زوار الموقع من خلال المساهمة المباشرة فى لوحة الرسائل إضافة أو قراءة أو بالكتابة عبر البريد الإليكترونى .

 

 

 

  ديسيمبر 1996 :

 

صناعة أم فن :

نظرية الفيلم الهولليوودى

Industry or Art:

The Hollywood Film Theory

 

تمهيد

Marilyn Monroe

Hollywood!

إذا كان جائزا القول إن الولايات المتحدة لم تضف بعد تعريفها الخاص لكلمة قدرة عظمى للقواميس انتظارا لما سيسفر عنه العقد الأول للقرن الحادى والعشرين ، فإن قول ذات الشىء عن السينما الأميركية ، لا يبدو جائزا …إنما مؤكدا !

إن كل الشواهد تدل أن السينما الأميركية ليست إلا فى بداية طريقها لسيادة عالمية لا يعلم أحد مداها . وكل ما قيل عن طغيانها وجبروتها وغزوها الثقافى ، إنما هو وصف لقرن أقرب إلى التعثر والمصاعب منه إلى النجاح . لقد شهد هذا القرن سنوات الميلاد والجهود الأولى لمجموعة من التجار اليهود المغامرين الشجعان الذين تحدوا القانون ، ورأوا الذهب فى التلال البعيدة ، هناك فى فلورنسا القرن العشرين المعروفة باسم كاليفورنيا ، فتحولوا من حرفهم الأصلية أولا إلى إنشاء دور للعرض ، ثم إلى تأسيس ستوديوهات لإنتاج الأفلام ، حيث توالت عقود من الكفاح المرير والدؤوب من أجل توليد وصقل الصيغ الإنتاجية والجمالية المناسبة لهذا الوسيط الجديد ، وبعد فترة ازدهار دامت حتى بعيد منتصف الأربعينيات بقليل ، بدأت النكبات بتحطيم الحكومة للستوديوهات الكبرى باسم معاداة التواثق والاحتكار ، وتكافح هولليوود شبح الإغلاق نفسه ، لقرابة ثلاثة عقود قبل أن تستعيد عافيتها من جديد . وأخيرا فقط بدأت رحلة الكفاح تؤتى ثمارها الحقة ، وتمهد لقرن جديد سمته الانفراد المطلق للسينما الهولليوودية بالساحة العالمية ، انفراد لا يعنى فقط إنتاج أفلام عالمية التوزيع ، إنما أيضا إنتاج أفلام ’ مزبننة ‘ لا تصلح إلا للتوزيع المحلى أو التليڤزيونى فى دولة بعينها ، وهى تجربة بدأتها هولليوود بالفعل فى بريطانيا ، وغالبا ما ستمتد لتشمل دولا ولغات أخرى ( وليس بوسع أحد استبعاد أن تصنع يوما الأفلام الناطقة بالعربية مثلا ، بواسطة ستوديوهات هولليوود ) .

لقد كان العقد الأخير من القرن العشرين ، أول عقد يشهد تجاوز الإيراد الخارجى للسينما الأميركية إيراداتها الداخلية ، وحتى بعض الأفلام التى حققت نجاحا كاسحا فى الداخل ( كالحارس الشخصى وغريزة قاعدية مثلا ) ، فاجأت الجميع بأنها تحقق أحيانا خمسة أضعاف هذا النجاح فى السوق العالمية ، بالمثل كانت التسعينيات أول عقد اعترفت فيه كل صناعات السينما القومية تقريبا باستسلامها وإغلاق أبوابها بعد عقود من المكابرة والعناد . إن رقما بسيطا كاف لتجسيد حجم الفجوة الآن ، ذلك أن نصيب أفلام هولليوود من إيرادات دور العرض فى كل العالم هو 92 0/0 ، بينما لا تحظى جميع صناعات السينما الأخرى عبر الجلوب ( بما فيها الإنتاجات من بقية الولايات المتحدة ) سوى بثمانية بالمائة فقط مما يدفعه سكان الكوكب لمشاهدة الأفلام  !

إذا كان الهدف من هذه الحلقات البحثية الإجابة على سؤال ماذا قدمت هذه السينما أو تلك ، للثقافة الإنسانية ، فإن الإجابة بالنسبة لهولليوود تبدو بسيطة وموجزة ، أنها قدمت السينما !

إن سينما هولليوود كما صممت أصلا فى عقول مديرى الستوديوهات المجيدين فى العشرينيات والثلاثينيات ( ولا سيما بعد دخول الصوت وبروز مشكلة اللغة ) ، سينما صممت لتكون سينما عالمية ، ولو كانت تسعى لترويج الثقافة الأميركية ونمط الحياة الأميركية  ، كما يقال عادة ، لما نجحت أبدا . إنها ليست مجرد سينما قومية أخرى ، بل هى السينما الوحيدة العالمية ، أو بدون حساسيات ، السينما كما يجب أن تكون .

إن هذه الورقة تفترض تلقائيا ودون حاجة لإثبات ، إن انفراد السينما الأميركية بالساحة العالمية وانهيار كل منافسيها ، يعنى ببساطة أنها الصيغة الوحيدة الصحيحة للوسيط السينمائى . وبالتالى تكرس ‑أى الورقة‑ جهودها وهدفها على سبر ملامح هذه الصيغة الإنتاجية والجمالية ( ولا نستخدم كلمة الفن السينمائى والصيغة الفنية فى ورقة يفترض أنها تعيد للمناقشة فرضية كون السينما فنا أو لأى مدى يمكن اعتبارها فنا ) ، تلك الصيغة التى كانت تحظى عالميا وثقافيا بالاستهانة أكثر منها بالاحترام على مدى سنوات القرن .

Legendary Cinecittà Studios, Rome, Italy.

Where’s the Point ‘Artistic Cinema’ MUST Stop?

Legendary Ufa Closed. Legendary Pinewood Closed. Legendary Cinecitta Closed.

The List Includes many Global and Local Legends (as Egypt’s Studio Misr) Closed or Almost.

إن الكتابات الحافلة حول نظرية السينما والتى كانت مصيبة بالطبع فى جوانب معينة ، كانت تفترض دائما أن السينما وسيط واحد يضم كل ما يصنع فى العالم من أفلام . واليوم بعد انهيار صناعات السينما القومية ، نصبح فى حالة تنوير إجبارية ، أن تلك الكتابات لم تمسك أبدا بتفسير لماذا تضمحل مناهج إنتاجية وجمالية بعينها وتزدهر أخرى . السبب هو أن تلك البحوث لم تسع أبدا للتفرقة بين النقيضين : صيغة أو صيغ معيبة ولا تلائم طبيعة الوسط السينمائى ، والصيغة الوحيدة الصحيحة التى أينعت دون غيرها ، لأنها نابعة وتفهم جيدا الحقائق والخصائص المتفردة أولا لوسيط السينما ، وثانيا لمستهلكه ، أى الإنسان ، سواء بسواء . نحن نعتقد أن ذلك النوع من الدراسة المقارنة يسهل علينا كثيرا محاولة إدراك الفلسفة الخفية للفيلم السينمائى وصيغه الفعالة الناجحة ، ومن ثم محاولة صياغة نظرية جديدة وواقعية للسينما ، تنبنى بالكامل على الصيغة الإنتاجية والجمالية التى وضعها مديرو ستوديوهات هولليوود قبل عقود طويلة .

أهمية الوصول لصياغة كاملة ودقيقة لهذه النظرية ، وهو أمر يتجاوز بطبيعة الحال طموح هذه الورقة الموجزة ، أمر نعتبره حيويا حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون يتمسكون بأحياء صناعات السينما القومية الغابرة . فعندنا فى مصر على سبيل المثال ، تقام الندوات والمؤتمرات بلا انقطاع حول هذه القضية ، لكنها جميعا لا تقترب ولا تمس من بعيد أو قريب النقطة الجوهرية ، ألا وهى ما هى السينما ؟ إنهم فى الواقع غير منتبهين لأن ما كانوا يصنعونه وما يريدون إحياءه ، هو ببساطة ليس سينما ، بل شىء يصعب حتى توصيفه توصيفا محددا .

إن كل تلك الجهود تبدو أحلام يقظة عبثية وتضييعا للوقت ، وإذا كان ثم أحد قد وعى الدرس ، فإنه لن يكون إلا البريطانيين . هؤلاء الذين وصلت ستوديوهاتهم مبكرا جدا لمرحلة الإغلاق المطلق ، بالمعنى المادى الملموس للكلمة ، لكنهم عادوا أخيرا جدا لفتحها تدريجيا ومن الصفر بالمعنى المعنوى والنظرى للكلمة . وانطلقت أفلامهم الكاسحة جماليا وبالتالى جماهيريا ، لتبهر العالم ويدفع مئات الملايين من الدولارات لمشاهدة ” لعبة الصراخ “ أو ” أربع جوازات وجنازة “ ، كأفلام مؤسسة بالكامل على أنجح وأرفع الصيغ السينمائية الهولليوودية .

Film director Steven Spielberg holds up a replica of his new star on the Hollywood Walk of Fame in Los Angeles, January 10, 2003.

Hollywood Walk of Fame!

فى كل ما كتبناه ونكتبه ، نقصد بالسينما الأميركية ، ضروبها وثيماتها الأكثر ازدهارا وشعبية وتقليدية وتكرارا ، قبل أن نقصد المحدود والمغمور والمراهق منها إن وجد . نقصد ما يصنع من أفلام رئيسة كانت أو مستقلة ، فى دائرة مقاطعة لوس أنچليس ، قبل أن نقصد ما يجرى فى المناطق الأخرى من القارة الأميركية . نقصد أفلام التيار الرئيس الأكبر والأشهر والأخلد . قبل أن نقصد مغامراتها ’ الفنية ‘ العابرة ( ليكن تعريف التيار الرئيس أنجح 10 أفلام فى كل سنة ونحن نضمن دائما تقريبا أن تكون من بينها الخمسة المسماة لأوسكار أحسن فيلم ) . نقصد ببساطة رامبو وإنديانا چونز وچيمس بوند وفريدى كروجر شارع إيلم ، قبل أن نقصد بوب رافلسون ووودى أللين وروبرت ألتمان أو حتى مارتين سكورسيزى وفرانسيس كوپولا ( إذا استبعدنا أفلامهما الناجحة جماهيريا محدودة العدد جدا ) . إجمالا نقصد السينما التى يترفع الجميع عن تحليل أغلب أفلامها باعتبارها سينما تجارية تافهة ، حتى لو كان صناعها هم سينيت وأينس وجريفيث وفورد وكاپرا وهيتشكوك وسپييلبيرج . نرفض كل ما يقال عن الغزو الثقافى والهيمنة …إلخ ، لأننا لا نفهم سوى شىء واحد هو أن هناك سلعة جيدة وأخرى رديئة . وبالمثل نرفض أى فصل مصطنع بين ما هو تجارى وما هو ’ فنى ‘ ، بل أننا نكاد نطابق بينهما فى الواقع ، إن لم نكن نتحاشى أصلا استخدام كلا الكلمتين . فالفهم الحقيقى فى رأينا لوسيط السينما هو فهم الخفايا الغامضة لأفلام توم ميكس ودووجلاس فيربانكس وآرنولد شوارزينيجر . هذه هى الأفلام التى تكمن فيها وفى نجاحها غير العشوائى ، أسرار النظرية العامة للفيلم الهولليوودى ، أو اختصارا : نظرية السينما .

تاريخيا كان ثم جهود نظرية جادة وحقيقية لعمل هذا ، لكنها ذهبت جميعا أدراج الرياح فى ظل التعالى والحذلقة العامة التى يشتهر بها تقليديا سكان العالم القديم . على رأسها تأتى بالطبع إنجازات الناقد وموجه الأفلام الفرنسى لويس ديلوك فى عشرينيات القرن ، حيث نادى بأن يفهم الفرنسيون الفلسفة التى يصنع بها الأميركيون الأفلام لا سيما جريفيث وأينس وتشاپلين ، لكن رد الفعل ضده جاء عنيفا ومتبلد العقل معا . ذلك أنه قال أن لوميير وغيره من الفرنسيين لم يكونوا إلا سذج السينما ، فى مقابل إثارة النشاط وسهولة الفهم والاستعقاد الفنى للسينما الأميركية . وقد كان شعار ديلوك الأكبر ’ ابدأ حرفيا تنتهى فنانا ‘ . بينما الجميع وحتى اليوم بما فيه عندنا نحن يصر على العكس . أيضا من كلماته الشهيرة عن عمالقة السينما الأميركية ’ جريفيث هو أول موجهى السينما ، وآينس هو أول أنبيائها ‘ . الواقع أن فهم ديلوك لفلسفة الفيلم الأميركى لا يقارن بفهم أحفاده فيما سمى الموجة الجديدة الذين أعجبوا بهيتشكوك أو فولر أو سيرك فقط بسبب المضامين المتمردة التى تحتويها أفلامهم ، وليس لصيغتها الإنتاجية والجمالية التى هى قاعديا الصيغة الهولليوودية المعتادة .

أيضا علينا أن نقرر أمرا ثانيا ، وهو أنه رغم إيماننا بأن من دور كل من الناقد وعالم الاجتماع تفسير سبب نجاح أو فشل فيلم مفرد دزن غيره ، ولا نوافق من يفترضون أنها ظاهرة لا تخضع للتحليل ( من هؤلاء ليويس ماير نفسه ! ) ، إلا أننا نعلم فى المقابل مدى تعقيد الظاهرة وكذا قصور الأدوات المتاحة حتى الآن . وإذا كنا لا نقبل قط إعفاء الباحث من تحليل أسباب نجاح وفشل الأفلام سواء كانت فنية أو اجتماعية ، فإننا نميل بشدة لافتراض أن نظرية الفوضى Chaos Theory ربما تلعب دورا بالغ الفائدة فى فك ألغاز النجاح والفشل . فإذا كانت أسعار الأوراق المالية ‑وهى عملية يفترض فيها العقلانية الشديدة‑ يمكن أن تتأثر بقرار فردى صغير فيؤدى لانهيار عام أو لتهافت كبير ، فإن السينما وهى مادة انفعالية محضة أولى بالتأثر بمثل هذه التصرفات . وكم سمعنا عن ضحكة عابرة متأخرة من أحد المشاهدين فى أحد العروض التمهيدية كانت البداية لموجة من الضحك ومن ثم لسلسلة من المراجعات الجيدة ومن ’ كلام الفم ‘ بين المشاهدين وفى النهاية لشعبية ساحقة للفيلم ، وغير هذا من الأمثلة كثير سواء كان فاتحة لنجاح هائل أو فشل ذريع .

ثالثا ، علينا بالمثل أن نقرر أننا لم نقصد أبدا أن السينما الحقة ابتكار هولليوودى خالص ، بل ربما العكس هو الصحيح . فالدنمرك والألمان والروس وغيرهم كانوا أيضا من أوائل من استكشفوا الصيغة المثلى للسينما . وحتى الخمسينيات كانت السينما لا تزال مزدهرة فى بقاع متعددة من العالم ، ما انفردت به هولليوود هو تمسكها بهذا الخيط الصحيح وحده دون غيره وبثقة وجرأة ورؤية صارمة منها ، بل واستقطابها لكل من يجيد جدله فى أى مكان فى العالم ، لينضم إلى صفوفها . ولم تسمح أبدا بالحيود عنه إلا فى حدود ضيقة جدا من الإبداع المدروس جيدا . وللأسف أنه ما أن تبلورت هولليوود كتيار رئيس للسينما ، حتى كان رد الفعل العكسى من الجميع ، أن ذهبوا يتخبطون فى صيغ إنتاجية وجمالية مخالفة تحت شعارات مثل الفنية والتجريبية والتجديد وتكسير القوالب وسينما المؤلف والذاتية والتمرد والواقعية …إلخ . وهى صيغ جمعها شىء واحد فقط ، هو الفشل المحتوم .

وأخيرا يجب أن نقرر كذلك ، أن سبر أغوار الصيغة الإنتاجية والجمالية الهولليوودية ليس بالأمر اليسير . على الأقل لا يزال الكثيرون يعتقدون أنها شىء أقرب لتعاويذ السحر ، لا يملك فكه إلا المديرين اليهود الكهول لستوديوهات هولليوود . فكثيرا ما حاولت بعض الدول صنع أفلام ضخمة التكاليف وناطقة بالإنجليزية ، بل واستقدام ألمع صناع السينما الأميركية لها ، رغم ذلك كانت النتيجة فشلا ذريعا يتكلف عشرات الملايين فى المرة الواحدة ( عمر المختار ، بوذا الصغير ، 1492 ، …إلخ ) . الأشد غرابة من هذا أن شراء الأجانب لستوديوهات هولليوود كما هى ، وبكل طاقتها ومواهبها ، كان يودى بها دائما لشفا الإفلاس أو الإفلاس الفعلى ( هذا ما حدث عندما اشترى الإيطاليون مترو ، والياپانيون يونيڤرسال وكولومبيا وتراى ستار ، والفرنسيون أو غيرهم أورايون وكارولكو …إلخ ) . هذا اللغز معناه ببساطة أن نجاح السينما الأميركية لا يقوم بالضرورة على إنجليزية لغتها أو جماهيرية نجومها أو ضخامة إنتاجاتها آو زغللاتها البصرية أو أخطبوطية شبكة التوزيع والعرض لها . ورغم الأهمية الجزئية لكل هذا اليوم ، إلا أن ذلك النجاح التاريخى انطلق أساسا فى عقود لم يكن لدى هولليوود أى شىء من هذا كله بعد ، فقد انطلق ‌ـ‌وانطلق فقط‌ـ‌ من طلسم الصيغة الإنتاجية والجمالية المنيع على الجميع تقريبا حتى اليوم ، الطلسم التى بذلت حتى الآن أقل الجهود من أجل فهمه وتحليله .

سنحاول فيما يلى استكشاف خصائص الوسيط السينمائى كما نعتقد أن هولليوود قد توصلت إليها . هذه الخصائص سوف نوجزها فى خمس كلمات : الضروبية ، الاستحواذ ، الهاى-تك ، الليبرالية ، المؤسسية . إننا نعتقد أن هذه الخصائص الخمس هى التى قادت هولليوود إلى المصير والدور المحتوم الذى كتبته عليها الأقدار ، إلا وهو أن تكون الدكان الوحيد لتصنيع الأفلام فى القرية العالمية الصغيرة للربع الأخير للقرن العشرين وما بعده .

 

1- الضروبية Genericalness

Rudolph Valentino in Son of the Sheik (1926).

King Kong (1933)

Snow White and the Seven Dwarfs (1937)

Gary Cooper and Barbara Stanwyck in Ball of Fire (1941)

James Cagney in White Heat (1949).

Natalie Wood and Richard Beymer in West Side Story (1961).

George C. Scott in Patton (1970).

Genres! Genres!

 النقطة الجوهرية وكلمة السر الهولليوودية الكبرى وسر السيادة الأعظم لها هى ببساطة مخيفة : الدراما . لقد اكتشف سادة هولليوود الأوائل أن السينما وسيط رائع للحكى ، ثم سرعان ما سرى الأمر على ما يبدو ليغرى جميع الوسائط باستخدامه أو الإغراق فيه .

لو حدث ووصفت عفوا الأفلام الوثائقية أمام أحد صناعها المهمين ، بأنها الأفلام غير الدرامية ، فسوف تواجه حتما بثورة عارمة منه ، ضد ما سوف يعتبره الإهانة الأقصى من نوعها التى يمكن أن توجه لأعماله . فكل الصناع المجيدين للفيلم الوثائقى يعتبرون الدراما أهم جزء فى إبداعهم ، وإن أفلامهم لو خلت من الدراما والبناء الدرامى لأصبحت مملة ولما استطاع أحد تحملها حتى النهاية .

عندما تحادث صحفيا أو مراسلا تليڤزيونيا أميركيا ‑بالذات‑ عن شغله ، لن تجده يستخدم مصطلحاتنا المعتادة ’ خبر ‘ ، ’ تحقيق ‘ ، ’ موضوع ‘ . فقط يستخدم كلمة واحدة دائما هى ’ قصة ‘ . هذه الكلمة ستبدو لك للوهلة الأولى أنها انتزعت من مكانها فى المعجم ووضعت فى مكان خاطئ ، لكنك عندما تتعمق مع هذا الصحفى أو المراسل فى طبيعة عمله تكتشف أنه فعلا لا يبحث إلا عن القصص ولا يكتب إلا القصص ، وأنه يستبعد دوما من أحداث الحياة وحتى من السياسة كل ما لا يمكن تسميته قصة ، فهذه أشياء لا تصلح للنشر فى رأيه ، لأنها ببساطة لا تهم أحدا !

إن تفسير هذا بسيط ، ويكمن فى طبيعة ذلك المستهلك الذى تقدم له تلك المادة ، وهو الإنسان . والدراما جزء عضوى جدا فى التركيب البيولوچى والعقلى لهذا الكائن ، وهو ‑غالبا بسبب خلل أو قصور ما فى عضو المخ عنده يصعب تخيل تكراره فى أى نظم حياة أخرى بذات ذكاء أو أكثر‑ ينجذب للدراما كما لا ينجذب لأى شىء أخر ، وهى تحدث فيه حالة يقظة عقلية ، لا تحدثها ذات المعلومات إذا لم ترتب بطريقة درامية .

لقد أصبحت الدراما اليوم ، هى جوهر كل صناعات الاتصال ، وأنت تقرأ أوصافا صحفية لكتاب عن الفيزياء النووية أو الجيل الخامس للحاسوب ، بأنه ’ مثير ‘ أو ’ مشوق ‘ رغم أنه لا يضم فى الواقع سوى معلومات علمية جامدة .

إذا كان ماكلوان قد قال أن ’ الوسيط هو الرسالة ‘ ، فإننا لن نشوه ما قال كثيرا إن عدلناه إلى تعميم مروع هو أن ’ الدراما هى الرسالة ‘ . هولليوود تفننت فى استكشاف الإمكانات الدرامية الكامنة لوسيط السينما وفجرتها إلى حدودها القصوى ، وهذا هو أساسا ما جعل هولليوود هى هولليوود . هذا التفجير هو ما سمى تاريخيا بالضروب genres أو الضروبية .

[ للدقة الدراما التليڤزيونية قد تكون قصة مستقلة . أساسا نظرية التليڤزيون هى المعايشة لا الدراما ( اقرأ دراسات ترجمناها فى كتاب مهرجان الإسماعيلية السينمائى 1995 ) . بمعنى أن المشاهد يقبل فى مسلسلات التليڤزيون الدفع السردى الضعيف أو البطئ ، ومكن الإثارة أن ’ من الجائز ‘ لا أكثر ، ان يحدث شىء مثير فجأة . فهكذا هى الحياة الواقعية . منذ الثمانينيات وبأعمال مثل ’ داللاس ‘ ودايناستى ‘ عرفت المسلسلات الدراما القوية الحاشدة السريعة والمثيرة على طريقة أفلام السينما . هل يرقى هذا لمستوى إلغاء النظرية الأصلية للتليڤزيون ؟ الإجابة صعبة . النجاح الساحق فى السنوات اللاحقة على كتابة هذه الورقة لما سمى بعروض الواقع reality shows أو البرامج غير المخطوطية unscripted programs ، لكن فى نفس الوقت مع تواصل الدراميات المثيرة ، يكاد يوحى أننا بصدد نظريتين للتليڤزيون . لكن بما أن هذا الكلام يتعارض قاعديا مع أطروحة ماكلوان حول الوسيط هو الرسالة ، حيث لا يمكن أن يكون المتلقى يتمثل الوسيط بطريقتين مختلفتين ، فالحقيقة أننا ربما أصبحنا بصدد نظرية معدلة للتليڤزيون تدخل فيها الدراما والإثارة بنسبة أكبر بكثير مما كان عليه فى الأربعينيات ، ذلك مع استمرار فكرة المعايشة هى الأخرى قائمة بل وقاعدية جدا . أو لعلنا نسمى النظرية الجديدة المعايشة بإثارة ! ] .

بعض القصص ممل وبعضها مثير ، ولو حاولت تفسير السبب لأعياك الأمر . قد تبحث أولا عن الإيقاع السريع ، لكنك تكتشف أن السينمات الأوروپية تحكى أحيانا قصصا تمتد عبر أجيال بتعاقب عال جدا للأحداث ، لكنك لا تشعر بالإثارة معها . أيضا قد تبحث عبثا عن عوامل حدة الصراع أو ما يسمى الاستقطاب الدرامى أو ذاك يدور حول شخصيتين بالغتى التناقض ، ومع ذلك لا يوجد فيه ما يدعو للاندماج معه ، مرة أخرى النصيحة هى البحث فى طبيعة الكائن المتلقى الذى هو الإنسان .

Tom Mix, circa 1921.

Father of All Genres!

لكن قبل هذا سنحاول أولا حصر الثيمات الدرامية الناجحة ، أى قوالب الحكى واضحة التكرارية فى السينما الأميركية سواء كبيرة أو صغيرة الإنتاج وذلك تمهيدا لمعرفة الخصائص العامة لها التى جذبت البشر إليها دون سواها . ولعل إمكانة حصر القوالب الدرامية هذا ، هو الفحوى الحقيقى لكلمة كيوبريك ، الصاعقة فى حد ذاتها ، والصاعقة أكثر عندما تصدر عن واحد من أكثر من اشتغلوا بالسينما إبداعا وابتكارا وتجديدا ، قال : ’ بعد السينما الصامتة ، لا يوجد جديد ‘ .

الويسترن هو أول ضروب السينما وأعرضها وأهمها جميعا على وجه الإطلاق . إنه أبو السينما وأمها وأغزر منابعها جميعا ، ولو كان قد قدر للسينما أو سيقدر لها أن تصنع ضربا واحدا من الأفلام لاختارت الويسترن دون أدنى تردد . لقد بدت السينما لعقود طويلة كما لو كانت اختراعا تقنيا صنع خصيصا لحكى قصص الويسترن . إن الغرب الأميركى الذى تقدمه هذه الأفلام ليس إلا فضاءا فسيحا يتجول فيه البطل وحيدا دون أن يستقر أبدا ، حاملا داخله فكرة رومانسية أو حزنا غامضا أو بقعة سوداء من الماضى ، هذا الفضاء يمثل الكون والطبيعة بالنسبة للإنسان منذ فجر وجوده على الأرض : بيئة عدائية تحمل المخاطر الدائمة والفجائية الفتاكة ، وعلى أوديسيوس نبيل الروح أن يتمتع بيقظة جبارة كي يبقى على قيد الحياة ويحقق ما يشبع هذه الروح المتأججة . إن الويسترن هو أقدم واعظم دراما ولدت مع فجر الإنسان ، إنه تراجيديا الوجود الإنسانى نفسه ، بعد وضعها فى خلفية القرن التاسع عشر . وهو أعظم قوالب الحكى المعاصرة جميعا فلسفية وكونية وعمقا .

Actress Janet Leigh appears as Marion Crane in the famous shower scene in Alfred Hitchcock's classic thriller Psycho (1960)

The Nightmare Genre!

القالب الثانى مبكر الازدهار أيضا هو الرعب : الإنسان فى مواجهة قوة مسوخية خارقة القدرة وشيطانية الشر تستطيع الفتك به بخبطة واحدة بسيطة منها ، وعليه أن يصمد أمامها صمودا جبارا كصمود يسوع أربعين يوما وأربعين ليلة فى وجه إبليس ! ألية هذا القالب هى كابوس معاش .

بالعكس هناك قالب المعجزة ، تخيل أنك وجدت نفسك فى عالم فانتازى يحقق لك حلمك الأكبر والأكثر جموحا فى لحظة ، فيأخذك لدنيا خيالات الطفولة الأخاذة ، لتجد ساحرة الشرق الجميلة فى انتظارك ، لتحيل بعصاها البراقة ذات النجمة المتلألئة كل حلم لحقيقة ، أو ماردا رهيبا يعرض عليك ثلاث أمنيات مستحيلة …قطعا لا يوجد فى دنيا الدراما ما هو أحلى من هذا الضرب .

رابعا يمكنك أن تذهب مسحورا مع قصص الحب الرومانسية الخارقة ، لتسبح مع فيلم حالم ( موسيقى عادة ) ، مع بطلين نسيا بدورهما الدنيا وكل ما فيها ، وذابا فى عالم صغير خلقاه بنفسيهما يشدوان فيه ويحلقان سويا فى خطوات راقصة إلى سماء تسمو فوق كل الماديات ، حيث يصبح كل العالم وإحباطاته وصراعاته وقبحه مجرد نسيا منسيا أو ثلة من التوافه التى ينبغى الترفع فوقها . فى هذه الأخيرة تكمن عادة دراما هذا الضرب .

خامسا ، وعلى العكس ، قد تجد نفسك فى ميلودراما ضد‌ـ‌جميع‌ـ‌الآحاد ، إما أن تعاندك ظروف طبيعية غاشمة تهدد أرضك أو مزروعاتك أو استثماراتك أو أن يعاندك عالم يسوده القهر الاجتماعى والظلم الطبقى بينما ولدت فيه فقيرا بلا حيلة . وفى أى من هاتين الحالتين تظل تكافح فى صبر وصمت رغم كل تلك الأقدار الغاشمة حتى تصل لتحقيق بعض أهدافك فى الأمان والاحترام والحب وتحقيق الذات .

على أنك سادسا ، قد تفشل أو تيأس من مثل ذلك الكفاح الدءوب ضد البيئة الظالمة والمجتمع الفاسد والضعيف المتواطئ ، فلا تجد تحقيقا لكرامتك ووجودك مفرا من الثورة ، فتصبح ساطى بنوك أو قطارات شهير ، أو قاتلا منتقما من أولئك الفاسدين . وفى كل الأحوال ورغم تصنيفك مع الأشرار فإنك تعبر عن الغضب الدفين لكل أهلك ومجتمع هؤلاء الذين يختلفون عنك فى شىء واحد : أنهم لا يملكون مثلك شجاعة التمرد .

لكنك سابعا ، قد تجد نفسك على العكس فى الضفة الصحيحة من القانون ، كأن تكون شرطيا أو محققا خصوصيا ، نذرت كل حياتك لشىء واحد هو تعقب الشر والقضاء عليه ، ورغم أن هذا الشر شىء عتى وواسع القدرة ، إلا أن عليك أن تستجمع كل ذكائك ومهاراتك البدنية والعلمية والعقلية لمداهنته إلى أن تقهره فى النهاية وتطهر المجتمع من آثامه .

ثامنا : يمكنك أن توجه بطولاتك إلى ميدان الحرب ، مبديا أعظم استعداد للتضحية بحياتك من أجل المثل العليا للوطن والعشيرة ، وتندفع فى اللحظة الحاسمة حاملا تلك الحياة على كفك فى مسعى بطولى خارق من أجل مبدأ عظيم اعتمل فى داخلك وربما لا يفهمه أحد سواك ، أو حتى لا تفهمه أنت نفسك فى لحظة أو موقف آخر .

تاسعا : يمكنك القيام بذات البطولات ليس إيمانا بمثال عال ، إنما بحثا عن لذة المغامرة فى حد ذاتها ، قد تصبح قرصانا يقفز فوق سفن الأمراء المتعجرفين أو غازيا لجزيرة يقال أن بها كنزا ، أو مغيرا على القلاع المحيطة بغابة شيروود ، أو مشاركا لعالم الآثار إنديانا چونز فى حملة صليبية خاصة بكما للعثور على الكأس المقدسة .

Charlie Chaplin and Jackie Coogan, The Kid (1921)

The Last But Not Least:

Art of Insult; Comedy!

عاشرا وأخيرا ، وبعد أن وضعتك كل الضروب التسعة السابقة فى موقع أدنى كثيرا من مرتبة أبطالها تنظر إليهم من أسفل إلى أعلى بإعجاب شامخ ، يظل هناك ضرب واحد يفعل العكس : الضرب الذى يجعلك أذكى وأقدر من الشخوص التى تراها : ضرب الكوميديا ، أو ما يمكن تسميته أوحت لى بهذا مقال الـ Charlotte Observer بعنوان The funniest jokes cut to the bone  محفوظ ياهوو 200210/01 فن الإهانة . هنا يجب أن يتعرض أحد لتحقير ما . يسقط الأبطال على الأرض ويتلقون الركلات فى مؤخراتهم أو على الأقل يغرر بهم الآخرون . إنهم حمقى لا يرون ما تراه أنت ولا يملكون حصافتك وقدراتك . أيضا ستجد أنه كثيرا ما تفجر فى هذا القالب غيظك الدفين من رتابة المجتمع وصرامة قيوده وتعالى وغطرسة أصحاب المراكز فيه ، فتقرر أن تركل الشرطى ، أو تدفع بالتورتة فى وجه رئيسك فى العمل ، أو تنزع الرداء المنفوخ للبارونة المتخايلة . ببساطة أنت الآن أسمى كائن فى الكون !

لماذا هذه القوالب تحديدا : يجب أن نسلم أولا أن أى قالب قد استمر من الأصل لسبب بديهى هو أنه واحد من الأنجح والأكثر فعالية بين زملائه فى معركة البقاء . هنا لا يجب أن نقول على الأفلام التى تنتهج هذا القالب أنها ’ تقليدية ‘ ومكررة ، بقدر ما يجب أن نقول أنها تعتمد على واحد من أفضل البنى الدرامية الممكنة التى عرفتها البشرية . ثانيا وهو الأبعد من هذا أن هذه القوالب لم تكن لتعيش أصلا إلا لكونها مادة مرنة تسمح بالإبداع المتوالى والتجديد المستمر وإمكانة الإضافة عندما يكون لدى شخص بعينه الموهبة والبراعة ليرى إمكانة التطوير والخلق .

هذا من منظور الخلود ، لكن ماذا عن الخصائص التحليلية الداخلية لهذه القوالب . أول خاصية يلوح لنا أنها تجمع هذه القوالب العشرة ، التى تقتصر عليها سينما هولليوود بصرامة شبه تامة ، هو أنه جميعا مأخوذ من مصدر واحد هو الدراما الكلاسية اليونانية ، وأساطير البطولات الفردية الخارقة فيها . فهى إما تحدى شبه مجنون لأقدار غاشمة ، أو سعى تراچيدى لأهداف نبيلة مستحيلة ، أو مواجهة يائسة لقوى شر عاتية أو مسوخ فتاكة ، أو تمرد نبيل ضد مجتمع عاجز ، أو تضحية سامية فى سبيل الغير ، أو تمسك شبه أحمق بالمثل العليا فى رومانسية لا يقرك عليها أحد ، أو إلقاء نفسك فى نيران التطهر من أجل تسامى وولادة جديدة لروحك .

الخاصية الثانية فى هذه الضروب العشرة ، هى أنك لا تستطيع فى كل هذا أن تصنع دراما لا تتملق الإنسان ، فالفن خاصية إنسانية ، شىء ابتكره الإنسان ليستهلكه الإنسان ، وكل ما سبق من ضروب يشترط بالضرورة كى يتوحد المشاهد معه ، أن يتبنى وجهة نظر الإنسان ، وتمجد فى بطولته وشجاعته وقدرته وعزيمته ونبله …إلخ ، كما لا يمكنك مطلقا إلا أن تنهى هذا التمجيد بانتصار ، وهذا هو سر النهايات السعيدة ( حالات قديرة واستثنائية جدا التى جعلنا بعض صناع الأفلام بالذات هيتشكوك وكيوبريك ، نتهلل فيها مع حقارتنا الأصيلة النابعة عضويا من كوننا أناسا ) .

الخاصية الثالثة هى أنك توحدت فيها جميعا مع بطل معين ، ضد الآخرين وضد التحديات وضد الكون نفسه أحيانا . إنهم النبلاء الذين يضفون على حياتنا معنى وبدونهم لن تسير حياتنا كما نريد لها أن تكون نفقد المثل العليا وروح الكفاح والإيمان بالصواب إلى آخر المعانى السامية التى يجسدونها لنا ويحفزوننا من خلالها لمواجهة تحديات وفساد حياتنا الواقعية . أنت فى حاجة لمثل هذا التوحد مع من هو أعظم منك ويفعل ما لاتقدر أنت عليه . والغريب هنا أن ميكانية هذا التوحد معقدة وغريبة بل ولا عقلانية أحيانا ، لدرجة تدفعنا للقول أن ذلك التوحد يكاد يكون مطلوبا فى حد ذاته عند المشاهد . إنك تشعر بالعظمة عندما يشعر هو بالعظمة وبالإحباط عندما يشعر بالإحباط ، وأخيرا تتهلل فى مقعدك عندما يفرض ذاته الكاريزمية ويكتب النهاية السعيدة للفيلم . وأنت مع الفيلم تحب ما يحب وتكره ما يكره دون أن تتدبر هذا عقليا —هل تحب حقا انتصار عصابة دون كورليونى وسيطرتها على نيو يورك فى الحياة الواقعية ؟ ! ( الحقيقة إن سعى الطرفين ‑هولليوود والجمهور‑ لمثل هذا التوحد المطلق هو السر وراء ظهور نظام النجم . إن ما تبيعه هولليوود حقا هو هذا التوحد ، وهذه الكلمة والتى سنخوض فيها مطولا تحت اسم أعم هو الاستحواذ ، هى الكلمة السحرية التى نفتقدها فى أفلام المهرجانات والسينمات القومية وما إليها ) .

وعندما تجتمع تلك الخصائص الثلاث فى قصة ، فإن مديرى ستوديوهات هولليوود المرعبين يسحبون أقلامهم ويؤشرون بقبول المخطوطة .

الواضح أن التوحد لا يعنى بالضرورة كما هو واضح التوحد مع حلم ، إنما قد تتوحد مع كابوس أو صراع مخيف أو وضع يائس أو فقر مدقع ، إلى آخر البنى الدرامية للضروب العشرة الكبرى . وعلى سبيل الدقة يجب التقرير أن هناك بعض الاستراتيجـيات الفرعية غير الانفعالية التى تراهن عليها بعض الأفلام من أجل خلق التوحد : أولا نقصد الكوميديا سواء كبيئة الحكى التى تستخدم بنجاح فى كل ضروب الأفلام بما فيها الرعب ، أو ككوميديا الفارص التى هى ضرب سينمائى له آلياته الانفعالية الخاصة . فالكوميديا ككل بنوعيها هذين ( الأول الممكن اجتماعيا والثانى المستحيل اجتماعيا ) ، تنطوى تأكيدا فى ذات الوقت على آلية ذهنية بالغة ، هذه هى آلية المفارقة . والمثير للفضول هنا أنه بدون ذهن يقظ لن يضحك المشاهد قط مع النكات ( بل إن بعضها يحتاج لثقافة كبيرة وخلفية واسعة لفهمه ، ومن ثم الضحك معه ) ، بينما لا يحتاج لذات اليقظة للبكاء مع بطلة فقدت حبيبها أو التهليل لبطل يحصد الأعداء بمدفعه . ثانيا هناك ضرب صغير لا يراهن على الانفعالات بالمرة بل هى أفلام ذهنية خالصة وهو ضرب الغموض ، وهى حالة خاصة جدا يكون التفكير هو نوع من الاندماج الكبير مع الأفلام لا الخروج عليه . الاستثناء الكبير الثالث هو السيريالية ، وهى تلعب على صعيد مختلف جذريا للتوحد ، لا هو العاطفة ولا العقل ، بل مخاطبة العقل الباطن مباشرة وبالأساس . فليس المطلوب هنا أن ينفعل المتلقى أو أن يفكر ، كل المطلوب أن يسترخى فى حالة من الاستنوام ويدع كوابيسه وأحلامه الباطنة تطفو للسطح . وعادة ما تشاهد الأفلام السيريالية تحت تأثير العقاقير ، وهو تقليد اكتشفته جماهير الشباب عام 1968 مع فيلم ” 2001 —أوديسا الفضاء “ ولم تتخل عنه قط حتى الآن ( ربما شعر لوى بونويل الذى يشتغل على هذا الضرب منذ أول الثلاثينيات بالحسد الشديد أن أحدا من جمهوره لم يستخدم هذه الطريقة ! ) . بخلاف هذه الاستثناءات الثلاث والتى أثبتت نفسها بالفعل فى صندوق التذاكر بأفلام صغيرة أو متوسطة لكن عالية الربحية عادة ، لا نكاد نرى مبررا يجيز الخروج عن استراتيجـية الانفعال ، والذى لولا هذه الاستثناءات لقلنا أنه القانون المطلق للسينما ( بل الواقع أننا حتى لو قلنا هذا لما أخطأنا كثيرا ! ) ، وسنفضل بعد قليل بدلا منه الكلمة الأعم وهى ’ الاستحواذ ‘ لتسميتها بقانون السينما . مشكلة الحركات المسماة بالفنية أنها تضحى بمبادئ التوحد والاستحواذ بل وبأساسيات الدراما المدرسية جدا ، سواء عن عمد أو دون أن تدرى أو ‌ـ‌وهو الغالب‌ـ‌ لأن صناعها لا يملكون الوسائل لذلك . فى مقابل هذا هناك مبدعون حقيقيون يحاولون تجريب وسائل جديدة للتوحد والاستحواذ ، وهؤلاء هم المجددون الحقيقيون للوسيط السينمائى .

المفارقة أنه رغم تلك الجذور الضاربة للدراما فى العقل الثقافى الجمعى للبشرية ، أن تكون اليوم هى أصعب العملات جميعا فى دنيا صناعة الأفلام المعاصرة . وهى من الصعوبة بحيث لا نكاد نرى الآن فرصا لتخليقها كما يجب ، فى أى مكان آخر فى العالم باستثناء حدود مقاطعة لوس أنچليس ‌ـ‌كاليفورنيا .

 

2- الاستحواذ Overwhelmingness

James Barry's neo-classical 'King Lear Mourns the Death of Cordelia' (1774).

Drama! Drama!

الأرجح أن أزمة السينمات القومية وجذور انهيارها لا تكمن فقط فى تسرعها فى اعتبار السينما فنا ، بل تكمن ‑وهو الأسوأ‑ فى تعريفها القاعدى نفسه للفن . فهى لا تزال تعتمد تعريفا كان يستخدم فى بعض الأحيان وليس كلها لتعريف الشعر ، وهو أنه تعبير عن الانفعالات الداخلية لصانع الفن . السينما بالذات تقنية حديثة ومكلفة ماليا ، ومن ثم لم يكن بوسع هولليوود اعتماد مثل هذا التعريف بالغ الترف ، فمن الأنانية بمكان ‑وربما الغباء‑ أن يستخدم شخص أموال غيره من الناس للتعبير عن انفعالات مر بها هو ولم يشاركه فيها أحد سواه .

سبب آخر لاستبعاد هذا التعريف للفن جاء من طبيعة الوسيط السينمائى نفسه ، فهذا الوسيط لا ينفذ بواسطة شخص واحد ، حتى يمكنه التحكم فيه بالكامل للتعبير عن رؤاه أو انفعالاته ( حتى بفرض أن أراد أصحاب رأس المال منه ذلك ) . إنه من ثم وسيط يستبعد تلقائيا وبالضرورة الذاتية والخصوصية لأبعد مدى . والحالات العكسية كالتى صارت تقليعة فى أوروپا وبعض دول العالم الثالث فى الستينيات والسبعينيات ( جودار ، فللينى ، فاسبندر ، شاهين ، …إلخ ) تعد قسرا يلوى ذراع الوسيط السينمائى ، وحكم عليها على الفور برفض الجماهير السريع .

Audrey Hepburn

Carroll Baker in The Carpetbaggers (1964)

Glamour!

السبب الثالث لفشل ذلك التعريف للفن وهو أهم الأسباب جميعا ، هو أنه من الأصل وفى العموم تعريف خاطئ . إن كل منا يستطيع أن يكتب خواطره ومذكراته ويدون مشاعره ، دون أن يسمى هذا فنا أو شعرا ، فأول شروط الفن إذن هو أنه وسيط اتصال يفترض بالضرورة وجود متلقى أو مستهلك له . على أن كتاب المقالات الصحفية ومؤلفى الدراسات والكتب ، يعبرون أيضا عما جال بخواطرهم أو استشعروا آو انفعلوا به وتخيلوه ، وأيضا لا يسمون هذا فنا بل فكرا . إذن الشرط الضرورى للفن وجوهر التعريف الصحيح لكلمة فن أن هذه المادة الاتصالية تهدف بالأساس وبالكامل تقريبا لتحريك انفعالات المتفرج ( وليس عقله بالمرة ، إلا إذا عاد فيما بعد التأمل فى الأفكار التى ربما انطوى عليها ما شاهده ) . وليس من الضرورى أن ينطوى الفن على أى فكر ، لكنه لا بد بالضرورة أن ينجح فى إثارة انفعالات ووجدان المستهلك .

الحقيقة ببساطة أن الشعر القديم ‑حتى وإن كان يعبر عن تجربة شعورية ذاتية‑ لا يعد فنا إلا لقدرته على تحريك المتلقى بكاء أو ثورة أو خوفا أو ضحكا أو حماسة …إلخ .

باختصار : الانفعالات emotions ثم الانفعالات emotions ثم الانفعالات emotions هى ما يدور حوله الفن !

فى الواقع مفهوم الانفعالات كمادة للفن قدمت له وأتبناه من خلال اقتباس عن چون كارپنتر فى كتاب سنوى للأفلام من أواخر التسعينيات أو أوائل التسعينيات لعل أشهر عبارة تقتبس عن ناقد فى حقل الفن التشكيلى هى كلمة المعروف جدا الأميركى من أصل يهودى ليتوانى برنارد بيرينسون حين قال فى سنة 1897 ’ ليس ما يعرفه الإنسان ، إنما ما يشعر به ، هو ما يخص الفن . ما عدا ذلك هو علم ‘ . قد يغضب الشق الثانى من العبارة قليلا من يرون أن الفنون يمكن أن تعامل كعلم ، تنقد وتدرس وتحلل وتخضع لقواعد وآليات . لكن المؤكد أنها برمتها تشيط غيظا حتى نخاع العظام نقاد وفنانى اليسار ممن ينظرون للفنون ‑وللسينما من بينها‑ كوسائط لتوصيل الأفكار والذهنيات والنظريات .

لدى مقارنة السينما بالفنون التقليدية فيما يخص قدراتها على تملك المتلقى ورج طاقاته الانفعالية التى هى أبرز خصائصه كإنسان ، والتى تميزه عن أى كائنات واقعية أو افتراضية عقلانية خالصة ، نكتشف أن قدرة السينما أكبر كثيرا ، ونحن لم نسمع قط عن كتاب أو مسرحية دفع فيه الناس بليونا أو حتى مائة مليون من الدولارات ، لكن هذا يتكرر سنويا لأكثر من فيلم . أو بصياغة أخرى فلسفية : السينما هى أحد أقوى الأشكال المعروفة لممارسة إنسانيتنا . البعض يمارس إنسانيته بالدين أو اليوجا والبعض بالغرائز الحسية والبعض بالعقاقير والبعض بالرقص والبعض بتشجيع فريقه المفضل وهلم جرا ، لتظل السينما أقوى وأرقى أداة معروفة لممارسة انفعالاتنا ، وذلك لأقصى حدود الاختبار والاستدعاء والإخراج التى أمكن التوصل إليها للإنفعالات وفى نفس الزمن المحدد . وعادة ما ترتبط الحدود القصوى لطاقاتنا الانفعالية فى أى وقت ، بقدرات ذلك الوسيط المحدد المسمى السينما ، الذى أمكن له أن يرسخ كالجبهة الطليعية فى حقل كهذا ( مثلا فى ربع القرن الأخير لم يكن ثمة شىء واقعى أو تخيلى ، قصة فى صفحة الحوادث أو رواية أو مسرحية أو لوحة أو مقطوعة من أى وسيط آخر ، لم يكن ثم على وجه الأرض ما يرعبك أكثر من فيلم ” الفك المفترس “ أو يضحكك أكثر من فيلم ’ الطائرة ‘ أو يبكيك أكثر من فيلم ” تيتانيك “ …وهكذا ) . أو بكلمة : لا وسيط يمكنه أن يستحوذ overwhelm على الإنسان كما السينما .

A Neiman Marcus Ad (2004)

A Neiman Marcus Ad (2004)

Victoria's Secret ad of Gift Cards for Valentine Day (2005)

Beauty as a Law!

المكانة المميزة التى تتمتع بها السينما فى هذا المجال ، لا تنبع فى واقع الأمر من تفرد فى النوعية ، فهى تعتمد ذات القوالب الدرامية وتلجأ لنفس الإستراتيچيات القاعدية وتمارس نفس المحاولات فى صنع التأثير . الفارق إذن لا يرجع إلى اختلاف النوعية بين السينما والفنون القديمة ، بقدر ما يرجع لاختلاف الدرجة ، وإن كان فى الحقيقة اختلافا كبيرا . كل ذلك يرجع إلى الوضع الخاص جدا الذى يتمتع به هذا الوسيط فى حد ذاته ، ولأسباب مادية محددة وملموسة داخله ، حققت له هذه القدرة المتفردة فى التلاعب ورج انفعالات المستهلك . إنها ببساطة إمكاناته غير المسبوقة فى تضخيم وتغزير حفز هذا التحرك وبقوة لم يسبق أن اعتادها البشر . فالسينما تستطيع جعل العين ترى كائنات عملاقة ومسوخا جبارة لا يقدر أى فن آخر على تجسيدها لتصبح فى متناول إبصار الإنسان ، بعد أن كان أقصى المتاح للفنون هو وصف تلك الأشياء بالكلمات .

السينما تستطيع بالمثل صنع أجمل الفتيات ، وتصورهن من أفضل الزوايا وحدها ، بنفس القدر الذى تستطيع فيه تصوير الأشلاء وقطع اللحم المتطايرة من جسم الإنسان لدى تفجير قنبلة فيه ، وهلم جرا من العوالم البعيدة والخيالات التى لا حدود لها . السينما تستطيع كسر حواجز الزمان والمكان فى غمضة عين وعلى نحو بالغ الإثارة وغير محدود ، بل إنها تستطيع كسر كل ما عدا هذا من قوانين الطبيعة جميعا إذا ما أرادت . تستطيع خلق سرعات عالية للحركة ، وتوافق مذهل للراقصين يستبعد الأخطاء المحتملة لهم على المسرح ، وتستطيع جعل راعى البقر يقتل ستة أشرار فى أقل من ثانيتين …وهكذا .

والواقع أن تقنيات السينما لا حدود نهائية لآفاقها . وكأى تقنية يتيحها العلم ، تفرض على الفور ما يمكن تسميته حتمية تقنية . ونكتفى بذكر مثال كلاسى واحد يثبت هذا ، هو زاوية التصوير المسماة عين الطائر . لا يوجد وسيط آخر يستطيع النظر للأشياء من عل من زاوية عمودية تماما ، وفى الثلاثينيات تخصص موجه الاستعراضات باسبى بيركلى فى خلق آلاف اللقطات المبهرة لتشكيلات بالغة فى التعقيد والدقة لأجساد عشرات الراقصات اللاتى يتحركن فى حركات دائرية متطابقة وهن راقدات على الأرض . لقد كانت عين الطائر ببساطة حتمية تقنية خالصة فى حينها . وليس إلا . والسؤال المذهل حتى اليوم هو لماذا حققت أفلام بيركلى كل ذلك النجاح رغم أنه لم يكن بها أى مقومات أخرى تؤهلها حتى للتسمية كأفلام ، بما فيها المقوم القاعدى جدا الذى هو الدراما كما سبق وأشرنا .

إجمالا ، إن السينما لن تكف أبدا عن تقديم كل ما تفوقت فيه دون غيرها من الوسائط ‑وبالذات تجسيد العنف والأشلاء‑ إذ لم توجد على الأرض قط حتى اليوم قوة استطاعت إيقاف اندفاع العلم والتقنية ، بما فيها الإنسان . خلاصة ما سبق أن السينما وسيط تمكن لأول مرة من تحقيق أول استحواذ كامل حقيقى ومطلق على أهم حاسة فى الكائن البشرى ، ألا وهى الإبصار .

الحاسة التالية فى الأهمية هى السمع ، فيها حققت أيضا السينما فتوحات غير مسبوقة ، فبفضل التطور الحديث للتقنية ، بات الاستحواذ على هذه الحاسة كاملا ومطلقا أيضا . وأصبحت الأذن تتلقى كما كثيفا من المعلومات فى ذات اللحظة لا يتاح فى الحياة الواقعية أو الوسائط الفنية الأخرى . لم يعد يقتصر هذا على الحوار المتدفق وخلفيات الغناء والموسيقى والمؤثرات الحية الصوتية الواقعية ، بل تجاوزها جميعا لخلق ما هو غير واقعى فيها جميعا . فمنذ تطور تقنيات الصوت فى السبعينيات وحتى الصوت الرقمى للتسعينيات ولم يعد كلام ممثلى السينما ولا غناؤهم ولا عزف آلاتهم أو حتى صوت حفيف ملابسهم أو لكماتهم المتبادلة هو بالأصوات التى يمكن سماعها فى الحياة الواقعية أو فى المسارح ، بل هى أصوات بالغة الدوى مخلقة ومحسنة جذريا لمدى يتجاوز كل واقعية ممكنة ، وفى العقود الأخيرة أصبح الرهان الأكبر للسينما لجذب الجمهور من أمام أشرطة الڤيديو ، هو بيع تلك الأصوات ذات القدرة الاستحواذية الفريدة إليهم . إنها حتمية تقنية أخرى أن كثر لدرجة مثيرة للاستغراب تكسير الزجاج فى أفلام النصف الثانى للتسعينيات . والتفسير ببساطة أنه يصدر صريرا رائعا يصم الآذان فى دور العرض الرقمية !

لا يكتفى صناع السينما الهولليوودية بهذا الاستحواذ المباشر على الحواس ، بل راحوا يركزون على الجو غير المباشر للمشاهدة ، الأمر الذى جعلها أكثر إمتاعا . وقد اكتشفوا طرقا متعددة لخلق مثل هذا الجو الخلفى ، هم مثلا يفضلون الجمال على القبح . ودون أن يكون الهدف زغللة الأبصار فإنك ترى دائما أحدث تصميمات الأزياء والملابس وتسريحات الشعر حتى مع الأشخاص والأماكن العادية ، هذا يؤدى لنوع من التلذذ العام أثناء المشاهدة . والألوان الزاهية البراقة وغير الواقعية بالضرورة لعبت هذا الدور منذ ظهور تقنية الفيلم الملون ومرشحات التصوير الرافعة لجماليات الصورة ، وذلك فى جميع الأفلام واللقطات ، ودون أن تكون مكونا جوهريا يستلزمه الصراع الدرامى . هذا يفسر بالمثل لماذا يكون أبطال السينما فائقى الوسامة فى العادة ، ونجماتها باهرات الجمال دائما ، حتى لو كن يؤدين أدوار تمثل البؤس وعدم الحيلة ، ولا تهدف مطلقا لتحريك أى نوع من الإثارة الجنسية لدى المشاهد .

من ناحية أخرى نحن فى احتياج دائم لأن نرى دوما أمام أعيينا النموذج باهر الجمال والثراء ، والذى يتمتع بكل أشياء الحياة ، ذلك رغم أنه الأبعد ما يكون عن واقع حيواتنا نحن أنفسنا . السبب ببساطة أنهم يشحذون خيالنا وكفاحنا من أجل حياة أفضل لنا نحن أنفسنا . هذا يفسر مثلا سر النهم الهائل فى الجرى وراء أخبار ما يجرى فى كواليس بيڤرلى هيللز من مغامرات وحواديت وفضائح وأى شىء ، وكلنا يتمنى فى داخله لو كان هو بطل هذه الحدوتة أو تلك الفضيحة . بالمثل كل منا فى حاجة لمعرفة ما هى أروع طريقة ممكنة لممارسة الجنس . كل فتاة تحلم بأن تمارس الجنس مع أولئك الناس الرائعون على الشاشة ، من كلارك جيبول حتى ميل جيبسون . نفس الشىء ينطبق على الرجال وفاتنات السينما . ربما يكونون لا شىء فى الفراش ، لكنك لن تعرف أبدا دون أن تجرب . وبما أنك لن تجرب أبدا ، فالأفضل أن تظل تعيش للأبد فى الحلم الجميل . باختصار : إن هؤلاء النجوم يقومون تقريبا بذات الدور القديم للملوك ، أبناء الآلهة على الأرض : الإلهام وإشاعة الحياة .

قيل دوما نتيجة لهذا أن هولليوود هى مصنع الأحلام من حيث وسيميها وحسناواتها وإبهار خلفياتها ، لكننا عند هذه النقطة من البحث نقول أن ما ذكرناه عن الجمال ليس سوى جوا عاما لتعزيز الاستحواذ علينا بكوابيس الرعب المخيفة أو بقبح وبؤس الحيوات الاجتماعية المتدنية المقبضة ، أو بوحشة ومخاطر حياة الويسترن ، وكلها منتجات هولليوودية مائة بالمائة ، دون أن يمكن وصفها بالأحلام .

الجو العام الثانى الذى تعمد إليه هولليوود لتعزيز الاندماج مع الأفلام هو الكوميديا أو خفة الظل العامة . بناء على اكتشافات هيتشكوك فإن خفة الظل واردة حتى فى أشد أفلام الرعب رهبة . ويبدو أن هذه الفكرة امتدت خارجا لتشمل كل صناعات الاتصال ، فنجد أن مذيعى الإذاعة والتليڤزيون وكتاب الصحافة وحتى مؤلفى الكتب العلمية يستخدمون دوما التعبيرات الخفيفة والطريفة لتحسين جو التلقى أو القراءة . لقد أضفت هولليوود جو المرح على كافة مناحى حياتنا الواقعية ، بحيث أنك تتوقع أن يسخر المدير فى العمل من أخطاء مرءوسيه ، بدلا من أسلوب التأنيب المباشر القديم والعنيف ، وهلم جرا .

الفن حرب منهجية منظمة يشنها صانع الفن على أعصاب المتلقى بهدف تفجيرها ، وتحطيم دفاعاتها . هذا هو المنطلق الثابت لهولليوود فى خلق الاستحواذ ، والفنان العظيم ( وفى ذهننا فيما يخص السينما هيتشكوك بالدرجة الأولى كأعظم من صنع الأفلام ) ، هو من يشن هذه الحرب بدم بارد ودون مبالاة أو رحمة بالضحية . إن الفن بهذا المعنى هو تخليق المشاعر والانفعالات الخالصة ، بطريقة عقلانية خالصة ‌ـ‌أو قل باردة الدم . والفنان الذى ’ يحس ‘ أو ’ ينفعل ‘ أو ’ يندمج ‘ ، مع مادته ، ليس فنانا كاملا ، ويصبح كمن يتذوق السم قبل توصيله للضحية ، والنتيجة إما أن يموت فلا يقدم للضحية شيئا ، أو أن يتضح أن ما صنعه لا يصلح لوظيفة السم .

Disney's Celebration Town Center, Celebration, Florida.

The Dream Factory:

200401/16TOWN.html ‘A Place That Takes You Back to That Time of Innocence.’

الأبعد من هذا وذاك ، ذلك التعاقد الضمنى لتذكرة السينما هو إنك تبيع نفسك لصانع الفيلم كفأر تجارب طيع عليه أن يتحكم فى انفعالاتك فى كل لحظة وبأقصى قوة ممكنة ، والويل له لو تقاعس عن ذلك لحظة واحدة ، أو حتى وهن قليلا فيه ، ساعتها ستعاقبه بأن تخبر أصدقاءك أن لا يذهبوا لمشاهدة هذا الفيلم أبدا . هذا هو الاستحواذ وهذه هى لمحة أولية عن قوانينه وأسراره . والبديهى أنه بناء سينمائى شاهق ، وأنه يتهاوى تأكيدا لم يكن قد بنى على أرضية صلبة هى تلك الضروب صخرية الرسوخ منذ أيام أرسطو وهومر والتى تحدثنا عنها فى القسم السابق .

من منظور ما نتوقع أن يتخيل القارئ أننا نتحدث عن هزيمة طوعية ، يذهب المتفرج إليها برجليه ، ويدفع ثمنا للكتاب أو للتذكرة كى يهزم فيها طوعا ، وأن سعادته تأتى من الهزيمة فى هذه الحرب ، وأن درجة الانهزام فى هذه الحرب يعطيها مؤشر صريح هو الإيرادات الكبيرة التى تحققها الروايات والأفلام الأكثر استحواذا على المشاعر أو ضغطا على الأعصاب ، والعكس بالعكس . لكن إذا ما وضعنا بالذات فيما يتعلق بالسينما الحملات الإعلانية السابقة لعرض الأفلام والتى تصل تكلفتها أحيانا لما وراء المائة مليون دولار ، لأدركنا أن لا مكان فى هذه الحرب الشعواء للصدفة أو للطوع .

على أن أسلحة الحروب متنوعة ، وليس غاز الأعصاب بالضرورة هو الوسيلة الوحيدة لإرضاخ العدو ، فهناك الغازات المسيلة للدموع وغازات الضحك . إن الفن فى أدق تعريف له فى تقديرنا هو حرب دمار شامل كيماوية‌ـ‌بيولوچية ، ذات أغراض محددة تصوب إليها ، هى رفع نسبة الأدرينالين فى دم الضحية ، أو مهاجمة غدده الدمعية ، أو مراكز الضحك فى المخ عنده . وكلما كانت تقنيات هذه الحرب أشد فتكا وتدميرا ، كلما كانت نتائجها مضمونة وفعالة وناجعة ، وتحقق السعادة لجميع الأطراف . جميع هذه الغارات ‑أو التقنيات الحربية‑ نمتها وخبرتها السينما على نحو متبلور وشبه يقينى ، فيما يسمى الضروب السينمائية ، التى كما رأينا ركز كل واحد منها على طريقة محددة للفتك بالمشاعر والأعصاب .

النتائج الأولية المترتبة على هذا النوع من الدراما فائقة الاستحواذ نتائج مثيرة حقا . فى كل ما سبق قلنا الدراما هى الصراع ، والاستراتيچية الرئيسة فيها هى التوحد أساسا من خلال التعاطف مع بطل تحول بينه وبين هدفه النبيل تحديات عظيمة . هذا هو الأساس الذى تنبنى عليه معظم القصص والروايات والمسرحيات ، وكلها يعتمد إن أراد التأثير فى مشاهديه على قوالب الحكى الإغريقية المختبرة مرارا والتى ثبت بالتجربة أنها الأكثر فعالية لدى بنى الإنسان . قبل قليل قلنا أيضا أن أبطال الشاشة هم النبلاء الذين يضفون على حياتنا معنى وبدونهم لن تسير حياتنا كما نريد لها أن تكون . ما لم نقله حينئذ هو لماذا أبطال السينما نبلاء بالضرورة ، والحقيقة أن السبب بالغ البساطة وهو أن النبلاء غير موجودين فى الحياة الواقعية .

ذلك النوع من الدراما الأسطورية يستتبعه بالضرورة أن تكون الأفلام عالما قائما بذاته بالكامل ، وأن تكون علاقتها المباشرة بالواقع ، علاقة شبه معدومة . إن دور الواقعية هنا ليس تقديم محتوى سياسى أو اجتماعى كما ينظر معظم العالم للسينما ، إنما هو دور محدد جدا ، بل وينحصر فى المعنى السلبى لكلمة واقعية ، أى بمعنى أنها مطلوبة فقط بالقدر الذى لا تيقظك فيه من الاندماج واستحواذ القصة عليك ، صحيح أن قوة القصة لا ينتقصها إن لم يكن الشارع الفقير موحلا ، أو لو كانت النساعة المعلقة خلف البطل متوقفة ، لكن الخطورة هنا إنها قد تيقظك من الاستغراق فى القصة .

The teaser poster for 'The World Is Not Enough' (1999)

The Villain Question!

نضرب مثالا للأهمية الواقعية فى الاندماج ، بشخصية الشرير فى السينما الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن ( يمكنك أخذ أفلام چيمس بوند كنموذج متصل وكلاسى لهذا المثال ) ، بعد الحرب كان الناس مؤهلين لتصور الألمان كقوة الشر الأولى ، فعمدت معظم الأفلام لاستقدامهم لملء هذه الوظيفة الشاغرة فى مخطوطات الأفلام ، هذا لم يعيق اندماج الناس مع القصة ، مثلما لو أن جئ مثلا باليهود أو إسرائيل لجعلهم قوة الشر ، بينما الناس يقولبونهم تلقائيا كالضحايا والأبرياء .

The Sophie Marceau poster for 'The World Is Not Enough' (1999)

Arabs Are too Dull to Be Villains!

فى الستينيات بدأ ظهور الياپانيين كقوة الشر ، إذ أن عدوانيتهم العسكرية عادت فى صورة أخرى هى عدوانية صناعية تغلق مصانع الصلب والسيارات والكاميرات وتشرد الشغيلة فى كل مكان . ومع استعار أوار الحرب الباردة بعد إزاحة خروتشوف ، أصبح الأشرار روسا وصينيين وكوبيين وألمان شرقيين . وفى الثمانينيات ومع بروز حروب العقاقير أصبح بارونات أميركا اللاتينية والمجاهدين الأفغان هم النموذج المثالى للشر ، ثم جاءت التسعينيات وأفلح العرب فى إجبار هولليوود على الاعتراف بهم كقوة الشر الرئيسة فى العالم ، فوضعتهم بالفعل فى كل مواقع الشر الممكنة فى الأفلام ، لكن هذا الاعتراف لم يدم طويلا ، غالبا لإتضاح أنهم أثقل ظلا من أن يصلحوا أشرارا للسينما . وسرعان ما بدأت الأضواء تنحسر عن العرب ، حتى قبل أن يتمكن فيلم واحد من محاكاة شخصية الشيخ المصرى الضرير عمر عبد الرحمن ، ومما فاقم الوضع سوءا أن چيمس بوند كان فى راحة إجبارية منذ 1989 حتى أواخر عام 1995 مما فوت الفرصة على معمر القذافى وصدام حسين أن يخلدا من خلال أفلامه كأهداف طبيعية لمغامراته . الأضواء تتجه هذه الأيام حسب فيلم العودة لبوند ’ العين الذهبية ‘ ، لتتسلط على مافيا تهريب المواد النووية الروس . وتدور العجلة وستظل تدور ولن تقف عند أحد معين ، فهذا هو دور الواقعية فى السينما : أن تقلل لأبعد مدى من احتمالات تيقظ المتفرج من الاندماج مع خيط الدراما المفتعل الوهمى .

فى فيلم لإيف مونتان بعنوان ’ الوعيد ‘ نرى البطلة تعطى بقشيشا لعامل محطة الوقود التابعة لشركة إسو . هنا تبدأ فى التساؤل هل هذا أمر طبيعى فى محطات البنزين ، وإذا كان كذلك فلا بد أن المقصود به شيئا ما . ويبدأ تفكيرك يذهب قريبا وبعيدا ، ويذكرك بتجاربك السابقة مع عمال تموين السيارات ، وسوف تعتقد فى أبسط الفروض أنه نقد للخدمة فى محطات شركة إسو ، وفى أسوأها أنه جزء من الپارانويا الفرنسية تجاه كل ما هو أنجلى أو ساكسونى . بينما الحقيقة أن المقصود حقا شىء آخر تماما وهو الواقعية ، فلو انصرفت البطلة دون منح بقشيش للعامل لما كان الأمر متمشيا مع الواقع الفعلى . هذه مثال للواقعية عندما تفسد المشاهدة . وحتى لا نتركك نحن أيضا فى ذات دوامة التفكير عن الدوافع الحقيقية لنا وهل أردنا مثلا القول أن الأخطاء سمة لصيقة للأفلام الفرنسية ، نسارع فنقول أن هذا كان امتدادا رفيعا لأفلام الغموض التى تخصصت فيها السينما الفرنسية قبل أن تلحقها الخيبة ، وإن فقط كان من الأفضل أن لا تدفع البطلة بقشيشا حتى تتيح لنا فرصة أفضل للاندماج مع قصته المثيرة .

الأمثلة العكسية لا حصر لها ، فقصور البيئة الواقعية للحكى سوف يفسد بدوره المشاهدة قطعا . فأنت سوف تفكر كثيرا بالقطع لو كان ثم كوب مقلوب فوق مكتب البطل أو أن أحد أزرار قميصه مفقود ( رغم أن من المحتمل جدا أن يكون قد سقط عرضا فى المصعد صباحا ) . هذا يخرجك أيضا عن الاندماج مع الدراما الأصلية للقصة . لهذا السبب لا يجرؤ أى فيلم على تقديم عربى أو مسلم عالما أو مخترعا ، ولا يجرؤ أى فيلم على تقديم شاب أسود بمثل رقة أودرى هيپورن . نعم ربما يكون هناك واحد أو اثنين من العرب أو المسلمين عالما أو مخترعا ، وربما يكون هناك واحد أو اثنين من السود برقة أودرى هيپورن ، لكن السينما لا يمكنها تقديم ذلك إلا إذا جعلته محورا للمناقشة ولمواجهة صريحة للآراء السائدة الثابتة ، أما تقديمه كشىء عرضى مسلم به فهذا ضرب من المستحيل ، بل فى الواقع ضرب من الجنون أو الغباء المهنى . من هنا فإن معيار الواقعية أنها مجرد ’ بيئة ‘ للحكى كما قلنا ، وليست جزءا منه . وأنها يجب أن تستخدم بميزان دقيق بلا إفراط أو تفريط بهدف واحد هو أن لا تخرجك عن الاندماج مع الدراما . فقط الشىء الوحيد المؤكد تماما أنها ليست هدفا فى حد ذاتها .

بالمثل وفى المقابل إذا زادت الواقعية عن الحد المناسب فإنها سوف تصبح آنذاك مصدر ضرر للسينما وانتقاصا من أسطورية القصة ونيران البنية الدرامية لها ، والتى هى شىء مصطنع بالكامل . خذ مثلا لهذا تجسيد العنف ، لقد ظل صناع السينما يلهثون عقودا وراء المحاكاة الواقعية للدم والقتل ، لكن عندما أصبح ممكنا تصوير قطع المخ وهى تتطاير فى الهواء بالتصوير البطىء ، وهو شىء غير واقعى بالمرة ، باتت الواقعية ضررا بالغا للسينما . نعم : إن جبروت السينما وتفوقها يكمن فى قدرتها التى لا تضاهى على التزييف .

إذن النتيجة الكبرى لتلك القوالب الدرامية وخصائصها أن كل شىء فى السينما ، وربما أكثر من أى فن آخر ، هو مصطنع بالكامل ، إن السينما كذبة كبرى تبدأ بمجرد شرائك للتذكرة ، فمنذ هذه اللحظة فأنت تدخل إلى عالم آخر عالم ذى قوانين متفردة ومستقلة فى كل شىء ، إيقاع الزمن علاقات الأمكنة لغة الحوار ، خصائص الأشياء ، علاقات الناس وأعرافهم وقيمهم ومثلهم العليا …إلخ ، لقد دخلت لعالم الأسطورة .

ربما يعرف الكثيرون هذا الكلام ، لكن ما نريد قوله تحديدا هنا هو أن الاصطناع هو الأساس ، بل الاصطناع هو اسم اللعبة ذاته . فأنت مثلا لا تصاحبك موسيقى عنيفة عندما تمر بأزمة فى حياتك الواقعية ، لكنك لا تكاد تلحظ أن هذه الموسيقى تكاد تدمر كل أجهزة جسمك وأنت تمر بأزمة البطل أو البطلة على الشاشة .

من نتائج هذا أيضا أن تفرد القوانين واصطناعيتها التامة ، أمور تكاد تجعل من المستحيل خلق أى قانون عام لطبيعة الأشياء حتى داخل الفيلم الواحد نفسه . إن هذه القوانين نفسها ذات طبيعة أسطورية بل شبه سيريالية ، تطبق القوانين المحددة فى اللحظة المحددة ولا تطبقها فيما عداها ، خذ مثلا على هذا أنك لو اعتمدت على أفلام السينما وحدها ، لما عرفت مطلقا الأثر الذى يحدثه إطلاق رصاصة على جسم الإنسان ، فبالنسبة للأشرار الذين يتقافزون حول البطل ، فإن الرصاصة تحيلهم لجثة هامدة فى أقل من ثانية لا تبدر عنها أى حركة مطلقا ، بعد ذلك وبالنسبة لصديق البطل . فإنها تسبب له أولا آلاما شديدة ، وتعطيه فسحة من الوقت ليقول كل ما عنده من كلمات مؤثرة أو نادمة لصديقه ، ومع الكلمة الأخيرة بالضبط تهوى رأسه فجأة وبعنف على كتف البطل لتجعله يصرخ عازما على الانتقام . أما بالنسبة للبطل نفسه فإن الرصاص لا يقتله على وجه الإطلاق ، حتى لو رأيناه بأم عيننا وهو يخترق صدره ، ذلك أن فى اللقطة التالية سنراه حتما تحت العلاج بالمستشفى أو على يد امرأة حسناء من الهنود الحمر !

تبقى بعد هذا أحد أكبر النتائج المتوقعة فى عالم الأفلام الضروبية شديد الاصطناع ، هذه النتيجة تكاد تكون أحد القوانين السرية الكبرى فى ترسانة هولليوود ، هذا هو قانون الإشباع ، أى ضرورة إشباع التوقعات المتاحة داخل الفيلم ولأبعد مدى ممكن ، فأنت مثلا تستطيع عدم تقديم سيارة ثمينة نادرة الصنع من الثلاثينيات فى فيلم ما يدور فى فترة لاحقة ، لكنك لا تستطيع لو ألمحت إلى أن أسرة البطل المراهق تمتلك إحدى تلك السيارات ، إلا أن تدمرها وتفتتها تماما أمام أعين كل المشاهدين قبل نهاية الفيلم . إنه ذات قانون تشيكوف القديم الذى يقول أنك لا تستطيع وضع بندقية على الحائط فى بداية المسرحية ، وتنهيها دون أن تستخدمها . إن هذا ما يتوقعه المشاهد منك دوما ، وإلا قال أن فيلمك ’ غير مصروف عليه ‘ ، أو على الأقل يخرج ببساطة فى حالة غير شعورية من عدم الرضا ، إنه يتوقع منك أن تقوم عنه بكل المغامرات الصعبة والمكلفة والمستحيلة بالنسبة له ، ويعتبر أن هذا جزء من شروط عقد التذكرة .

بالمثل عندما يقع بصرك فى وسط البطولة الجماعية للفيلم على شاب مغرور أكثر وسامة من غيره ، وامرأة حسناء متغطرسة ، فإنك تدرك فى هذه اللحظة وعلى الفور أن الاثنين لابد وأن يلتقيا فى مرحلة ما من الفيلم ، وأن يدخلا معركة صراع لابد وأن تنتهى بتنازل كل منهما عن كبريائه ويستسلم لنداء الحب .

كل هذه كانت أمثلة فى أفلام محددة لا حصر لها ، لكن خذ فى المقابل نموذجا أوروپيا لنرى كيف يتعاملون هناك باستهتار مع مشكلة خلق التوقعات ، وليكن فيلما مثل ” المترو الأخير “ لفرانسوا تروفو ، وهو صانع أفلام فرنسى مثقف وجاد ، بل ويحترم كثيرا السينما الأميركية ، لكنه لم يستطع أبدا محاكاتها . فى هذا الفيلم يختبئ البطل من مطاردة النازيين فى قبو لدى سيدة جميلة هى كاثرين دينيڤ ، أنت تتوقع أن تنشأ قصة غرام ملتهبة بينهما ، لكن الفيلم لم يفعل أى شىء من هذا . يبدأ الفيلم نفسه كلاما عن جنوب فرنسا غير الخاضع للاحتلال ، وتتأهب لمشاهدة مطاردة ضخمة عبر التلال والوديان والقطارات والطرق ، لكن أيضا شيئا من هذا لم يحدث . ما الذى فعله الفيلم إذن ( مع العلم بأنه أحد أفضل الأفلام الأوروپية ، وسمى لأوسكار أحسن فيلم بلغة أجنبية ) ؟ الإجابة الحرفية هى لا شىء ، مجرد دردشة جادة نوعا حتى النهاية . هذا لا يمكن أن يحدث فى فيلم هولليوودى .

Carroll Baker in The Carpetbaggers (1964)

Escapism!

وبعد… يبرز السؤال التراچيدى الذى يهوى الجميع طرحه دوما وهو : المحتوى . الفكرة المسيطرة أن الأفلام الضروبية الاستحواذية أفلام بلا محتوى . مبدئيا نكرر أن من حق أى فيلم أن يكون بلا محتوى ، أو ’ هروبيا ‘ إن استعرنا واحدة من قاموس السباب النقدى التقليدى ، لكن ليس من حقه أن لا يحرك انفعالات المستهلك الذى دفع ثمن التذكرة . على أن الأفلام الضروبية بالذات تحمل تلقائيا المحتوى الفلسفى الأصلى اللصيق بقالب الحكى الأسطورى الذى اختاره . فكل فيلم يقوم ببطولته مخبر خصوصى هو رحلة أوديسية إلى جحيم دانتى السفلى ، يكتشف فيها البطل ما لم يكن يعلمه عن الحياة ، وكل فيلم حربى هو تمجيد للتضحية ، وكل فيلم نشاط هو دعوة للحياة والقوة وتمجيد للبطولة ، وكل فيلم رعب هو تراچيديا لقهر مسوخ ما وراء الطبيعة …إلخ . هذه كلها مضامين ، ولا نفهم لماذا لا يوليها النقاد الاحترام الكافى . عامة يجب القول أن السينما الأميركية حرصت دائما على تحميل ( نعم تحميل هى الكلمة الصحيحة ونقصد بها حشو بعض قطع الماس الثمين تحت طبقة الكريمة التى يكتفى بها عادة معظم الناس ) تحميل قوالب الحكى التقليدية بمضامين خاصة مثيرة وعميقة أحيانا وذلك لإشباع الجمهور المهتم بالفكر والمعانى الخفية . لكن على السطح يبدو ” صمت الحملان “ و” لن أتسامح “ فيلمى عنف وويسترن بريئين تماما من المحتوى ، ذلك لمن لا تهمه مثل تلك الأمور من جمهور السينما العريض ، والذى لن يستطيع إخبارك أبدا بالأسباب الحقيقية التى جعلتهم يمنحون هذين الفيلمين جائزة أوسكار أحسن فيلم ، وحجبوها عن غيرهم . إن الأفلام العظيمة التى نعرفها كانت جميعا وبالضرورة ذات مضامين عظيمة ، لكن المحتوى لا يجب أبدا أن يتسامى فوق قواعد السينما . ولو وضعت محتويا عظيما يخل بالتعريف القاعدى للسينما كفن الانفعالات الأعظم ، فأنت لم تصنع فيلما عظيما ، إنما ببساطة لم تصنع فيلما أصلا .

أخيرا نتساءل متى يفهم السينمائيون عندنا أن الوسيط هو الرسالة ، وليس تلك المضامين الاجتماعية التى تؤرقهم أحيانا ، ويتباهون بها دائما . ببساطة إذا أردت أن تقول أفكارا ، اذهب لصفحة الرأى فى صحيفتك اليومية . إن أردت أن تخلق معايشة بدون دفع درامى قوى ومؤثرات مبالغ فيها ، اذهب لوسيط آخر . السينما تصلح فقط للدراميات الساخنة جدا المبهرة جدا ، أو بصياغة أدق كل ما يستحوذ على كل المشاعر . هذه هى إمكاناتها التى عرفها الجمهور ، أو عرفته هولليوود إياها ، ولن يمكنك خداعه ثانية باسم الفن أو الإبداع أو الذاتية أو الواقعية أو سينما المؤلف أو… أو… .

وبعد ، ورغم كل هذا نقول أخيرا أننا نحن نعرف جيدا كيف نفرق بين فيلم جيد كالتى تحدثنا عن شروطها هنا وبين فيلم عظيم بمعنى الكلمة وأعمق خلودا وأثرا . إن هذا الأخير يجب أن يحتوى بالضرورة بجانب كل ما ذكرنا على محتوى عظيم ، لكننا لسوء حظنا مع هؤلاء نعرف جيدا أيضا كيف نفك الخلط المتعمد بين فيلم عظيم حقا وبين فيلم حافل بالأخطاء الفنية رغم تشابههما ربما فى ذات المحتوى ، وطبعا رغم تسميتهم لهذا الأخير بفيلم فنى بينما لا يعدو فى الواقع سوى مجرد فيلم معلبات صنع خصيصا لخيمات الأوكسچين المسماة بالمهرجانات ولا يكتب عنه سوى نقاد المعلبات وغرف الإنعاش المتخصصين ولا علاقة له بالسينما الحقيقية التى تباع فى الأسواق .

 

3- الهاى-تك High-Tech

This Is Cinerama (1952)

This Is Technology!

’ هاى-تك ‘ مصطلح اقتصادى وعلمى معاصر ، ربما يختزل معناه الحقيقى المتفرد لو ترجمناه إلى ’ تقنية عالية ‘ . لا يقصد بالهاى-تك الصناعات التى تستخدم تقنيات حديثة أو مستعقدة أو لم تظهر إلا مؤخرا ، أو تقنيات مكلفة أو ما إلى ذلك . المقصود به تحديدا الصناعات ’ سريعة التغير ‘ تقنيا . وهذه أطلقت تحديدا على خمس صناعات دون عداها : الطاقة النووية ، وصناعات الفضاء ، والحاسوب ، والكيماويات ، والهندسة البيولوچية . فى اعتقادنا أن هولليوود تستطيع أن تزعم انتماءها لتقنيات الهاى-تك .

تحديث : ديسيمبر 1999 : فعلا تم هذا وأضيفت صفحة جديدة بعنوان التقنية ] .

ظاهريا سوف نرصد على الأقل أن تقنيات التنميق والمؤثرات البصرية والصوتية ، كانت تتطور سريعا منذ الثلاثينيات ، بحيث كان يعد معظمها من أسرار الستوديو ، ولا يسمح للستوديوهات الأخرى بالإطلاع عليها ظاهريا أيضا سوف نجد اليوم أن حقل الحاسوب الذى هو حقل مؤكد للتقنية العالية ، يلعب دورا جسيما فى السينما الهولليوودية المعاصرة سواء بالاستحراك أو مؤثرات الصورة المولدة حاسوبيا أو الصوت الرقمى …إلخ ، وأن عملاقة البرمجيات ’ مايكروسوفت ‘ أصبحت جزءا من شبكة تحالفات واسعة من عدد من أكبر ستوديوهات هولليوود ، وقد وصل الأمر لأن اعترفت الحكومة بضرورة هذا التكامل ، بحيث لم تعد تحارب تواثق الشركات ، أو عمل الشركة الواحدة فى حقول السينما والاتصال والتليڤزيون والحاسوب والنشر مجتمعة ، بحيث وصل الحجم النمطى لمؤسسة الترفيه الأميركية إلى 50 بليون دولار مثل ديزنى ، وتايم‌ـ‌وارنر ، وڤياكوم‑پاراماونت ( لا ندرى فيم يتحدث بالضبط أولئك الذين يدرسون إحياء السينما المصرية ، ويثورون على شركات لا يزيد رأسمالها مجتمعة على ما تنفقه وارنر فى 72 ساعة للدعاية لأحد أفلام باتمان ؟ ! ) .

الحقيقة أنه لو استعرضنا التقنيات الحديثة التى جلبت للسينما فى السنوات الأخيرة لطالت الصفحات ، ( سبق لنا متابعة هذا على فترات متصلة فى جريدة العالم اليوم ، ومجلات كالفنون والعربى ، وقد كان آخرها فى كتاب مهرجان الإسماعيلية الأخير [ وربما يجمعها محدثة ومنقحة مثل هذا المكان فى وقت قريب ] ) .

 

لو اكتفينا فقط بهذه الملامح الظاهرة للجميع والتقنية المحضة ، لكانت وحدها دليلا كافيا على أن صناعة الترفيه السينمائى هى صناعة عالية التقنية ، لكننا نود أن نزعم أيضا أن السينما عالية التقنية فى مجال كتابة المخطوطات نفسه ، خاصة وأنه سيكون التفسير الحاسم لتخلف صناعات السينما القومية جميعا عنها ، ذلك إنها قد تفلح فى محاكاة كل شىء ، إلا كتابة المخطوطات الفيلمية .

صحيح أننا ذكرنا قوالب عشرة محددة للحكى ، قلنا أنه ثبت تاريخيا أنه الأنجح والأضمن دوما ، والتى وجد فيها وسيط السينما نفسه ووجد تفرده ، لكن ما حدث أن كتاب هولليوود لم يكفوا أبدا عن البحث عن الحدود القصوى لهذه القوالب . نضرب مثلا بطابور أفلام الرعب شديدة التأثير والقوة ، الذى فتح له الطريق اختراع چون كارپنتر فى عام 1978 لشخصية القاتل الذى لا يقتل فى فيلم ” هاللوويين “ .

$2 billion Steven Spielberg sits among fellow graduates during commencement ceremonies, California State University, Long Beach, May 31, 2002.

Later Better Than Never:

Legend Says It Wasn’t Easy for Them to Join Film Schools in Their Youth!

أيضا فإن العلاقة بين تقنيات السينما وبين الكتابة علاقة تبادلية قوية ، بل الأرجح أن هذه التقنيات تولد أصلا فى ذهن الكتاب ، ثم تستحيل بعد ذلك واقعا ملموسا ، هذا أكثر احتمالية من أن تولد فى عقل العلماء ثم يعرضونها جاهزة على صناعة السينما ، أمثلة هذا لا تنتهى ، لكن نكتفى منها بمثال ” حديقة الرعب —الديناصورات “ ، فلولا علم مايكل كرايتون وستيڤين سپييلبيرج بأنه بات فى إمكان الحاسوب تنفيذ تلك المؤثرات المذهلة ، لما طلبا من شركة سوفتيماچ أن تنمى لهما البرنامج الحاسوبى المناسب لغرضهما ، بل ربما لما كتب كرايتون وثيق العلاقة بالسينما ، الرواية أصلا .

إن أى مراجعة لتاريخ المؤثرات الحديثة بدءا من ” 2001 —أوديسا الفضاء “ يثبت هذه الحقيقة التى ترد على مقولة ساذجة تقول أن هولليوود ناجحة لأن لديها الإمكانات ، بينما الحقيقة أنها ناجحة لأنها تختلق مثل تلك الإمكانات اختلاقا بعقولها وأيديها . لقد وصل مستوى التعقيد فى كتابة الأفلام فى هولليوود لدرجات مرعبة ، وبات الحاسوب نفسه لاعبا أساسيا فى تأليف الأفلام من خلال برامج خاصة ، وقد باتت الصنعة وكثافتها فيه ، شيئا يلهث وراءه أى مشاهد متمرس . وهناك آلاف الأمثلة المتاحة بدءا بتعدد المستويات التى تعمل فيها الأفلام . بعض هذه الأمثلة كلاسى كأفلام هيتشكوك ’ المسلية ‘ ’ البريئة ‘ ( ” النافذة الخلفية “ فيلم تشويق درامى وفى ذات الوقت تأمل فلسفى ، وأيضا نقد اجتماعى لأحد القوانين المعمول بها فى ولاية نيو يورك . ’ شمال الشمال الغربى ‘ فيلم نشاط فائق ، لكنه أحد أعمق وأعنف التأملات فى الطبقة الوسطى الأميركية ، ’ سايكو ‘ ، ” الطيور “ ، وهلم جرا ) . وبعض تلك الأمثلة حديث ، وخذ نموذجا لها فيلمى ” صمت الحملان “ و” لن أتسامح “ سالفى الذكر ، أو أفلام الكاتب چو إيستراس ( ” غريزة قاعدية “ فيلم تشويق درامى ، وكذا إثارة جنسية تغتصب عقل أى رجل يشاهده ، لكنه فلسفيا مراجعة لنظرية الغريزتين القاعديتين الأساسية لدى فرويد ، ليجمعهما فى غريزة واحدة دون أن يشير مطلقا لأن هذا هو ما يناقشه ، لولا العنوان قد يلفت نظرك ذات مرة للتأمل فيه عرضا ) .

الأبعد من كل هذا أن الأفلام الهولليوودية لم تعد تقنع بمهمتها الأساسية فى مخاطبة الصعيد الانفعالى الوجدانى بإبكائه أو إضحاكه أو إرعابه أو تهليله ، ولم تعد تكتفى بمخاطبة العقل بالمضامين الفلسفية القاعدية لقوالبها الأسطورية ، أو بما تحمله تحتها من مضامين خاصة أخرى ، إنما راحت تخاطب صعيدا ثالثا فى الإنسان نادرا ما تخيلت إمكان مخاطبته إلا وهو كما ألمحنا آنفا العقل الباطن أو اللا شعور .

نقصد بهذا الكتابة المدروسة لخلق تفاصيل محددة تثير حفزا محددا لا شعوريا لدى المتلقى ، وهى شىء مختلف عن خلو ذلك الجو العام البهيج أو الجميل الذى قلنا أن هولليوود اهتمت به دائما أبدا ، هذه الإشارات تمر عبر تخريمة مباشرة للعقل الباطن دون أن تمر على الصعيدين الوجدانى أو العقلى .

إن جزءا أساسيا من المتعة الخفية لفيلم ” إى . تى . “ ، هو إحساسك الباطنى بأنك سمعت هذه القصة من قبل ، فالفيلم إعادة بالغة الدقة لقصة المسيح بالكثير من تفصيلاتها ومواقفها ، إنه هكذا يخاطب منطقة محببة من اللا شعور تزيد من نشوة مشاهدة الفيلم . ذات قصة المسيح لكن الجوانب التى أثارت هلع كل منا فى طفولته هى ما وظفه على نحو خفى فيلم ” صمت الحملان “ كعمق داخلى بعيد غامض لقصته .

لا شك أن الأستاذ الذى بدأ بالتلاعب بالعقل الباطن للمشاهد بوعى تام ودم بارد منه هو ستانلى كيوبريك . وكان السياق الهلوسى المبهم لفيلم ” 2001 —أوديسا الفضاء “ هو تحديدا الذى جذب ملايين الهيپيين ليشاهدونه تحت تأثير المخدر ، وينقذون بالتالى شركة مترو من إفلاس محدق كادت تصل إليه آنذاك .

إن هذه التقنية الغامضة التى بدأت بها السينما توظفها بشىء من التوسع فى أفلام شديدة التباين ، لابد وأنها تعلمتها من المبادئ السيريالية ، والأفلام السيريالية الخالصة ، التى تخصصت فى مخاطبة اللا وعى عن طريق السير على الخيط الرفيع بين الواقع والحلم . توظيف هذا فى كتابة مخطوطات أفلام لا تبدو سيريالية بالمرة ، إنما تنتمى لأحد القوالب التقليدية ، لا شك أنه تقنية عالية تتطور بسرعة فائقة هذه الأيام .

 

4- الليبرالية Liberalism

Modern Times (1936)

Liberalism Means Left Wing, Especially in Hollywood!

إن هولليوود تشبع رغبات الجمهور العريض ، وتضع دوما فى حسابها أن هذا الجمهور هو الصديق الدائم والحميم لكل صانع أفلام هولليوودى . وبالطبع ليس فى الميل الشعبى لهولليوود أى تعارض مع نظرية فأر التجارب التى تمارسها على الجمهور ، بل هى تأكيد لها ، وأحد أسرار عدد أصدقائها اللا نهائى .

من هنا نسوق هنا هذه الملحوظة الأولية التى تخص ما يقوله عامة الناس عادة أن هولليوود تقدم فقط ما يريده الجمهور . نحن لا نتفق بالمرة مع هذا الرأى الذى يتبناه بعض النقاد هنا أو هناك . فى المقابل نميل مطلقا لرأى يتبناه بعض المؤرخين الأكثر عمقا إذ قالوا أن هولليوود تقدم ما تريد أن يريده الجمهور . هذا هو الرأى الذى نشاركه تماما بل ونرى فيه محور الإبداع الحقيقى فى العملية السينمائية كلها أو ما تدور حوله السينما أصلا . أن هولليوود كيان فوقى واعى يخاطب مجموعة من فئران التجارب وليس إلا ، ولا يقدم ما يقال عادة عن صناع السينما التقليديين فى البلاد الأخرى مما يسمى ’ الجمهور عاوز كده ‘ . إن السينما الأميركية هى النقيض ليس فقط للأفلام المسماة بالفنية بل أيضا للأفلام المسماة بالتجارية فى تلك البلدان . ونرجو أن لا يغيب هذا للحظة عن ذهن القارئ لدى أى حديث سابق أو تال فى هذه الدراسة عن جماهيرية أو جمهورية أو ’ ليبرالية ‘ السينما الأميركية .

Cinderella Castle, Magic Kingdom Theme Park, Walt Disney World, Florida, 1971.

The Audience Want What Hollywood Wants Them to Want!

ولاء السينما الأميركية للناس وللثقافة الشعبية ( وهى النقيض من ثقافة المثقفين ! ) بدأ مبكرا جدا ، حتى قبل اختراع آلات العرض على الشاشة نفسها . فقد منع عرض فيلم ’ كارمنشيتا فى رقصتها الشهيرة الفراشة ‘ من العرض على آلات الكينيتوسكوب يوم 17 يوليو 1894 ، لأن نائب نيو چيرسى رأى فيه خلاعة زائدة .

مع القرن الجديد وفى ظلت نجاح وتبلور النمط الأنجلو‑يهودى فى الحياة ، كانت تسود أميركا روح تسمى ’ الأخلاقيات الجديدة ‘ تحض كلها على العقلانية التامة وصراحة الرأى والبعد عن التزمت الأخلاقى والجنسى وإعلاء شان تفتح الفكر والاستخفاف بالجوامد والأفكار القديمة ، هذه كلها صفات تجسدت فى النجوم الأوائل للسينما الهولليوودية رجالا ونساء . [ مصطلح أنجلو‑يهودى يستحق دراسات مفصلة باعتباره سمة مؤسسة فى رأينا لكلا الحضارتين الصناعية وبعد الصناعية ، وقد مثل جانبا من دراسة ضيقة النشر لنا بعنوان ” حضارة ما بعد الإنسان “ عام 1989 ، وغيرها ] .

الرائد الكبير الأول لهذا ، وبالتحديد التركيز على شق الليبرالية الجنسية ، هو بلا منازع سيسيل بى . دو ميل . كان دى ميل منتجا مستقلا ومغامرا ، اشترت شركته التى أسسها مع ساميول جولدوين ، فى عام 1913 إحدى روايات الويسترن وركب دى ميل القطار مع موجهه أوسكار أپفيل لتصويرها فى أريزونا ، لكنهما فوجئا بقمم الثلج تغطى جبالها ، فعادا إلى القطار وظلا فيه وقد كسا وجهيهما اكتئاب جسيم ، ولم يشعرا بنفسيهما إلا وقد توقف بهما فى المحطة الأخيرة تماما . هذه كانت قرية صغيرة فى الطرف البعيد من مدينة لوس أنچليس أسسها مستثمر عقارى متقاعد جاء من كانساس سيتى قبل نحو خمسة عشرين عاما فقط ، لقضاء ما تبقى من عمره فى الركن البعيد الهادئ للولايات المتحدة ، وأطلقت زوجته مسز دايدا ويلكوكس على مزرعتهما المنعزلة هذه اسم الأخشاب أو الغابة المقدسة أو إن شئت هولليوود . فوجئ أخيرا دى ميل أنه أمام مكان رائع من حيث الطقس والفضاء المتسع المحيط ، ناهيك عن بعده عن قصاصى أثر شركة إديسون الاحتكارية وقربه من طرق الهرب المعتاد لصانعى الأفلام غير القانونيين أمثاله إلى المكسيك !

Marlene Dietrich

The Ever-Sensual Hollywood

هذا المكان كان ملائما جدا أيضا لانطلاق أفكار دى ميل التحررية ، ويكفى أن تتلاحق أفلامه الصامتة بعناوين مثل ’ استبدال الزوجات القديمات بأخريات جديدات ‘ 1918 و ’ لا تغيرى زوجك ‘ 1919 و’ لماذا تغير زوجتك ؟ ‘ 1920&nb