آليات الفن الشعبى
Popular Art Mechanisms
| FIRST | PREVIOUS | PART I | NEXT | LATEST |
NEW: [Last Minor or Link Updates: Saturday, June 23, 2007].
February
7, 2002: A HISTORY MADE: Videogame business tops film
industry for the first time. Are we talking about ‘the’ new main form of Human
Culture?
January
14, 2002: Citizen, Detective and Thief, a
historical conciliation between Intellectual, Authority and Religion or just
another troubled movie?
December
13, 2001: Believe it or not? The new Egyptian model of
hero: Hajj Metwally, the husband of four!
June
22, 2001: A STAR IS TORN: The most popular actress in
Egyptian film history died. Not an accident. Not a suicide. Just a plain
vanilla murder.
…
![]()
ê Please wait until the rest of page downloads ê
|
Cover Story:
(The Second
Half of Year 1999) صحوة السينما المصرية Egyptian Cinema Awakening
أشكر صاحب فكرة هذه الندوة محسن ويفى لالتقاطه خيط
محاولاتى المستمرة لتفسير هذه الظاهرة ورغبتى فى كسر تجاهل النقاد لها ،
وأحد مظاهره المسابقة السنوية للجمعية لاختيار أفضل فيلم والتى لا تهتم إلا
بأفلام لا تؤثر بالمرة فى عموم الشعب ، وتتجاهل الأفلام الأوسع أثرا كما
تنكر عليها تقاناتها العالية ومضامينها الجيدة فى أغلب الأحيان . هذه منطقة بكر ، وما أقدمه ليس إلا اجتهادات
أولية كأرضية أملى أن تساعدكم على التفكير فى المشكلة من بداية ملموسة ما ،
وبالمقابل مشاركتكم سوف تساعدنى تأكيدا على التنقيح والتعميق ( وساندرا
پوللوك قالت مؤخرا إن الذكاء أن تحيط نفسك بأناس أفضل منك ! ) . السؤال الأول : ما هو التوصيف الأولى
للظاهرة ؟ هل ’ تفشى الطابع الهزلى ‘ كما يقول بيان
جمعية النقاد كل سنة ؟ الحقيقة أن علاء ولى الدين أو حتى هنيدى ليس
هزلا !
التوصيف المقترح : - انفجار فجائى من قلب سينما متداعية كان قد انفض
عنها الجمهور بالكامل تقريبا ، باستثناء أفلام نجم واحد هو عادل
إمام . - عودة الطبقة الوسطى لمشاهدة الأفلام المصرية
وخروج أسر الطبقات الفقيرة لأول مرة للسينما . فبعد أن اعتدنا عقودا القول إن
الجمهور هو جمهور الحرفيين ، أصبح الحرفيين وغير الحرفيين زائد ‑ولأول مرة‑
زوجاتهم وأولادهم ، ولولا كل هذا معا ما تتحقق أبدا عشرات الملايين . السؤال الثانى والأكبر هو بالطبع : ما هو
التفسير ؟ أولا : هل هى ظاهرة اقتصادية عامة ، جاءت
فى وقت حكومة الدكتور الجنزورى الإصلاحية المحاطة بالآمال والطموحات الكبار .
بمعنى هل كان الناس فى مزاج جيد وأوضاع مادية أفضل نسبيا تسمح بالإنفاق على
الترفيه أكثر مما سبق ؟ الواقع أن حكومة الدكتور الجنزورى لم يحتملها أحد
وسقطت سريعا ، وأخذت مصر المستسلمة بعدها مسار القصور الذاتى نحو هاوية
اقتصادية ، لكن ظاهرة الرواج السينمائى لم تتراجع . إن لدينا من عام
2001 تحليلات أميركية تقول إنه فى ظل تراجع اقتصاد الولايات المتحدة لا تزال
صناعات الترفيه تتقدم بقوة . الحقيقة أن السينما اعتادت فعل هذا بدرامية
مثيرة منذ عصرها الذهبى المنبثق من قلب الكساد الكبير للثلاثينيات وحتى فبراير
هانيبال الأسود ! ( الحقيقة أن بيزنسات بعينها تزدهر فى ظل ظروف
البطالة القاسية ، وعندنا حاليا مثلا لذلك تجارة نبات البانجو وبيزنس
المقاهى ، وصفحات الجريمة بالصحف تخبرنا كيف أن الحصول على النقود نادرا ما
يكون هو المشكلة ! وتكرار ما حدث للسينما فى الثلاثينيات اليوم ،
يرتقى بالأمر من مجرد ظاهرة ، إلى مصاف القانون [ تابع بالأسفل ] ) .
ثانيا : هل هى ظاهرة تتعلق بصناعة السينما
تحديدا ، بعد أن وصل عدد شاشات السينما الحديثة المفتتحة فى التسعينيات إلى
العشرات فى سنة الانفجار 1997 ؟ غير صحيح ، فتلك الشاشات بناها موزعو
الأفلام الأجنبية لأفلامهم متواضعة الجماهيرية أصلا . بالتالى
’ إسماعيلية… ‘ ومع إهمال أنه هبط بخجل أمام غول إعلامى يحظى بكل طبل
المثقفين اسمه ’ المصير ‘ ، لم يكن يعرض إلا فى 11 دار عرض منها
7 فى القاهرة وحدها و4 فقط فى كل الجمهورية ( ’ المصير ‘ كان
يعرض فى 19 شاشة ، وهو يساوى تقريبا الرقم القياسى المسجل قبل أسابيع قليلة
باسم عادل إمام وفيلم ’ بخيت وعديلة 2 ‘ والأزيد بشاشة
واحدة ) . إذن الأرجح العكس ، أن الظاهرة هى التى عززت الصناعة
بحيث تسارع افتتاح الشاشات ، واليوم الرقم القياسى بنظام النسبة وحده هو 55
شاشة ، ’ لبلية ودماغه العالية ‘ ذلك فى الأسبوع الثانى له خلال
يوليو 2000 . ثالثا : هل هو محتوى الأفلام ؟ الإجابة للوهلة
الأولى هى نعم : فهنيدى نقطة تحول فى التعبير عن قيم الطبقات الدنيا ،
ومدافع صريح عن هذه القيم المتوجسة الجاهلة والمعادية للغير وللتقدم ، بحيث
يمكن تصنيفه بدقة مدهشة كالمناظر الكوميدى لكاتب الدراما الپارانويى الرجعى
أسامة أنور عكاشة ، حيث كلاهما أبوى متسلط منغلق ولا شغل شاغل له إلا
الدفاع التفصيلى عن ’ الهوية ‘ ومفرداتها ، رغم علمهما اليقينى
أن هذه الهوية هى تحديدا سر كل الخراب والتخلف الذى نحن فيه . فى
’ بلية… ‘ يصفع محمد هنيدى صبيا على وجهه ، وفى حدود علمى لا
توجد سابقة لتبنى صفع الأطفال كأسلوب تربوى ، إلا أشغال أسامة أنور عكاشة
ومنها مثلا مسلسل ’ أرابيسك ‘ ، حيث على الأقل كان أبو بكر عزت
قد فعل ذات الشىء . الفارق الوحيد أن هنيدى فعلها لردع ضعف الإيمان
بالرب ، وأسامة أنور عكاشة يفعلها لردع ضعف الإيمان بالوطن !
’ امرأة من زمن الرعب ‘ ‑والأخطاء المطبعية تحدث ، أحيانا منا
وأحيانا أكثر من المسلسلات‑ فعلت أشياء أشد شناعة بخلاف الصفع على الوجه ،
منها التجسس والتآمر والترهيب ، لكبح تمرد الأبناء والبنات وانطلاقهم
ومحاولتهم الانفتاح على العالم المتقدم ، والذى لا يرى السيد عكاشة شاغلا
أو وظيفة له فى الكوكب إلا تصدير العقاقير المخدرة للشعب المصرى . وها هى
نفس القصة عادت لتطل من جديد بدماغ عالية ، بعد أن كانت تفعل كل ذات
الأشياء ’ تحت الصفر ‘ . إنها إذن منظومة كاملة من الترويج للقهر
والإرهاب والبطش ، ليس وراءها إلا هدف واحد ، هو توريث أحقاد وهزائم
ذلك الجيل إلى الأجيال الأحدث ، ولإحكام السيطرة عليهم تارة باستخدام الدين
وتارة باسم الوطنية . بدأنا الكلام بعبارة ’ للوهلة
الأولى ‘ ، ذلك أن الصورة سرعان ما تعقدت وأصبح هنيدى أقرب لصبى لقيط
تائه ، وسط حشد من النجوم يمثلون الطبقة الوسطى ويتبنون قيما تقدمية بما
لايقارن ، ومن خلفهم كاتب أو أكثر بالغو الاستنارة مثل أحمد عبد
الله ، صاحب السخرية المقذعة المطولة من محمد متولى الشعراوى فى
’ ألاباندا ‘ ، ومن كل التاريخ المصرى فرعونى وإسلامى ووطنى فى
’ الناظر صلاح الدين ‘ ، ويعهدون بأفلامهم لموجهين مثل شريف عرفة
ممن يملأون غرف أبطالهم بصور ضخمة لنجمات هولليوود غالبا ما يأتون بها من غرفهم
هم الخصوصية ، أو مسار الصوت بأفضل ما يمتعهم شخصيا من الأغانى الغربية من
أحدث طراز . أصبح أولئك النجوم أكثر نجاحا من هنيدى نفسه بمرور
الوقت ، ولم يعد البطل هو ذلك المنتمى لقاع المجتمع ، والمصدوم دوما
بالطبقة الأرقى من زملائه فى الجامعة الأميركية ، ويغنى بالتالى
’ نفسك فى إيه ؟ ‑كامننا ! ‘ ، بعد أن تحول الفوارق
الطبقية بينه وبين الفتاة التى يحبها لأنه مجرد أسطى سيارات . إنما هو
بالعكس تماما ’ ابن عز ‘ ، يمثل له دخول الجيش أو معايشة المسخ
المدعو ’ اللينبى ‘ الكابوس الذى يراود الطبقة الوسطى كل ليلة ،
ناهيك عن طبقة ’ الأيدى الناعمة ‘ ! ( من ذى الدلالة أن لجأ
هنيدى لمحاولة مجاراة زملائه ومغازلة الميول التحررية ، ذلك من خلال عنوان
فيلمه الأخير ’ دماغه العالية ‘ لكن مع الإبقاء على الفيلم نفسه
متزمتا جدا . إلا أنه فى السينما ، وهى فن قائم بالكامل على خلق‑ثم‑إشباع
التوقعات ، لا تنطلى مثل هذه الحيلة على أحد ، بل وتأتى تحديدا بنيران
عكسية . أضحى ’ بلية… ‘ أفشل أفلامه ، ولا نقصد أن السبب
أفضلية هذا المحتوى أو ذاك ، بل هو مسألة تقانية technical محضة تخص توقعات الجمهور
من الوسيط ومفرداته ، وأن يفقد هنيدى جمهوره أسهل ألف مرة من أن يجتذب
جمهور نادية الجندى بمجرد عنوان مضلل ! ) . أيضا لاحظ أن الصورة معقدة من الأصل ولطالما كانت
محسوبة لصالح الفكر التقدمى : أولا ، قالب ’ إللى يبص
لفوق ‘ ليس رجعيا فى حد ذاته ، فهو قالب الريحانى وعادل إمام والجميع
تقريبا ( قبل أن يخترع علاء ولى الدين من الصفر تقريبا القالب
العكسى ) ، ولم يحدث قط أن حملوه نفس أفكار محمد هنيدى الذى يحرص على أداء
الصلاة قبل تصوير أى لقطة . إن عادل إمام ( ومن ورائه وحيد حامد
ولينين الرملى ) مدرسة تقدمية كبيرة قائمة بذاتها وكانت الأنجح لعقدين بما
لا ينافس ( وبالمناسبة الكلمات جميعا كالتقدمية والرجعية حسب المعجم
العام ، وليس ميراثا للاستعمال المقلوب للكلمتين الدارج من عصر لوى الكلمات
الناصرى‑الهيكلى ، حيث بالمثل كانت النكسة والثغرة كلمات بديلة عن الهزيمة
المنكرة ، والاستعمار والامپريالية تشير لأشياء سيئة على عكس المعجم العادى
كما كان يستخدمه الجبرتى مثلا …وهكذا . مثلا فى المعجم كلمة تقدم تعنى getting better ، وهى تأكيدا أقرب لفحوى مسعى العصر الليبرالى
’ الرجعى ‘ السابق على 1952 أو لبقية النظم الملكية العربية الباقية
بعدها ، منه إلى سلاسل الحروب والتأميمات الحمقاء ’ التقدمية ‘
التالية لتلك السنة فى مصر أو فيمن سار على نحوها ! ) .
ثانيا : قبلات نادية الجندى ورقص فيفى عبده هما بكل المعايير أشجع فعل وقع
على أرض مصر وتحدى القوى السلفية طوال عقد كامل هو عقد التسعينيات ، كما
وتمثلان بشخصيتيهما القويتين امتدادا لسعاد حسنى وليس حتى لفاتن حمامة ،
ومع تقدميتهما هذه وتلك كانتا تلقيان اقبال الجمهور كصف ثان بعد عادل إمام
مباشرة ( لم يعد ذا معنى الكلام عن المرأة كسلعة ، بينما شارون ستون
تفتك بالرجال على الشاشة وفى مقاعد المشاهدين ووراء مكاتب رؤساء هولليوود .
أما بالنسبة للشجاعة فالتالى لتلكما السيدتين مباشرة ، نصر حامد أبو
زيد ، شخص لا يكاد يعرف الجمهور العريض عنه شيئا ! ) .
ثالثا : انكسار السينما التى كانت متحررة بكل اتساع الكلمة ، لم يبدأ
بـ ’ إسماعيلية… ‘ أو ’ بلية… ‘ ، إنما توجد له نقطة
تحول تاريخية حاسمة ومعروفة فى مسيرة السينما المصرية أقدم من هذا بكثير ،
هى واقعة البطش برقباء فيلم ’ المذنبون ‘ . رابعا : ما حدث
فى السنوات الأخيرة فى الساحة السينمائية ليس انقلابا بمعنى الكلمة ، لأن
إمام والجندى وعبده أكثر نجاحا حاليا من أى وقت مضى .
هل يعقل أن الشعب المصرى انقلب الآن تقدميا متسامحا
منفتحا محبا للطبقات والأمم الأعلى ، مستعدا للسخرية من نفسه
لحسابها ؟ بالتأكيد غير صحيح ، والتشبث بالتدين والكلام المجانى عن الفساد ،
و’ الغزو الثقافى ‘ و’ طمس الهوية ‘
و’ الاستهداف ‘ من أميركا وإسرائيل أو حتى من العرب ، والاستمراء
المتواصل للهزيمة والشكوى والانقهار لدى كافة الطبقات ، كلها تعنى استشراء
الپارانويا لحدود تكاد تكون مزمنة وبلا علاج . والتعبير الذى تردده أغلب
الرموز العربية المثقفة منذ سنوات ، فقط إعجابا ببلاغته وليس لجعله منهاجا
للتغيير وإلغاء الهوية ( أو قل اكتساب هوية أفضل ، هوية عملية علمية
علمانية عالمية ) ، هو أن هذه حالة شعب خرج طوعا من التاريخ ،
ويعلم أن الخطوة المنطقية التالية ، وهى أن يأتى من يطرده من الجغرافيا ،
هى مسألة وقت وليس إلا ! هل هناك جمهوران ؟ واحد أكثر تعليما وثقافة من
الآخر ومن يذهب لمشاهدة هذا النجم لا يذهب لذاك ؟ أيضا لا توجد شواهد على
هذا ، ولو صح مع أفلام هنيدى الأولى لا يصح الآن حيث الكل يشاهد كل
الأفلام . هل الجمهور مصاب بفصام فكرى ؟ هذا مرجح ، لكن الأرجح
منه أنه لا يهتم كثيرا إن لم يكن لا يفهم أصلا مضامين الأفلام . الواقع
يقول أن لا دخل للمحتوى فى نجاح هذه الأفلام ( إن لم يكن معظم أفلام تاريخ
السينما فى كل العالم فيما عدا فترة أواخر الستينيات ربما ) . هذه
الورقة التى تروج بكل النضالية الممكنة لأهمية دراسة الثقافة الشعبية لا تنطلق
بالضرورة من أى احترام للجمهور ، باستثناء تقدير ضخامته واتساعه زمانا
ومكانا ، بملايين الأفراد وعشرات الآلاف من المعتقدات وآلاف السنين من
التاريخ ، أى عامة مقومات الكم لا الكيف فيه . ولا تتملكها سلفا أية
أوهام عن تقدمية محتوى ذلك التاريخ أو التراث أو الحاضر ، أو كونه ‑أى
الجمهور‑ قوة عظيمة أو فاعلة مستقبلا ، أو حتى فى إمكانة تنويره إلا فى
حدود ضيقة وبطيئة للغاية . فقط واجبنا الكبير أن نمتعه كما يريد هو
المتعة ، وواجبنا الصغير أن ننقل له بعض المعلومات والأفكار الجيدة المفيدة .
باستثناء الجملة الأخيرة التى تعبر
عن خاصية قاعدية للفنون ، فإن الكلام السابق عام فى مجمله ، وتتفاوت
درجة انطباقه على الشعوب المختلفة ، وعلى الطبقات المختلفة لذات
الشعب ، وعلى اللحظات التاريخية المختلفة له ، وستأتى بعض التدقيقات والأمثلة
عندما تحين مناسباتها .
توضيح آخر : فيما سبق وفيما سيأتى نرجو أن يكون التمييز واضحا
بين الفن كتعريف أى من حيث كونه إمتاعا إنفعاليا و / أو وجدانيا ،
وبين تحليل المحتوى الذى ستدور حوله بعض أجزاء هذه الورقة . فالمحتوى قد
يكون جيدا وقد يكون رديئا ، لكن قد يكون فى كلا الحالتين ممتعا . أو
العكس حيث قد نجد محتويا جيدا فى أفلام غير ممتعة ولا يصلح اعتبارها أفلاما ولا
فنا من الأصل . للتوضيح بأمثلة نقول إن أفلام يوسف شاهين لا تمتع ولا تهم
أحدا ومن ثم لا تعد أفلاما ولا فنا من الأصل بغض النظر عن محتواها الجيد أحيانا
والردئ غالبا . أم كلثوم رجعية بليدة أطالت ‑وبدعم كامل من آلة الإعلام الناصرية المخيفة‑
عمر موسيقى متخلفة بدائية السلم والآلات وكل شىء هدفها التنويم تمهيدا
لممارسة السلطان للجنس وكانت بالفعل على وشك الانقراض ، وأجهضت أو على
الأقل حجمت محاولات التحديث الأولية للخروج من إطار الليالى والعيون
المخجل ، من أمثال سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وغيرهما ، حاربت أم
كلثوم التحديث بكل رجعيتها وعنفوانها وظل لها أثرها الطاغى إلى أن قهرها بنجاح
ساحق جيل الشباب فى أواخر القرن العشرين . وبدأت خطى التحديث متسارعة
رائعة ، عالمية الإيقاعات ، خالية من الآلات الضحلة ذات الأصوات
المثيرة للغثيان كالعود والقانون والرق ، وخالية من ربع النغمة التى يجب فى
رأينا أن تعلن جريمة ضد الإنسانية . مع ذلك كان لها ‑أى أم كلثوم‑ جمهور
بالملايين لا شك أنها أمتعته وأشبعته ومن ثم لا مراء فى أنها كانت تقدم
فنا ، حيث أن ذلك الإمتاع هو على أية حال الأهم والأساس فى الفن .
بعبارة أخرى : صحيح فن أم كلثوم فن هابط ، سواء كموسيقى متخلفة أو
كآراء تعتز بهويتنا وثقافتنا الماضويتين ومعادية للتحديث والانفتاح على العالم
المتقدم ، لكنه بالتأكيد فن . بمعنى أن لأم كلثوم الفضل الأكبر لأنها
أمتعت ، لكن ليس لها الفضل الأصغر وهو المحتوى التقدمى الجيد . المثال المقابل من ذات الحقبة هو أسمهان التى كان لها
الفضلان معا ، الفضل الأكبر للفن الممتع واسع الجماهيرية ، والفضل
الأصغر للمحتوى التحررى الحداثى المتقدم ، والموسيقى العصرية التجديدية ذات
المرجعية الغربية بل تحديدا أرقى قطاعاتها الراقصة وحتى الكلاسية ، بما فى
ذلك نقل كامل نمط الحياة الغربى من خلال الأزجال lyrics التحررية الجريئة .
ولا شك أنها كانت ستمثل جزءا من ثورة ثقافية لو طال بها العمر ، ولو لم
تجهض قوى البداءة والديماجوچية السياسية تلك الثورة الليبرالية فى مهدها من خلال
ما سمى ثورتى 1919 و1952 ، وما هما بثورات على الإطلاق ، إنما ردة
للماضى . رابعا : ماذا إذن ؟ أستميحكم صبرا لأن
الأمور ليست بسهولة ما سبق !
السينما ثقافة شعبية = الفن للمتعة = الجمهور عاوز كده =
البحث عن الإشباع
ما معنى هذا ؟ لنبدأ بالتعريفات : التقسيم السوسيولوچى للفنون : فنون النخبة أو
الفن الفنى artistic art ، فنون الحضر أو الفن الشعبى popular art ، فنون الريف والأقليات وحرفيى المدن أو الفن الفلكلورى folk art . والفواصل بين الفنون الثلاثة غير قاطعة ،
وأيضا متغيرة عبر الزمن ، زائد الحراكية العالية والسريعة فى انتقال فن من تصنيف
لآخر أو حتى العودة له بعد قليل : - الچاز مثلا تحول من فلكلور لفن شعبى بينما فشل
البلوز رغم أصلهما الواحد . الآن هو أحد فنون النخبة . - بعض الفنون تولد شعبية وتتحول للنخبة إذا ما خلدت
وهى إحدى الصفات الأساس للفن الفنى ، مثال ذلك شيكسپير وپوتشينى ( بالتأكيد
كان ينظر لشيكسپير فى حينه باعتباره فنا سوقيا هابطا ، إن لم يكن بسبب
الميلودراما والكوميديا الفاقعين فيه فعلى الأقل لأنه كان بلغة العموم السوقية
المسماة بالإنجليزية ، وليس باللاتينية لغة الثقافة والمعرفة
والعلوم . نفس الكلام يسرى على فن الأوپرا الذى كان يمزق دموع وضحكات
المشاهدين بلغتهم العامية جدا المألوفة ! ) . - أحيانا يحدث العكس مثل موسيقى العصر الرومانسى
التى لم يكن مقصودا فى الأصل أن تذيع بين العموم . - أيضا التحور أو التطفر قد يحول الفلكلور لفن
شعبى ، مثل الشيكاجو بلوز . - بالمثل تهجين الفنون الفلكلورية قد ينتج فنا
شعبيا ، مثل الروك . - التقنية قد تحول الفن من فلكلورى لشعبى ،
مثل طباعة قصص الحب القديمة لشمالى المتوسط أو مغامرات الغرب الأميركى أو الـ Sagen الألمانية كالنيبلونجين ، أو مثل عمل مستنسخات مما يسمى بالفنون
المرئية visual arts كالرسم والنحت والعمارة ( آلاف الناس
يقتنون فوق مكاتبهم مصغرات من المونا ليزا وتمثال التحرر ، أو نماذج من برج
إيفيل ودار أوپرا سيدنى ، أو من الطرازات الغابرة للميرسيديس والبوينج
والسپوتنيك ) .
-
السينما لها الأفضال الكاسحة التى لا تبارى فى حقل أثر التقنية على رواج الفنون
هذا ، والأمثلة لا تنتهى نذكر منها إنتاج أساطير فرسان فنون القتال
الجوالين الصينيين والياپانيين أو القصص المرعبة وحواديت المسخوطات fairy tales
الخيالية من وسط وشمال أوروپا كأفلام سينمائية ، وما أدى له هذا من طفرة
هائلة لقصص ريفية محلية الذيوع فى الأصل كتلك . - هذا غير صحيح دائما فاهتمامات الطوائف cult لا تنتج أفلاما شعبية بالضرورة . - أحيانا تقوم الترجمة بنفس الدور فى تحويل
الفلكلور لفن شعبى مثلما حدث بأقدار متفاوتة مع الكتب الثلاث العربية والفارسية
التى عصفت على سبيل الحصر بالفكر الغربى الحديث . ألف ليلة وليلة ورباعيات
الخيام باتا فنا شعبيا يعرفه الجميع ، ومثلهما وإن بدرجة أقل كتاب النبى
رغم ولع النخبة الغربية الجنونى به . الصورة فى الشرق تبدو أكثر
إثارة ، فأشعار الخيام بسبب الاستعقاد البالغ لمحتواها الوجودى الطليعى
ورغم بساطة بل بداءة قالبها الفنى ، انحصرت فى دائرة اهتمام النخبة ،
ويقال إنها اندثرت كلية لولا اكتشاف فيتزچيرالد لها . حينئذ ارتدت للشرق
مرة أخرى فى ترجمات لا حصر لها أثارت ولع النخبة العربية ، لكن ما لبثت أن
حولتها أم كلثوم بترجمة جديدة وبالغناء شيئا جماهيريا للغاية ، ثم أخيرا ها
هى أم كلثوم تنسحب تدريجيا لتصبح فنا طوائفيا لا يروق إلا لدائرة أتباع
مخلصة . - الفلكلور فن شفاهى متوارث غير معروف المؤلف
الأصلى فى الغالب ، لكن استلهامه ومحاكاته وتطويره بواسطة مؤلفين معروفين
لا يخرجه بالضرورة عن دائرة الفلكلور . مثلا لا ينظر لأغانى الريف الأميركى
الحديثة المنسوبة لأسماء معروفة والمطبوعة فى ألبومات كفن شعبى ، ذلك أنها
فشلت فى غزو ثقافة التيار الرئيس للمدن والإعلام الكتلى .
- الفن
الشعبى ربما عابر وربما غير عابر للمكان ، فالسينما الأميركية فن شعبى فى أغلب
بلاد العالم لكن ليس فى الهند أو مصر مثلا ، حيث تحظى السينما المحلية
بالأولوية ، وتعد الأفلام الأميركية فنا للنخبة . - طبقا للنظرية الوظيفية functionalism فكل مكون ثقافى يخدم
وظيفة اجتماعية ما ، هذه غالبا ما تكون مادية محضة فى الفلكلور كأن يؤدى الفن
مصاحبا لأداء الأشغال ، لكنها فى الفنون الشعبية عادة ما تحقق بجانب
الانفعال البدنى المحض إشباعا معنويا ووجدانيا . - رقى الفن الشعبى مرتبط بمدى نضج وتمكن الطبقة
الوسطى فى العصر المعطى . استثناء مما قلناه عن انكسار الأوهام وأن لا
افتراضات مسبقة أو أيديولوچية عن تقدمية الجمهور ، فإن الوضع الطبيعى أن
تكون الطبقة الوسطى بالذات ، قوة تقدم وتحديث قادرة وواعية . لكن لهذا
أيضا استثناءاته ، وعلى الأقل التآكل المادى غالبا ما يؤدى لتآكل
ثقافى . مثال كبير لهذا الردة التى شهدتها الطبقات الوسطى المصرية والعربية
عن الهوية الغربية العلمانية إلى الهوية العربية الإسلامية أو على الأقل تمزقها
بينهما ، والتى ترجمت بوضوح إلى تحولات ومتناقضات فى توجهات ومضامين
المسلسلات والأفلام المصرية الشعبية ، وميل بعض أنجحها إلى قيم معادية
للتحديث منحطة أو متخلفة .
[ إجابة أسئلة
طرحتها الندوة : إن لم تكن ردة فأقله أن كان
التمزق بنسبة 90 0/0 لصالح الأولى فأصبح 90 0/0
لصالح الثانية . وقارن بين عصر البراءة ونجماته المستقيمات المتصالحات
بالكامل مع ذواتهن وأجسادهن وجنسويتهن sexuality ، أولئك الحسيات فاتنات
الشكل والروح فى ’ أبى فوق الشجرة ‘ و’ امرأة ورجل ‘
و’ العاطفة والجسد ‘ و’ نساء الليل ‘ و’ حمام
الملاطيلى ‘ و’ بمبة كشر ‘ و’ المذنبون ‘ ، عصر
الأفلام الوحيدة من كل تاريخ السينما المصرية التى بقت ثلاثين عاما متصلة فى دور
العرض بلا انقطاع رغم أنف الجميع ولا تزال ، عصر المينى چوپ فى كل الأحياء
ومغازلة البنات تمارس بمرح على جميع النواصى ، عصر فشل فيه الريچيم المهزوم
ورموزه الثقافية الصماء فى الحيلولة بين الشباب المصرى والثقافة الغربية
المتحررة ؛ قارن بينه وبين رياء عصر النفاق الدينى والاستغلاق الاجتماعى
وغطرسة الجثث ، عصر الملابس التى تخفى الجسد وأشياء أخرى ، عصر الآذان
فى التليڤزيون والميكروفونات كأشياء لم يفكر أحد من قبل أن تستخدم يوما فى غرض
كهذا ، عصر الصلاة فى أماكن الشغل بل أداء الصلاة أصلا ، عصر الجهر
بصوم رمضان بعد أن كان شيئا مخجلا فى أيامنا …وهلم جرا .
لقد ورث القومجيون العرب المنجزات
العلمانية عن العصور التى انقلبوا عليها ، لكن مستواهم العلمى والثقافى
والطبقى لم يؤهلهم للإيمان بها إيمانا حقيقيا قط ، ففرطوا فيها عند أول
هزيمة بثمن بخس للغاية ، هو مجرد الإبقاء على كراسيهم المتهالكة . الأدهى
أحيانا أن كانوا مستعدين لفعل ذلك حتى قبل وقوع الهزيمة ، مثل هرولة عبد
الناصر للأزهر قبل تعرضه لأى طلقة سنة 1956 ( ! ) . دارس
الثقافة الشعبية يجد ارهاصات مبكرة ومفاتيحا رائعة فى اللحى البيضاء وعلامات
الصلاة السوداء التى نبتت فجأة فى وجوه غالبية نواب رئيس الجمهورية وكبار
مساعديه فى النصف الثانى من عام 1967 ، أو فى العبارات التى ظهرت بفجائية
أكبر فى العلم العراقى أثناء ’ أم المعارك ‘ ، أو فى أن وسيلة
الريچيم السورى ’ العلمانى ‘ الوحيدة فى محاربة إسرائيل هى منظمة
دينية لبنانية متطرفة . هذه دلالات رمزية ثرية ومثيرة ، وغالبا ما
تكون نقطة البداية التاريخية لما هو أسوأ ويعتور بعد قليل بالانحطاط ساحة
الثقافة العريضة للشعب . أليس من كبير المغزى أنه بعد ما جرى من تنكيل
بالسينما المتحررة فى النصف الثانى للسبعينيات ، أن قررت أفلام جمال الليثى ،
أكبر شركة للإنتاج السينمائى فى مصر آنذاك ، وربما فى نوع من الاتساق غير
المعهود مع الذات عندنا ، وقف كل عملياتها ، والتحول لمجرد توزيع ذات
الأفلام التى أحبها الناس على شرائط ڤيديو ، وكأنها تعلن :
’ …وإلى هنا تنتهى نشرة أخبار السينما المصرية ، وننتقل الآن إلى هذه
الفقرة من أحد المتاحف ! ‘ . فى المقابل ، لكن ليس
آخرا ، قال مدير مهرجان سينمائى عربى انتقل مؤخرا من لندن إلى إحدى العواصم
الخليجية ، مبررا منعه للأفلام التونسية : [ إن العرى شىء ممتع
فى السينما ] ، لكننا [ لحسن الحظ ] لسنا مجبرين أن تكون
هذه العارية امرأة مسلمة . عزيزى القارئ : هل معدتك متينة بما يكفى
لسماع المزيد من قصص الازدواجية الرائعة فى حياة أكثر أمة اتهمت غيرها بالكيل
بمكيالين ، أم أنك تعرفها أكثر منى ؟ ! ] .
المهم تعريف الفن الشعبى ’ الحالى ‘ يميل
لما يلى : المنتجات الثقافية الموجهة لأهل المدن ، من أبناء الطبقة
الوسطى ، المتعلمين ، التى تعتمد لإعادة الإنتاج
( التوزيع ) على أحدث التقنيات الكتلية المتاحة ، وتتماشى مع
الأفكار والأهواء السائدة غير المختلف عليها كثيرا ، ومن نتيجة كل هذا أن
تكون واسعة الجماهيرية .
إذن المعيار فى الفن الشعبى : 1- مكانى ،
2- طبقى ، 3- تعليمى ، 4- تقنى ، 5- قيمى ، 6-
انتشارى . وتنطبق كلمة الفن الشعبى على فن ما ، بقدر انطباق معظم هذه
الشروط عليه ، وإن كان الشرط الأخير ضرورة فى كل الأحوال بحكم
التسمية . والطباعة والراديو كانا أول وسائط للفن الشعبى بالمعنى المعاصر
للكلمة ، والذى يحوى بالضرورة كلمة تقنية اتصال كتلى ، والتى أتاحت
وصول القصص أو التمثيليات إلى أوسع قطاع من الجمهور ، بل وعابرة للمدن وحتى
الدول ، ومتخطية إطار التوزيع الضيق جدا لفنون العروض الحية السابق . ملحوظات عن السينما كفن شعبى : - السينما كانت فنا شعبيا بمعنى الكلمة فى عصورها
الذهبية ، والآن كثيرا ما تميل لفنون الخاصة . كانت تذاكر السينما
داخل أميركا سنة 1946 أربعة بلايين بمعدل دخول 30 مرة فى السنة من الرضيع حتى
الكهل ، أصبحت سنة 2000 خمس مرات فقط . فى مصر كان الرقم الأقصى 75
مليون تذكرة فى أواخر الخمسينيات بمعدل 3 مرات سنويا منها 1.2 للفيلم
الأجنبى ، أصبح مرة كل 3 سنوات منها مرة كل 20 سنة للفيلم الأجنبى !
ولاحظ أننا نتحدث عن سنة الأحلام 2000 ، ذات الستين مليونا للفيلم المصرى
والثلاثين مليونا من الجنيهات للفيلم الأجنبى ، فقبل عقد ونصف كان معدل
دخول المواطن المصرى للأفلام الأميركية مرة كل قرن . إذن فالسؤال مشروع
للغاية : هل لا تزال السينما حقا جزءا من الثقافة الشعبية ؟ ! - السينمات القومية فقدت أهليتها كفن شعبى بمولد
حركات ما يسمى بالسينما الجديدة فى أواخر الخمسينيات ( جودار ،
فيللينى ، شاهين …وشركاهم ) ، وقتلها الديماجوچى الأهوج للسينما
الشعبية القديمة بالغة النجاح لبلادهم .
[ إجابة أسئلة
طرحتها الندوة : هذه الحملة المتخايلة الصاخبة
انتهت بأن جعلت من صناعة الأفلام ( ناهيك عن التجريب الفنى ) ،
مرتعا لكل من هب ودب ، بعد أن كان هذا قصرا على من هم فى القامة الإبداعية
’ للمواطن كين ‘ ، ويحمل إجازة مباشرة من ستوديوهات هولليوود
نفسها . من ثم ، وفى صناعات السينما الأضعف نسبيا ، أفلحت العملة
الرديئة فى طرد العملة الجيدة فى نهاية المطاف . ولم تنج تقريبا إلا
هولليوود التى قيل ساعتها إنها ماتت إكلينيا ، لكن لم يعدها للحياة إلا
كونها مفهوما تكون فى وجدان العشيرة الإنسانية . فأصبحت هذه ملاكها الحارس
الوحيد من هجمة التشريعات الحكومية ، ومما سمى أميركيا بالسينما المستقلة ،
وكذا من غوغائية سينمائيى ونقاد ومهرجانات أوروپا عاليى الصوت ، ومن انتشار
التليڤزيون …إلخ . المدهش أكثر أن هذا العقد نفسه هو
الذى شهد تأسيس سينمات قومية جديدة من الصفر تقريبا ، بفضل عباقرة فهموا ما
تعنيه السينما ، وأخلصوا لأصولها بقدر ما أبدعوا وطوروا فيها . أبرزهم
بالطبع موجه فنون القتال كاسح الجماهيرية ، والملهم الأكبر فيما بعد لأنجح
الناجحين أمثال لوكاس وسپييلبيرج ، والتى أصبحت بلده بعد قليل وإلى اليوم
ثانى أقوى قدرة سينمائية على وجه الأرض ، إن لم يكن ملهما بدرجة أو بأخرى
فى عقد الخمسينيات عينه ، لتأسيس ثالث أقوى قدرة سينمائية حاليا وهى هونج
كونج ، والتى واصلت من بعده ، وبدرجة عالية من التخصص ، المسيرة
المظفرة لسينما فنون القتال التى كان قد أسسها كفن شعبى وأرسى كثيرا من
تقاليدها ، ، ، بالطبع : موجه الياپان الكبير أكيرا
كوروساوا . ومثل ‑وإن بمجال أقل اتساعا من حيث الجمهور المستهدف ، لكن
ليس أقل استحواذا وصنعة وإحكاما للحكى والبنى الدرامية‑ السويدى إنجمار
برجمان . أحد أكبر الألغاز التى فشلت فى حلها فى حياتى ، هو فهم كيف
أعجب النقاد الأوروپيون ومن سار على نحوهم فى العالم الثالث ، بهذين
السينمائيين العظيمين فائقى الاحترافية ، الكلاسيين لأبعد حدود
التعريف ، بذات القدر الذى أعجبوا به بطوفان الأسماء المخربة السائبة
فنيا ، كتلك المذكورة أولا . فى مداخلة لى فى ندوة أخرى
للجمعية ، قوبل ربطى بين كوروساوا وأفلام فنون القتال بصيحات استنكار شبه
جماعية . أليس هذا فى حد ذاته دليلا على لأى مدى أفلح غسيل المخ الذى أجراه
هؤلاء ، حتى لعقول من يفترض أنهم أكثر الناس اطلاعا ، لدرجة أن أمكنهم
بسهولة شطب عقود كاملة من تاريخ موجه ستوديوى عملاق ، هى المفتاح لفهم كل
أشغاله المنتمية فى غالبها لضربى النشاط والحرب ، والمهمومة دوما
بالجماهيرية ، ذلك فقط كى يكرسوا نظرياتهم الخبيثة ؟ ! الخلاصة : لا شك أن
الخمسينيات دخلت التاريخ كالعقد الذى فتح أكبر بوابات الجحيم التى عرفتها
السينما : سينما الأوتير ! ] . - إذا كان التعريف الكلاسى يقول إن الفن هو اكتشاف التميز ‑ويقصد
به الجماليات‑ (
-
التليڤزيون هو حاليا الفن الشعبى بمعنى الكلمة ، ومن دلائل هذا أن أصبح
يطلق عليه الجميع تلقائيا وببساطة كلمة ’ الـ ‘ وسيط 'the' media ، كذلك هناك من
ينظر لأننا نعيش ثقافة الصورة تجاوزنا مرحلة الثقافة النصية ، وأننا بتنا
فى مجتمعات ’ بعد‑نصية ‘ post-textual ،
- ألعاب
الڤيديو ‑باعتبارها الوسيط الأسرع نموا فى الوقت
الحالى‑ تتجه بسرعة لأن تصبح أكبر الفنون الشعبية جميعا ، ومن المحتمل أن
تتبلور سريعا كالحاضنة أو كالصيغة الرئيس للثقافة الإنسانية ، متفوقة على
الكتب والصحف والغناء والأفلام وحتى التليڤزيون ، وباختصار كل شىء
( الآن
هذا هو التمديد الطبيعى لمصطلح التسعينيات infotainment على استقامته ، وهو لا يشمل فقط الترفيه وتشكيل الوجدان ،
بل أن يضم التعليم نفسه ( هل يوجد فارق حقيقى بين اجتياز مجموعة ألعاب
مايكروسوفت Age of Empires ، وبين الحصول على دكتوراه فى علوم
الستراتيچية ؟ ) . مع ذلك لا زلنا فى مرحلة أشد بدائية
بكثير ، ولا يزال الجدل هائلا عندنا حول قصاصات الڤيديو videoclips ،
التى يبدو أن أحدا لم يستوعب وقعها بعد ، ولا يزال يتساءل هل الأغانى ترى
أم تسمع ! عامة يمكن برصد أولى لخصائص
الصيغة الرئيسة الجديدة للثقافة الإنسانية هذه ، ألعاب الڤيديو ،
ملاحظة عدة سمات ، منها أنها الأكثر تفاعلية بما لا يقارن مع كل ما سبقها
من وسائط ( بما يعيدنا ربما لكلام ماكلوان عن الوسيط البارد والوسيط
الساخن ، لكن على نحو ربما لم يخطر بباله قط ) . ومنها أنها
الأكثر خيالا ونأيا عن الواقع . أيضا لا يجب أن ننسى أن غالبية مبتكريها
الأوائل فى عصر إنفجارة الحاسوب الشخصى فى مطلع الثمانينيات ، لم يكونوا
أكثر من صبية فى طور الطفولة بعد ، وإن أصبحوا مليونيرات من حيث لم
يحتسبوا ! ومنها أن تكاد تصنف كلها تحت حقل الصيغ الفانتازية ، وفى
الأغلب منها السيريالية . فأنت تملك عدة حيوات وتتحرك بسرعة فائقة وتعيد
تموين سلاحك فى رمشة عين ، ومن تقتلهم يتبخرون من فوق الأرضية ، هلم
جرا . فى المقابل الأشرار خارقون للغاية ومدججون بقدرات ميكانية
هائلة ، ورغبة فى القتل لا مثيل لها ، ناهيك عن أشكالهم المسوخية .
من هذه بالأخص بالتوالى التوصل
لتميز ألعاب الڤيديو على نحو خاص بالعنف البالغ . حتى إن البعض يقول إن
السادية هى اسم اللعبة ، وإن حتى السينما نفسها لا توفرها على هذا المستوى
أبدا . وهناك من يبرهنون على هذا بلعبة Doom أو شبيهاتها ، لأنها كانت بالذات اللعبة
المفضلة للطالبين اللذين قتلا زملائهما بالجملة فى مذبحة مدرسة كولومباين ،
فى دنڤر ‑كولورادو ، فى أپريل 1999 [
[ تابع
التحديث الخاص بألعاب الڤيديو بالأسفل . أما
بمناسبة قصاصات الڤيديو ، فلن نفيض هنا فى أثرها الفنى الكاسح على فن
السينما نفسه ( اقرأ مثلا مراجعتنا اللاحقة لفيلم ملائكة تشارلى 2 ) . إلا
أنه يعادل على الأقل سبقها إليه فن الإعلان . اليوم كلها تجتمع معا فى شىء
جديد بدأ الحديث عنه فى صيف 2003
كشىء تحت الإعداد للموسم الجديد فى شبكات التليڤزيون الأميركى ، يدعى minimovies .
هذه عبارة عن مسلسل قصير من أربع أو خمس حلقات طول كل منها نصف دقيقة أو أكثر
قليلا ، تذاع على امتداد اليوم بهدف إبقاء المشاهد دون تغيير المحطة .
فقط حاول تخيل كيف يجب أن تكتب الدراما اليوم ، أو كيف يجب أن يكون الإيقاع
أو التكثيف ، أو حتى ماذا تبقى من فنون الحكى لم يخترع بعد . أو لتسأل
على الأقل ما هو قدر البراعة والإبداع فى كل هذا الذى تراه الغالبية عندنا
’ أغانى شبابية ‘ بمعنى تافهة ومسفة . بينما كلها ببساطة إخلاص
بديع لأخص خصائص الفن الشعبى ، هذا الذى يتفرجون هم قبل غيرهم عليه ،
ذلك أنه ببساطة فن المتعة للمتعة ] .
-
الطريات الحاسوبية software نفسها كوسيط اتصال قائم بذاته ( أو كمجرد
حاضنة لجميع الوسائط السابقة multimedia ) ، يمكن
بالمثل تصنيفها ما بين فن نخبوى وما بين فن شعبى . والانقسام الكبير
للحوسبة الشخصية فى الثمانينيات ما بين معسكرى أپل ومايكروسوفت يعكس بوضوح وجود
وتمايز هاتين المدرستين . فبينما برمجيات الأبل ‑الرائدة الأولى للحوسبة
الشخصية‑ تبدو عليها ملامح الصقل اليدوى وتخلو من العيوب وباهظة الثمن
جدا ، كانت خطة مايكروسوفت خلق المواصفة القياسية بعيدة المجرى لحوسبة أبد
الدهر ، بأن جعلت البرامج رخيصة وغير محمية بالمرة من الاستنساخ غير
القانونى . وطبعا لولا هذا لما أصبح هناك أكثر من مائة مليون حاسوب شخصى فى
غصون سنوات قليلة من إعلان بيلل جيتس شعاره الشهير لتلك الفترة ’ حاسوب لكل
نضد مكتب ، حاسوب لكل بيت ‘ . أپل لا تزال تعتمد فى مبيعاتها على
حفنة صغيرة من الأتباع المخلصين لحد الإيمان ، أو ما يسمى طائفة cult ،
وشعارها هو Think Different ، وطبعا ليس لديها الوفرة المالية
لملاحقة ما تقوم به مايكروسوفت من تنمية هائلة لبرامجها واسعة الأسواق ،
وبالتالى مآلها الانقراض أو مجرد الانخراط بتواضع فى التيار الرئيس ! - الإنترنيت منذ نشأتها فى أواخر الستينيات كان
يقصد بها أن تكون وسيطا للاتصال . أما أن تبدو كمصدر أو كبنك ضخم
للمعلومات ، فلا يعدو هذا أكثر من أحد الآثار الجانبية الثانوية لهذه
التقنية . ولم يكن هذا الأمر قد خطر جديا ببال الكثيرين قبل 20 أكتوبر 1999
عندما وضعت الموسوعة البريطانية بالمجان عليها ( وإن كانت مجانية المعلومات
المهمة مسألة مشكوك فى استمراريتها على أية حال ) . لا شك أن
الإنترنيت سوف تتدعم ‑وإن ببطء نسبيا‑ كوسيط اتصال هائل ’ عريض
العصابة ‘ broadband ، رخيص وجلوبى المجال . كما أنه
بدأت بالفعل تتبلور طبيعة المحتويات contents التى ستنتجها ، مثل
أفلام الإنترنيت والأفلام التفاعلية وغيرها . ولا يعتقد أنها ستتعرض
لمنافسة جسيمة على لقب الفن الشعبى رقم 1 من أى وسيط آخر ، باستثناء ألعاب
الڤيديو .
- فى
نفس السياق لاحظ أن تنوع القنوات الزائد الذى نراه فى السنوات الأخيرة ، هو
إرهاصة بتحول التليڤزيون من فن شعبى إما إلى فلكلور شديد المحلية أو لفن للخاصة
عاليى التذوق والتخصص . - بالمثل السينما قد تكون فلكلورا إذا ما أنتجت
للطبقات المنتجة‑المستهلكة للفلكلور ، بل من الجائز فى رأيى أن نتمثل ناصر
حسين أو حتى بعض أفلام محمد هنيدى ، كأشغال أقرب للفلكلور منها للفن
الشعبى . وأفلام ما يسمى بالمقاولات فى الثمانينيات كانت إحياء للسينما
كفلكلور بعد موتها كفن شعبى . لى مع هذه الأفلام تجربة شخصية مسهبة طوال ذلك
العقد ، بالذات من خلال سينما أوديون فى حى معروف الحرفى بوسط
القاهرة ، وقد ألحت على طويلا بتأليف كتاب عن ناصر حسين كظاهرة متفردة
أعتقد أن سوف تعتز بها يوما السينما المصرية ، على الأقل حين كانت أفلام
بتكلفة عشرة آلاف جنيه تغزو جميع البلاد العربية ، بينما يعز التصدير اليوم
فى عصر أفلام الملايين ، وبالكامل تقريبا . ما كنت أراه هو الاندماج
والتهليل الذى يكاد يصل لحد الجنون لكل الفيلم من بدايته لنهايته ولرقصات البطن
على نحو خاص ، والمدهش أكثر أن هذا كان يحدث رغم أن ما يعرض من الفيلم لا
يزيد عادة عن نصف ساعة ، إذ كان يوضع على نحو رمزى فى برنامج العرض الأول
للفيلم الأجنبى لأسباب ضرائبية محضة ! مع هذا فهى أفلام متواضعة إنتاجيا
شبه بدائية وإيراداتها ككل تافهة للغاية ، وهو أمر يجهض كلية ما ظل أغلب
النقاد يروج له لعقود طويلة من أن نجاح الأفلام المصرية يتناسب مع عدد الرقصات
فيها ، ذلك أن هذه النظرية كانت كفيلة بجعل ناصر حسين ‑صاحب مرحلة
’ الانتشار ‘ لهياتم وفيفى عبده والعشرات غيرهن‑ أنجح موجه فى تاريخ
السينما المصرية ! الحقيقة أنها ببساطة أفلام لجمهور يمثل له عادل إمام
المعروض على بعد أمتار سينما مستعقدة sophisticated للغاية ، يستحيل
عليه فهمها أو محاولة هضمها !
هذه المحاضرة بكلمة : السينما فى مصر عادت
لتصبح فنا شعبيا بعد نجاح ما يسمى بأفلام الكوميديا الجديدة ، ومن الآن
فصاعدا ما يحدث هو فقط أن انطبقت عليها كل آليات الفن الشعبى ، أى ما
يلى : 1- واسع الجماهيرية : بمعنى أن ينتج بطريقة الخط التيارى streamline
production الكتلية
الصناعية الاقتصادية عالية الكفاءة ، والتى تتطلب بالضرورة استثمارات سخية
وطويلة المجرى ، ومن ثم يوزع بعد ذلك على نطاق واسع فى دور كثيرة
ومريحة ، كما تقوم على خدمة هذه الصناعات بيزنسات أخرى متعددة . 2- الإبهار المرئى ( بمعنى
البهرجة ، أو ’ اللعلعة ‘ ، أو زواق الصفيح الذى اكتسبت منه
هولليوود اسمها Tinseltown ) :
هذه كلها مقومات أساسية ، والسينما الشعبية ،
مثلها مثل الڤودڤيل والسيرك والسحرة والكوميديا الموسيقية منذ جذورها
الإليزابيثية ، فن ألعاب نارية أكروباتى سطحى يقوم على الزغللة ولا يسمح
كثيرا بالعمق . إنها إجمالا تنتمى لچيم كارى أكثر من انتمائها لإنجمار
برجمان ، وللعالم المرئى لمجلة ’ ماد ‘ منها لأدب
ديستويڤسكى .
3- الانفعال العالى ( بمعنى الاستحواذ العضلى أكثر منه
الوجدانى ، والوجدانى أكثر منه الذهنى ) : إنها تنتمى ليوسف وهبى أكثر مما تنتمى لتشيكوڤ ، وتقترب من عنف
طقوس الزار أكثر مما تميل لصفاء لوحات رينوار . مكونات الفارص أقوى من
مكونات الكوميديا الذكية ، والميلودراما ضرورة تتسيد الموقف طوال
الوقت ، والتهليل للبطل مشروعية حتمية . فقط لاحظ أن هذا لا يعنى
الهزل ، ولا علاقة له بالمحتوى الذى من الممكن أن يكون تقدميا جدا أو رجعيا
جدا أو لا وجود له بالمرة ! ولو تحولت مغنية الريف الأميركى أو فنان
الربابة بصعيد مصر ، من فطرة وخجل وحزن وتأملية أدائهما المنفرد ، إلى
بهاء شونايا توين وتريشا ييروود أو صخب محمد طه ومتقال قناوى وما يحيط بهم جميعا
من تواجد كثيف للآلات ، يصبحون استعراضا show ، مرشحا للانخراط بعد
قليل تحت لافتة الفن الشعبى منه عن البقاء فى دائرة الأضواء الخافتة
للفلكلور . 4- الافراط فى الصنعة
( بمعنى الاستعقاد التقنى ) : بصريا
الخيال وقطعاته أكثر من الواقع ورتابته ، والأصوات الاصطناعية تصم
الآذان ، والمؤثرات تنافس التمثيل ( المؤثرات هى بالفعل ما سوف يتجه
له منتجو وموجهو الكوميديا فى مصر فى السنوات القليلة القادمة ) . مرة
أخرى الوسيط هو الرسالة ، والخيال والقطع والصوت والمؤثرات هى أخص خصائص
الوسيط السينمائى ، وهى تحديدا ما لا يقوى على منافستها فيه أى وسيط .
إنها ببساطة نوع من ’ الحتمية التقنية ‘ إن جاز التعبير ، أو لا
أكثر أو أقل نوع من ’ الإخلاص للوسيط ‘ ، إن جاز هذا التعبير
أيضا . ( لعلك عرفت الآن السر فى تكاثر مشاهد تكسير الزجاج بدرجة
ملفتة فى الأفلام منذ اختراع الصوت الرقمى ؟ ! ) . ألا ترى معى أنه الآن فى عصر الإنترنيت المنجزة
الغائية لحلم القرية الجلوبية ، أن مثقفى الغرب محقون فى إعادة اكتشافهم
المتوهجة للمتفجرات الفكرية لمارشال ماكلوان تلك التى احتقروها ذات
يوم ؟ ! أنا أرى الأمر من زاوية أخرى ، ذلك أن هذا هو بالأحرى
عصر چيرى بروكهايمر الذى لم يمتلك يوما فى حياته حاسوبا ، لكنه من عادت
تنسب الأفلام من خلاله رسميا لمنتجها وليس لموجهيها ربما لأول مرة منذ السينما
الصامتة . كلا هذين الأمرين ينطوى على دلالة رائعة قائمة بذاتها تعصف
بالدماغ ، لكن النقطة أن كل ما فعله هذا المنغمس كلية فى السينما ،
صاحب ’ الصخرة ‘ و’ أرماجيدون ‘ و’ پيرل
هاربور ‘ ، هو أن فهم أبعد ممن سواه لأى مدى يمكن إطلاق الوسيط
السينمائى من عقاله ، متجاوزا فى هذا لوكاس وسپييلبيرج وكاميرون
أنفسهم ، وربما بعدة مراحل أقلها تفجير كل ركن فى الشاشة بالحركة طيلة كل
لحظة فى الفيلم . أبرز من ينفذ له هذا ، مايكل باى القادم من قناة الـ
MTV وعالم قصاصات الڤيديو videoclips ، موجه مثله الأعلى
الدينامية الفائقة لفيلم ’ قصة الجانب الغربى ‘ ، ويمتلك نظرية
متكاملة تقول إن تصوير الموسيقى هو الذى يفتح عينيك إلى أى مدى يمكنك أن ’ تدفع
وسيط السينما ‘ و’ إلى أين سوف تأخذه ‘ و’ كيف تستخدمه
بكامله ‘ و’ تتحرر من قيود الواقعية [ فى حركات وزوايا الكاميرا
وما إليها ] ‘ ، وغائيا يحقق ’ الهروبية الكاملة
للمشاهد ‘ . هذه العبارات مات مارشال ماكلوان دون أن يحلم حتى بسماعها
من أى من معاصريه . والأبعد أن اكتشف مايكل باى بمرور الوقت ضربا سينمائيا
آخرا يحقق له كل هذا ، هو أفلام النشاط ( والبقية تأتى ، إن آجلا
أو عاجلا فى راينا ! ) . أنا أرى فى ذلكما الرجلين ‑بروكهايمر وباى‑
آفاقا بل وتعريفا جديدة لمفهوم الوسيط هو الرسالة ، لا يخص فقط حقل السينما
بل المبدأ فى العموم . 5- إخفاء الصنعة ( بمعنى
الاندماج المطلق للمشاهد ) : إنها سينما
استحواذية overwhelming ، تنتمى لعز الدين ذو الفقار ،
وتطلق النار فوريا بدون تحذير وفى مقتل على برتولت بريخت وبمجرد أن يلوح فى مرمى
التصوير ، بمعنى التعويل بالكامل على أن السينما كذبة وأن الجمهور يرفض أن
يشترى إلا الخداع ! إنه فئران التجارب التى قال عنها هيتشكوك إنها تتلذذ
بالصعقات الكهربية ( ونحن بالمناسبة نريد دائما دراسة الثقافة الشعبية بهذه
الروح اليمينية الأرستقراطية . عفوا ، أقصد الروح العلمية المجردة ،
التى تنأى بنفسها عن التبنى الأيديولوچى أو الانغماس العاطفى مع المادة موضوع
الدراسة ) . هو الجمهور الذى تقاطر أفواجا لمشاهدة ’ المدمر
2 ‘ ، وبعده بشهور قليلة كاد أن يفلس ستوديوهات كولومبيا ، حين
أشاح كلية عن نجمه الأول وشبه الأوحد عندما أصبح ’ آخر أبطال
النشاط ‘ ، فقط لأنه أراد أن يحدثه عن سحر السينما لا أن يمارسه
عليه ! بمعنى آخر ، هل كانت أعظم منتجة مصرية ستفلس لو امتد العمر
بصاحب ’ رد قلبى ‘ ليصنع لها فيلمها التالى ’ الناصر صلاح
الدين ‘ ؟ بالتأكيد لا ! مفاجأة ! ، أليس
كذلك ؟ ! ، أن تكتشف أن هذه الورقة التى تعزى للحقبة الناصرية
مسئولية التدهور المتواصل للثقافة المصرية فى النصف الثانى للقرن العشرين ‑مثلما
يفعل ذلك دائما ببساطته المثيرة ليبرالى مصر الأول نجيب محفوظ ، أو فقط على
غرار جزع د . زكى نجيب محمود المبكر جدا مما رأى أن سيؤول إليه مستوى
التعليم ، وكلها طبعا بدون الخوض فى كوارث الناصرية المعروفة فى المجالات
الأخرى‑ هى ورقة لطالما جنح صاحبها لاعتبار فيلم ناصرى حتى النخاع هو ’ رد
قلبى ‘ ، كأعظم فيلم مصرى ، وكأنضجها فهما لما تدور حوله
السينما ! آمل أن ينير لك هذا أكثر ، المنطق الذى تسير عليه
الورقة ، والذى لخصته المعادلة سداسية الحدود أعلاه ، والتى ليس من
بينها المحتوى . 6- قوالبى مقيد الإبداع : أنصار الفلكلور الأصلاد يرون فى تسجيله ( أى محاولة تحويله لفن
شعبى ) إطلاقا لرصاصة الموت عليه وتحنيطه ، لأنه يقتل أخص خصائص
الأغنية أو الدراما الفلكلورية وهى الارتجال المتواصل عبر الزمن بل وعبر الحدود
الأممية . التعليب القوالبى أحد أخص خصائص خطوط الإنتاج ، والفن
الشعبى لا يعدو إلا واحدا منها . كتاب ’ ضروب الفيلم الأميركى ‘ ينظّر لأن
ما نراه كمثقفين كأعظم الأفلام إبداعا ( ويسترنات چون فورد ، ذهب مع
الريح ، الصقر المالطى ، كازابلانكا ، غناء تحت المطر ،
بونى وكلايد ، الأب الروحى …إلخ ) ، ما هى إلا تنويعة على
القالب ، كل ما فعلته أن فهمته أكثر مما يفهم هو نفسه . هنيدى الطفولى لامع العينين صغير الحجم مع ذلك
المتوقع طوال الوقت أن يسخر فجأة من أى أحد ، ولى الدين ضخم البنية صارم
الملامح لكن دائما البائس فى مأزق ما ، هانى رمزى ساذج وجبان معا ويوحى
دوما بأن أحدهم سينقض عليه ليمسكه من قفاه فى أية لحظة ، أحمد السقا بوهيمى
يسير على الخيط الرفيع بين البلطجة ونبل التمرد أو بألفاظ أخرى الـ ’ رِوِش ‘
أو الـ cool أو الـ ’ تقيل ‘ الذى دائما ما يأتيك من الأفعال
الكثير مما يتمناه عقلك أو عقلِك الباطن المكبوت . فى كل جملة مما سبق توجد
دائما كلمة ’ دائما ‘ ، ذلك أن هذه الشخصيات ما هى إلا قوالب حكى
narrative patterns رسمت ونميت ثم عززت ببراعة واقتدار
هائلين ، بحيث بات تغييرها خطرا جدا أو على الأقل يحتاج لإبداع أكبر !
مرة أخرى المهم البراعة الفنية أو : التقانة أولا التقانة أخيرا . مشكلة بروكهايمر وموجهه مايكل باى مع النقاد ، هى
حرصهما شبه المبدئى ، على الكليشيهات السينمائية فى صورها الأصلية الخالصة
القديمة ، حتى لو بدا فى نظر الكل أن محاولة إثرائها أو تعميقها أو على
الأقل إخفائها ستكون أفضل للجميع ! أنا شخصيا أميل فى أشياء معينة لهذا
الرأى ، لكنى أردت القول إن طاغوت قوانين الثقافة الشعبية يجُب كل
الآراء . إن الشباب فى عصر الأكشاك arcades أضحى يستهين بكافة أشكال الترفيه التقليدية ، ولم يعد يقبل من
الفنون بأقل من أن تعيشه بكافة حواسه الخمس فى واقع فضيل virtual
reality بالكامل ،
لا يمت بصله لما سبق وعهده كوكب الأرض من أشكال مألوفة للحياة . هذا هو القالب السينمائى الجديد
الذى يتبلور بسرعة ، وباتت تتحرك فيه كل الفنون . ودعنا نضم اسم
سايمون ويست ، الذى تعاون يوما مع بروكهايمر فى أنجح أفلامه بدون مايكل باى
’ كون إير ‘ ، وها هو يفتح اليوم آفاقا مثيرة لهذا القالب اليافع
من خلال ’ لارا كروفت ‘ ، مشيرا بجلاء للجذور الطبيعية لهذه
السينما فى دنيا القصص المصورة للثلاثينيات ، ثم فى روح ألعاب الڤيديو منذ
انفجارة الأكشاك فى السبعينيات ، فالحواسيب الشخصية والكنصولات consoles
بدءا من الثمانينيات . هذه الروح التى تحطم الواقعية وتنحو للتجريد تارة
وللسيريالية تارة ، وللكاريكاتورية دائما ليس فى الصورة بل فى الشخصيات
والدراما نفسها ، هى الشىء المهم والأصيل حقا فى ’ لارا
كروفت ‘ ، والذى لم تمسك به الأفلام السابقة المأخوذة عن لعبات
حاسوبية مثل ’ الأخوة ماريو ‘ و’ الاشتباك المميت ‘ ،
أو حتى تلك التى أخذت عن الشرائط strips أو ما يسمى
الكوميكس ، والتى سعت فى الاتجاه العكسى بمائة وثمانين درجة ، إلى
إضفاء الواقعية عليها ( مثال تلك الأخيرة أفلام سوپرمان الكبيرة .
وحتى أفلام ممتازة مثل أفلام باتمان لتيم بيرتون ، لم تحاول الإمساك بالخبل
الخاص لقصص الكوميكس ، وفى النهاية يلوح لك كل منها كمجرد فيلم سيريالى
سوداوى جيد ، أكثر منه فيلم كوميكس ماجن الخيال ) . حتى الآن لم
أعثر ‑وربما غيرى‑ على تسمية لهذا القالب الجديد ، لكن لمجرد التقريب يمكن
وصفه بنوع من التجريد السيريالى المرح . ومن يدرى ، ربما يؤرخ يوما
لويست أو بروكهايمر بپيكاسو السينما ! 7- يصعب تقنينه رغم ذلك : وكلمة تقنين لها أصل تاريخى طريف لا يخلو من مدلول . فعندما
انفجرت شعبية الفرق المسرحية الجوالة ، والكوميديات الموسيقية ،
والمنوعات revue, varieties, vaudeville ، والنمر الكوميدية
الاستهزائية أو التحقيرية follies, burlesque, slapstick,
humor, stand-up comedy ، بل وحتى عرض المسرحيات فى ’ مسارح ‘
السينما ، أصبح يطلق على المسرح التقليدى كلمة المسرح الشرعى بل وأصبح يسمى
حاليا legit وليس إلا ! لاحظ أن كتاب ’ ضروب الفيلم الأميركى ‘
يتحدث عن أفلام جامحة الإبداع ، ويدفع بأنه لولا إبداعها لما نجحت كل هذا
النجاح . مرة أخرى التقانة أولا التقانة أخيرا .
|