آليات الفن الشعبى
( الجزء الثانى )
Popular Art Mechanisms
(Part II)
| FIRST | PREVIOUS | PART II | NEXT
| LATEST
|
NEW:
[Last Minor or Link Updates: Tuesday, October 17, 2006].
March 19, 2003: Indian Cinema: It’s raining hits… in Cairo, Egypt this
time! Plus: A brief history of popular
cinema in India, China, Turkey and Australia.
January 24, 2003: ‘Catch
Me if You Can,’ ‘Fish’s Tail’ and ‘Yacoubian’s Bldg’: Back to the art of very
well told stories, all with some interesting ideas!
October 6-24, 2002: War of Teens —The Inevitable End: Forget
about that boring phony Britney. Aguilera is Latino, ‘Dirrty,’ ‘Stripped’ and
never said she’s a virgin!
…
In Part I
February
7, 2002: A HISTORY MADE: Videogame business
tops film industry for the first time. Are we talking about ‘the’ new main form
of Human Culture?
January
14, 2002: Citizen, Detective and Thief,
a historical conciliation between Intellectual, Authority and Religion or just
another troubled movie?
December
13, 2001: Believe it or not? The new Egyptian
model of hero: Hajj Metwally, the husband of four!
June
22, 2001: A STAR IS TORN: The most popular
actress in Egyptian film history died. Not an accident. Not a suicide. Just a
plain vanilla murder.
![]()
ê Please wait until the rest of page downloads ê
|
الجديد
( تابع جزء 1 ) :
سقطت الحقيقة اقترابيتى الأصلية لكتابة هذا المدخل لم
تكن فنية جدا ، وإن تحولت بعد ذلك كثيرا . ما حركنى هو الكثير من
الكلام الدارج عن أن علامات الأنوثة تظهر مبكرا على الفتيات الصغيرات .
يكفى أن ترتدى فتاة الثامنة إحدى تلك البلوزات السوداء الضيقة القصيرة التى تكشف
البطن ولا يعلقها سوى شريطين رفيعين إلى الكتفين ، ويتفجر إلى الأعلى منها
فلقة صدر ما . أضف إلى هذا بالطبع الاستمتاع الشديد بهذا النوع من
الملبس ، ومحاكاة مشية وكلام نجمات الغناء الجدد ، ولا نقول بالضرورة
فيروز طفلة السينما المصرية . كدت عادة ما أطرد الفكرة على أنها من تهاويم
مجتمعاتنا المحرومة جنسيا ، إلى أن وقعت بالمصادفة تقريبا على مقال من
العام الماضى من مجلة الميلاووكى
چوورنال سينتينيال ، عنوانه ’ علامات البلوغ الخارجية تظهر أكثر
تبكيرا فى الفتيات ‘Outward signs of puberty occur
earlier in girls ،
من ناحية وجدت معه أن الأمر ليس مجرد تهاويم شرقية بل هو حقيقة جسدية
جلوبية ، ومن ناحية أخرى هو يؤكد أن الأمر ما زال أبعد كثيرا من أن يكون
حقيقة علمية مفسرة ، بل لا يزال بعد لغزا . ومن ثم ربما حان الوقت
للنظر للموضوع كله بجدية أكبر . يبدأ المقال بعبارة استفزازية تقول ’ الفتيات الصغيرات فيما بين الخامسة
والعاشرة ، تبدون أكثر وأكثر كنساء صغيرات . لكن أحدا لا يعلم السبب ‘ . يبدأ الحديث عن براعم الصدر breast
buds وشعر
العانة pubic hair ، التى وجدت الدراسات مؤخرا أنها باتت
تظهر فى أعمار أكثر تبكيرا بكثير ، أى قبل العاشرة بالنسبة للفتيات
البيضاوات وقبل التاسعة فى الفتيات السوداوات . هذا فى المتوسط ، أما
فى حالات البعض فإنها تظهر دون السادسة ، وأحيانا دون الخامسة . [ تحديث : 17 أكتوبر 2006 : الظاهرة
تتزايد على نحو درامى ، كما وكيفا . إليك هذا الموضع الرئيس اليوم من
النيو يورك تايمز عن تزايد ظهور حالات شعر العانة لأسباب هورمونية فى سن الطفولة
السابق على دخول المدرسة . الأكثر إثارة أن موقع الجريدة على الإنترنيت
أصبح يخصص قسما خاصا لظاهرة شعر العانة المبكر . انظر هنا ] .
بعد ذلك يبدأ التساؤل عن السبب . بعض العلماء
يطرد الفكرة كلية ، بالذات فيما يتعلق ببراعم الصدر وامتلاء المؤخرة ،
ويقول إنها مجرد بدانة لا أكثر . البعض توجه للعوامل النفسية . قال إن
غياب الأب فى معظم الأميركية المعاصرة ، يلغى من الطفلة الشعور
بطفولتها ، ويحفزها على المسلك الأكبر سنا . دراسة أخرى قالت إن ضغوط
الأسرة على طفلاتها يؤدى بقدوم الدورة الشهرية مبكرا . البعض بدأ يبحث عن
أسباب بدنية وتحديدا هورمونية سببها أنماط التغذية الحديثة . طبعا مجرد
التغذية الجيدة تحفز على النمو ، لكن هناك آراء كثيرة تركز على نظرية تبدو
قوية تقول إن هرمون النمو البقرى المسمى bovine
somatotropin ،
هو من محفزات تكوين هورمون الأوستروچين . إلا أنها نظرية يعوزها الكثير من
البحث لا سيما حول لماذا هذا اللبن عديم الأثر على الذكور ، التى لم تظهر
علامات بلوغ أكثر تبكيرا عندهم . الدراسة فى كل فقرة منها تؤكد أن الأمر برمته يحتاج
دراسات كثيرة ومضنية ، وكلها لم يشرع فيه بعد . على أننا نختار
التركيز من بين نظرياتها المختلفة على نظرية قد تعنى الكثير فى سياق اهتمامنا
هذا بالثقافة الشعبية . نظرية تقول إن ما يعرض فى
الوسائط من صور وكلمات وحركات تركز كلها على الجنس ، سواء فى الغناء أو
الإعلانات أو غيرها ، أمور تجعل المخ يحفز الجسم على النمو . كل
الطفلات ترتدين مثل بريتنى سپييرز لأنهن يحببن أن يكن بمثل صورتها ، أو حتى
لمجرد اعتقادهن أن هذا المظهر المثير جنسيا ( حتى دون أن يعرفوا بالضرورة
أنه مثير جنسيا ) ، هو الأمر العادى .
كل ما ذكرناه من قبل عن وعظ وجيهات المجتمع بل وبريتنى سپييرز نفسها ، عن العفة والجنس الشفوى …إلخ ، زائد أثر التوعية
الجادة بالمخاطر المحتملة للممارسة الجنسية من حمل وأمراض …إلخ ، لا يبدو
أنها خفضت تخفيضا يذكر من إقبال الصغار على الجنس ، بقدر ما زاد الإيمان
بأهمية الصحة الجنسية وتحنب المخاطر . مبدئيا كل هذه لم تكن له أى آثار تذكر على ما بعد
سن المدرسة العليا ، فعامة لم يرصد أى تأثير لهذه البرامج على طلاب
الجامعة ، إن لم يكن العكس هو الصحيح . بحلول سن التاسعة
عشر يكون 77 0/0 من الفتيات و85 0/0
من الفتيان قد مارسن ومارسوا الجنس ، وطبعا فى كل هذا نقصد وتقصد الإحصاءات
بكلمة الجنس الجماع الجنسى الحقيقى الكامل ، وليس الجنس على طريقة مونيكا لوينسكى ! وتصل إلى 86.1 0/0
كنسبة متوسطة بين طلاب الجامعة ككل على اختلاف أعمارهم وأعمارهن ، وتقترب
من 100 0/0 بالنسبة لمن وصل منهم لسن الخامسة
والعشرين ، وهم نسبة لا يستهان بها بين طلاب الجامعات الأميركية . هذا
طبقا لآحدث
دراسة من المركز القومى للوقاية من الأمراض المزمنة وللتوعية الصحية National Center for Chronic Disease Prevention and Health Promotion .
تلك الحملات العلمانية ( أو حتى
الأخلاقية ) ركزت على الأعمار الصغيرة ، ذلك لقلة الخبرة ونقص مصادر
المعلومات . مع ذلك بينما كان فى سنة 1999 من مارسوا الجنس دون الثالثة عشر
من تلاميذ الصف التاسع ( أبناء بنات الرابعة عشر ربيعا فى المتوسط )
يمثلون نسبة 17.7 0/0 بين الذكور و5.5 0/0
بين الفتيات ، لا يزال هناك حتى العام الماضى 2001 نسبة 13.7 0/0
من بدأوا ممارسة الجنس فى هذه السن من الذكور ، بينما لم تتأثر بالمرة
تقريبا نسبة الفتيات ، وهى 5.4 0/0 من مجمل تلميذات
الصف التاسع . هذه الأرقام طبقا لمقارنة قمنا بها بين تقرير سنة 2001 ، والتقرير
المناظر عن سنة 1999 ،
والصادرين عن المشروع المسمى نظام مراقبة السلوك الشبابى الخطر Youth Risk Behavior Surveillance System ، التابع لمركز الوقاية الحكومى الأميركى
المذكور ، ويختص برصد سلوكيات سن المدرسة . المدهش أنه يلاحظ أن النسب
أقل فى تلاميذ السنوات الأعلى ، بما يعنى أن الجيل الأصغر أكثر ميلا للجنس
المبكر . أيضا انخفضت قليلا النسبة ممارسة طلبة المدارس ككل
للجنس عن الأعوام الماضية . إذ نقصت حوالى 4 نقاط عن العام السابق ،
لتصبح 60.5 0/0 لتلاميذ وتلميذات الصف الثانى عشر
بالمدارس العليا ، أى نحو سن السابعة عشر . أما أعلى رقم لها فقد كان
فى العام 1993 وهو 68.3 0/0 ، هذا طبقا لنشرة مركز
الوقاية المذكور الشهرية الأخيرة سپتمبر 2001 . مع
ذلك لا يبدو الأمر أكثر من انحسار مؤقت ، وأن عاصفة جنسية أكبر قادمة خلال
الأعوام إن لم يكن الشهور القادمة . من إرهاصات هذا أن يرصد مثلا مجلس الولايات المتحدة للمعلومات
والتربية الجنسوية ، وهو جمعية أهلية تهدف لترويج الجنس كسلوك صحى مفيد
لجميع الأعمار ، يرصد فى شهرنا الحالى تحديدا الميل الساحق لدى
الآباء والمدرسين ( أكثر من 80 0/0 ) لرفض ما
يسمى ببرامج العفة‑فقط‑حتى‑الزواج ، ذلك لصالح التوجه نحو تربية جنسية صحية
بالمعنى التقليدى للكلمة ، تركز على التوعية بالمخاطر مع تشجيع
الممارسة .
ما نريد قوله إن هذا هو مجرى
التاريخ ، ولن يوقفه أحد . لا أحد يمكن أن يبنى عالما كاملا من مجرد
الحجب والمنع ، عالما رهانه الوحيد هو الجهل . هذا ليس كلاما فى الرقابة ، فهذه تبدو شيئا ثانويا جدا .
الطفولة برمتها تغير معناها ، والنضج يجب أن يبدأ مبكرا جدا بكافة مناحية
عقلية كانت أو جسدية . عندما قال فرويد إن الحياة الجنسية للإنسان تبدأ منذ
الرضاعة ، سخر الناس منه . الآن نرى من فتيات الثامنة حتى الثالثة
عشر ، أو ما أصبح يسمى مؤخرا الـ tweens ،
من يحرصن على التمتع بحياة جنسية كاملة ، بينما المستقبل لم ينته
بعد ، وأن كل ذلك تم حتى دون أية تدخلات چيينية . … إذن ، كل هذا يغرى ضمنا بإعادة التأمل فى قضية
هؤلاء المغنيات المراهقات اللاتى يتفجرن بالأنوثة ، وهى بعد فى عشريات
العمر . لكن دافع الكتابة الآن بالذات ، ليس مجرد أنهن كما توحى قصة الميلاووكى
چوورنال سينتينيال تلك ، ربما يكن سببا فى التغييرات الجسدية التى
نراها فى أطفالنا . وليس حتى لمجرد الاستطراد لمتابعة كلام سابق لنا عن محتوى الفن الشعبى الذى برز فى نهاية
التسعينيات ، واتهمناه فى حينه بالنفاق الجنسى والكذب . إنما لأن هذه
القضية الساخنة دوما ، والمسماة أحيانا ظاهرة بريتنى سپييرز ، والتى
قسمت أميركا والغرب معسكرين ما بين مؤيد ومعارض ، أو ما بين أمهات يحلمن
لأبنائهن بزوجة على غرار بريتنى وكاتبات صحفيات يسخرن من كم هن مخدوعات أولئك
الأمهات ولا يفهمن شيئا ، هى قضية تنفجرت الآن عن انعطافة كبرى ، فاقت
كل التوقعات نوعيا ومن حيث سرعة حدوثها ، بما فيها توقعاتنا أو تحذيراتنا
سالفة الذكر تلك : أن هوت أسطورة بريتنى سپييرز . بدأت كتابة هذا المدخل واللغط يملأ الدنيا عن
استعداد بريتنى سپييرز لإعداد ألبوم جديد فى ظل الفشل الواضح لألبومها
الأخير ، وانتهى منه الآن والدنيا تستعد لاستقبال ألبوم أليجيرا
الجديد ، بلغط أكبر وأكبر ! سأضرب لك بعض الأمثلة : يوم كتبت أول
سطر يوم 6 أكتوبر كانت النيو يورك
تايمز تحاول تحليل سر الأداء المتواضع لسپييرز ، وخلصت لأن السبب ربما
يكمن فى النضج العمرى والجسدى الذى لم يعد لها الاستمرار فيما تقدمه . تحدث
المقال باستفاضة عن الأزياء وتغيرها الحاد . بدأت بموضة البطن العرى
وتبعتها كل بنات العالم ، لكنها فجأة بدأت تظهر بملابس جلدية لدرجة أن
محررا موسيقيا سخر قائلا إنها ربما تريد إحياء فريق الڤيلدچ پيپول . أما
آخر صيحة فكانت هذا الشهر فستان شيفون شفاف بألوان الطيف تكلف 23 ألف دولار دفعنتها
طبعا المصممة دوناتيللا ڤيرساتشى من ميلانو . المقال لا يخلو من تلويح
بالتخبط ، ونقلت عن المغنية ديبى جيبسون تشبيها بچيكل وهايد . حياتها
العاطفية متقلبة أيضا . لم يشأ تذكيرها بوعدها الشهير لجمهورها بأنها ستظل
عذراء حتى تتزوج ، لكنه يروى قصة علاقتها بمغنى فريق ’ إن سينك ‘
الوسيم چاستين تيمبرليك ، والتى انتهت بذات سرعة حدوثها .
هذا المقال الذى كان يحمل عنوانا أكثر تشاؤما فى
الساعات الإولى لإبراده فى الإنترنيت ، ولم يعد كذلك ، يعطى دائما
الانطباع بأنها ربما مرحلة طبيعية تمر بها كل فتاة ستحتفل فى 2 ديسيمبر المقبل
بوصول سن الحادية والعشرين . المهم أنه لم يتحدث أبدا عن شىء اسمه
النفاق . هذه هى نظريتنا حول لماذا هوت مبيعاتها من 24 مليونا من النسخ
لألبومها الأول ’ يا رضيعى مرة واحدة أخرى ‘ 1998 إلى 9 ملايين فقط
لألبومها الأخير ’ بريتنى ‘ فى نوڤمبر الماضى . ربما اقترب قليلا
من هذا عندما لاحظ أن كل زميلاتها وزملائها يقدمون الهيپ‑هوپ ، بينما هى
مصرة على الپوپ العتيق .
الغريب أن كثيرين لم يحاولوا الربط بين هبوط
شعبيتها ، وبين محتوى ما تقول ، أو بالأحرى مدى اتساق ما تقول مع بقية
مكونات حياتها وأفكارها الآنية ناهيك عن السابقة . عندما وعظت بالبراءة
والطهر بملابسها العارية ، ابتلع كثيرون الرسالة ولم يجدوا بها أى
تناقض . عندما بدأت فجأة تغنى البذاءات قائلة So
Fucking Crazy اعتبارا من العام التالى مباشرة لألبومها الأول أى 1999 ، أو
قالت بعدها بعام آخر ’ أووپس ، أنا لست بمثل تلك
البراءة ‘ ، بدا أن لم يصدقها الكثيرون . أما فى ألبومها الأخير
فى 2001 ، حين خاطبت ’ الفتيان ‘ Boys ( كلمة ذات مدلول
جنسى عندما تنطقها الفتيات ، مثل كلمة يا رجل عندما تنطقها
امرأة ) ، معلنة بانسحاق جنسى مرعب لا يتناسب قط مع فتاة عقدت من قبل
العزم على حفظ عذريتها ، أنها ليست إلا ’ إمة من أجلك ‘ ،
بدا أن لم يعد يصدقها أحد . وبالمناسبة ، ديستنى تشايلد بدأن خطة مشابهة وإن
بإيقاع أبطأ ، لكن النتيجة واحدة ! ) . من الطبيعى أن حاول
المقال المذكور تلمس الأعذار دوما . وآمل فى تناسخ على طريقة مادونا يعيد
الحياة من جديد لحياة سپييرز المهنية . يقول مثلا إن ربما كل صناعة الفن
العشرى teen ، شىء تركيبى بالكامل synthetic ، ولذا نادرا ما
يستمر أحد من هؤلاء الصغار . ما نراه من آخرين وأخريات ، وعلى رأسهن كريستينا أجيليرا
إكوادورية الأصل ، وربما غدا الكولومبية شاكيرا والأسترالية هوللى ڤالانس …إلخ ،
ينبئ بالعكس على طول الخط . هؤلاء لهن مصداقية بعيدة المجرى نابعة من تماشى
مظهرهن الجنسى المثير ، مع كلمات أغانيهن ، بل ومع حواديت حياتهن
الشخصية ( ولا نريد ضرب المزيد من الأمثلة بنجمة الپورنو السابقة پورتو ريكية
الأصل چينيفر لوپيز ، ناهيك عن غيرها كالنظيرات السود الناجحات جدا ، ليل كيم ومن إليها ،
واللاتى مرت حياتهن بالدعارة بل والإجرام إحيانا ) . حتى مثال مادونا أعقد من أن يلقى
بسهولة هكذا . صحيح مادونا تناسخت من شقراء رومانسية راقية إلى سادومازوكية
متوحشة إلى راهبة إلى راعية بقر …وهلم جرا ، لكنها كانت دائما متسقة فيما
تقول وتفعل طوال الوقت . تغيرت كثيرا ، هذا صحيح ، لكنها لم تكذب
أبدا . هذا هو الفرق . حتى هذا التغير لم يعفيها من تراجع شعبيتها
بدرجة أو بأخرى . لكن المصداقية قائمة على لو غيرت ذاتها أو حتى غيرت
الجمهور الذى تخاطبه .
هذا عن يوم بدأت الكتابة ، أما يوم انتهيت من
المدخل أى بعد 18 يوما من تلك البداية كانت الأسوشيتيد پرس تدفع بقصة بعنوان
’ سر كريستينا أجيليرا الصغير ‘ ، عبارة عن مقابلة معها كشفت
فيها سر الأقراط المزروعة فى جسدها . قالت إنها أكثر بكثير مما يبدو ،
ليسوا فقط ما نراه فى أذنها وأنفها وشفتها السفلى ، أو حتى حلمة ثديها
اليسرى ، بل يصلون فى الواقع إلى 11 قرطا . أفصحت أن البعض يوجد فى
أماكن عميقة وحساسة للغاية لا يراها إلا طبيبها ، ولا يحسها إلا
خلانها . فى نفس هذا الصباح كانت مجلة الموسيقى الأشهر
والأوسع نفوذا رولينج ستون تضرب ستاندات الصحف بصورة عارية لأجيليرا ،
والمزيد من الكلام حول غضبها الداخلى وكيف تفرج عنه ، وعن مشاكل التواصل
بين هذه الـ songstress وبين من يحيطون بها . على أن ما فاق الجميع اليوم مقال
صغير لكن عميق حقا تجرى فيه اليو إس إيه توداى مقابلة مع أجيليرا . فيها
تقول ما خلاصته أن التجرد المقصود فى ألبومها القادم Sripped هو تجرد المشاعر أى
تعريتها من كل ما هو مزيف ( يسمى فى العربية البوح ) . هذه هى
العملة النادرة حقا فى دنيا يملؤها نفاق الثقافة الشفوية جنسا وتدينا . فى
هذه المقابلة تقول أيضا إن التجرد تجرد تقانى أيضا ، بمعنى أنها تريد أن
تعرى صوتها ، وتنقيه من كل تصنع .
كل هذا الكلام سمعناه من قبل ، لكن ليس
مؤخرا . ربما كانت آخر مرة فى فيلم مادونا الممل ’ حقيقة أم
جرأة ‘ ( يأخذ عالميا عنوانا مضللا هو ’ مادونا فى
الفراش ‘ ) 1991 ، ذات الكلام الذى أعادته فى العام التالى فى
ألبومها ’ إيروتيكا ‘ وكتابها المتزامن معه ’ جنس ‘ ،
وهو تجربة حية بالصور لردود أفعال الناس لرؤيتها عارية تماما فجأة أمامهم فى
الشوارع أو الأماكن العمومية . الملل فى هذه الأشياء جاء من أنها أضجرتنا
ببحثها الوسواسى عن آخر مدى يمكن أن يصل إليه الصدق ، بكل المعنى المحتمل
للكلمة عريا جسديا كان أم معنويا . مادونا نفسها تزوجت وأنجبت ولم تعد
الفكرة تمثل وسوسا لها ، بقدر ما يمثله الآن ما تشاهده ابنتها فى
التليڤزيون . من ثم طغت على الساحة مثيلات مونيكا لوينسكى اللاتى صممت هى
وخليلها العابر بيلل كلينتون على أنهما لم يمارسا إلا الجنس الشفوى ( اقرأ
صفحة الجنس ) . طبعا الحكاية كانت من
الشهرة بحيث وصلت لأسماع كل فتاة كانت تتفتح داخلها الأنوثة المبكرة فى ذلك
الوقت . واحدة منهن كان اسمها بريتنى سپييرز ، وقصتنا تابعنا بداياتها
من قبل فى الدراسة الرئيسة لهذه
الصفحة ، حيث حلت أمثال لوينسكى وسپييرز محل بريچيت باردو وناهد شريف
المتصالحات بالكامل مع أرواحهن وأجسادهن وجنسويتهن . لا يجب أن ننسى لأية لحظة أن الجمهور لا يتسامح قط
مع أى زيف فى نجمه . هذه قبلة الموت للنجومية . إنه الإله بالنسبة
له . لم يكن بإمكان أحد أن يفرق بين حياة چيمس ديين على الشاشة ، وبين
أفكاره وسلوكياته الشخصية . لهذا كان يتلقى آلاف الرسائل يوميا ، يطلب
منه أصحابها استشارته فى أعقد وأخص الأمور . وكان يعجب بينه وبين نفسه من
أين جاء لكل هؤلاء الانطباع بأنه فيلسوف عتيد لهذه الدرجة ، يمتلك موارد لا
نهائية من الحكمة وخبرة الحياة . المثير جدا للفضول هنا أنه لم يكن أكثر من
عشرى مشوش confused teenager كما يسمى ، هذا سواء فى حياته الواقعية
أو على الشاشة . المدهش أكثر أن هذا التشوش يمكن أن يصنع مهنة نجم . ليس
چيمس ديين وحده ، بل كان هناك مارلون براندو وآخرون فى فترة الخمسينيات
تلك . حتى بريتنى سپييرز نفسها كان يمكن أن تصنع من مراهقتها المشوشة
مهنة ، ولها كما تعلم ألبوم بعنوان Oops!… I Did It
Again ( 2000 ) .
المشكلة فقط أن هذا شىء لا يمكن تصنعه ! على فكرة ، نفس النظرية المكتوبة هنا تنطبق
بدرجة أو بأخرى على المغنيات العربيات اليوم . تتربع على عرش الغناء سميرة سعيد ونوال الزغبى .
واحدة مغربية تغنى بالعامية المصرية والثانية لبنانية تغنى بنسخة عصرية من
العامية اللبنانية يفهمها ويحبها كل العرب بنفس درجة العامية المصرية ،
وربما أكثر . فى الواقع هذا يجمعهما أكثر مما يفرقهما ، إنه يعطيهما
لمسة حداثة لا مراء فيها . لكن ما يجمعهما أهم من هذا أنهما رائعتان
كامرأتين . نحن نتحدث عن عرض show متكامل ، بصرى وصوتى وموضوعى ، على المغنية أن تقوم
به ، وتخلق حالة وجدانية وحسية ( أو بصراحة أكبر جنسية ) كاملة
لدى المشاهد ، قلنا المشاهد لأننا لا نستطيع ‑شئنا أم لم نشأ‑ فى عصر ثقافة
الصورة أن نقول المستمع . بعبارة أدق : قصاصات الڤيديو هذه هى
أفلام . أفلام بكامل معنى الكلمة . أفلام موسيقية قصيرة . وهى
يجب ‑لا سيما الجيد أى الذى يعى هذا منها‑ أن تشاهد فى هذه الصيغة
( الفورمات ) تحديدا . والاستماع لها فقط كأغنية هو ابتسار
لها ، تماما كما الاستماع لفيلم شهير من خلال المذياع . وربما لا
نبالغ إن قلنا إن هذا التحول نحو ’ الموسيقى التى ترى ‘ قد فعله مرة
واحدة وللأبد إلڤيس پريسلى ، أو لو شئت فريد أستير وچنچر روچرز ! هل تعرف ماذا كانت
أول قصاصة ڤيديو انطلقت بها قناة إم تى ڤى سنة 1981 ؟ إنها لأغنية فريق
باجيلز من أواخر عام 1979 وتدعى ’ الڤيديو قتل نجم الراديو ‘
( هل كنت تتوقع عنوانا آخر ! ) . نعم ،
لم يكن 1 أغسطس 1981 مجرد يوم ميلاد
أول قناة متخصصة للموسيقى ، إنما كان لحظة فارقة فى تاريخ الفنون ،
قبلها كانت الموسيقى تستمتع أو على الأكثر ترى على المسرح أو مسجلة من على
منصته ، وبعدها أصبحت فنا مرئيا بالكامل ، به كل ما تتمتع الأفلام من
خلفيات مصنوعة خصيصا وحركة كاميرا ومؤثرات وتمثيل وتقطيع وتوجيه ، كل
شىء . بعبارة أخرى إن أقل وصف لهذا أن انتقل الغناء من نطاق الفيلم
الوثائقى لنطاق الفيلم الروائى كامل الأوصاف . كما نبوءة
الباجيلز الملهمة عن ذاك الفن الجديد الوشيك ، الكل يتحدث منذ عامين
( ونحن منهم فى صفحة التقنية )
عن الاندثار المحدق للألبوم كفورمات لتوزيع الموسيقى ، وأن الأغنية باتت هى
الوحدة . اليوم نضيف أن الأغنية التى تسمع فقط هى أيضا فى سبيلها
للاندثار ، بل ربما هذا هو أيضا تفسير اندثار الألبوم ، فالأغنية
ترتبط فى ذهن المتلقى بحزمة هائلة من التداعيات البصرية قبل أى شىء آخر .
ويا لها من تجل جديد رائع لما أسماه مارشال ماكلوان من عقود الوسيط الساخن أى
الذى يقوم بكل شىء ويتلقاه المستهلك فقط ، ومن هو يسعى للتحكم فى المتلقى
والاستحواذ على أكبر قدر ممكن من حواسه
وبعد …
اللغط حول زى
سيرينا ويلليامز السابق أو اللاحق يفوق بمراحل الكلام عن كونها أفضل لاعبة تنس
فى العالم . ( الموضوع قديم وشبق أن ناقشناه
ذات مرة فى المدخل الرئيس لصفحة هولليوود
حين شرحنا لماذا بطلات السينما جميلات دوما بغض النظر عن نوع الدور أو الأصل
الاجتماعى الذى عليهن تأديته ، أو ذات الشىء عن وسامة الرجال . أيضا
فى المدخل الرئيس لصفحة الليبرالية كان
ثمة صور متعددة لمزيد من فاتنات التنس بالذات منذ فجر الفرع النسائى الاحترافى
لهذه الرياضة ، هذا وذاك بالطبع باعتبار الرياضة إحدى أيديولوچيات الدهماء الكبرى الجميلة
والمفيدة ) . أنا أعرف صحفيا أسس وكالة إعلانات خصيصا كى يقابل مغنية
تونسية حسناء فى منزلها بالقاهرة لا لشىء إلا لإعجابه الشديد بصدرها .
نحن إذن حين نتكلم عن سميرة سعيد أو نوال
الزغبى ، لم نكن نتحدث عن حنجرة عالية التقنية ورائعة تأكيدا مثل أصالة ، لكن قد
تنقصها بقية الأشياء أو غير شديدة التفوق فيها . إنما السبب المباشر فى
انفراد النجمتين المذكورتين بالساحة حاليا ، هو ببساطة أنهما الأشد تحررا
جنسيا فى المظهر أولا ، ثم فى كلمات الأغانى ، ناهيك عن حداثة
نعود للسؤال الأصلى : ما هو مستقبل بريتنى سپييرز ؟ لنفترض أنها لن
تظل للأبد مراهقة مشوشة ، وأنها ستسير فى طريق فساتين الشيفون باهظة
التكلفة ، وأنها تريد أن تصبح امرأة فاتنة نعم ، لكن ناضجة راقية ولا
تغنى إلا الپوپ . ترى هل تصلح لأن تكون باربارا سترايساند أخرى مثلا .
لا أعتقد ذلك . سترايساند هذه امرأة يهودية مخها ملئ بالكثير والكثير من
الأفكار والنظريات اليسارية السياسية وغير السياسية . حتى أجيليرا تلك فى سنها الصغير
هذا ( 22 سنة ) ، تبدو للجميع كفتاة تعانى ، تطرح تساؤلات
واهتمامات وجودية كبيرة ، وتبحث بدأب عن حقيقة ما فى الحياة . بينما
لا نكاد نرى فى رأس بريتنى الصغير الجميل سوى هلام مطلق . إنها لا تصلح لا
لأن تكون باربرا سترايساند ، ولا حتى نسخة ممسوخة من كريستنينا
أجيليرا . ربما تصلح فقط أن تكون نسخة من … المهم : هذا لن يوقف بنات الخامسة من أن يبدين أكثر جنسوية جيلا بعد
جيل ! … اقرأ قصة الميلاووكى
چوورنال سينتينيال عن البلوغ المبكر للفتيات … اقرأ قصة النيو يورك
تايمز عن مستقبل بريتنى سپييرز المهنى المحتمل … اقرأ موضوع غلاف الرولينج
ستون عن كريستينا أجيليرا الذى صدر اليوم وإن حمل تاريخ 14 نوڤمبر 2002 …
اقرأ قصة اليو
إس إيه توداى عن ألبوم أجيليرا الجديد …
[ تحديث :
22 يونيو 2003 : اليوم صدر
الألبوم الجديد للمغنية ليز فير بعنوان Liz Phair ، ذلك بعد انقطاع دام خمس سنوات . على
أنه فى نفس الوقت اليوم بالتحديد هو ذكرى مرور عشر سنوات ، على صدور
الألبوم الأول لها . ليز فير تتماس مع معظم ما تحدثنا هنا
( الصراحة ، الإبحار فى رغبات الأنثى الصغيرة ، فى توهانها بعد
فى الحياة …إلخ ) ، إن لم تتفوق على الجميع فى معظمه ، لكن بها
مشكلة واحدة جعلتنا لم نستخدمها كمثال ، هو أنها لم تنضم قط للتيار
الرئيس . اليوم ربما حان الوقت لمراجعة هذا الموقف . السبب واضح فى أنها لم تنضم للتيار
الرئيس : إنها رسول الپورنو
لدنيا الغناء . العناوين وحدها ( دع الأزجال
فى حد ذاتها جانبا ، فلا شىء أصرح منها فى تاريخ الموسيقى ! )
تشرح ما نقصده من مفردات دنيا الپورنو وممارساته : Exile
in Guyville, Blow-Job Queen (Flower), Fuck and Run, Fuck or Die, I'll Get You
High, Fantasize, Six Dick Pimp, Dogs of L.A., Girls' Room . البعض وربما لا توجد سابقة تاريخية بهذه
القسوة فى المفاجأة ، سوى تلك الأشهر إطلاقا حين ذهب بوب ديلان بساقيه لمهرجان
الموسيقى الفلكلورية Newport Folk Festival سنة 1965 ليستفز جمهوره التقليدى بأنه هجر الفولك وانتقل للروك ، وكانت كما تعلم ليلة ليلاء ! ( بمناسبة البوب والروك لا بد أن
أضع بعض التحفظات هنا . أولها أنى لست خبيرا جدا بالتفاصيل التقانية
للموسيقى بحيث أميز بين الاثنين بسهولة وثقة . ثانيا والأسوأ أن قراءاتى
علمتنى أنه لا يوجد خط فاصل ، فما يعرفه ناقد أو موسيقى ما كبوب يعرفه آخر
كروك ، والعكس . ثالثا الخلاصة التى استنتجتها من هذه القراءات أدت بى
لوضع تعريفى الخاص لهما : البوب
هو الروك ‑أو أى شىء‑ بعد مضى عشر سنوات عليه ! الأمر
يشبه ما يسمى عندنا الأغانى الشبابية حين يقارن بما تقدمه إذاعة الموسيقى
الحكومية . البييتلز كانوا ’ ضوضاء ‘ وروك مرعب فى عصرهم ،
أما اليوم فهم قمة البوب بكل نعومته و’ حلاوته ‘ ، وهكذا يسير
الحال ! ) . مع ذلك يظل المثير حقا فيما فعلته
فير ، شيئا يفوق أى شىء آخر . إنها ذهبت لذلك الپوب حاملة معها كل
تراثها السابق من الصدق الپورنوى . صدق أو لا تصدق ماذا بين عناوين أغانى
الألبوم الجديد ؟ Hot White Cum ! حيث بعد عشر سنوات نكتشف أن استمتاعها
بالسائل المنوى على وجهها قد تضاعف عشرة أضعاف ما كان عليه فى Blow-Job Queen !
لا تزال ليز فير ، تملك
المحتوى قبل اى شىء آخر . لا يهمها ماذا ترتدى . بل الواقع أنها ترتدى
كل شىء بدءا من الملابس شبه الريفية المتسعة الكثيرة والمتعددة فوق بعضها ،
حتى التى شيرت مقاسات الرضع كالتى ترتديها بريتنى سپييرز . أيضا هى ليست
غاضبة أو فاجرة ككورتناى لاڤ مثلا . لا تستخدم كلمة fuck مليون مرة كإيمنينم أو
ألف غيره ، لكنها عندما تستخدمها لا تكون كلمة سباب بالمرة إنما تقصد بها
ببساطة ممارسة الجنس . طبعا هى مثيرة كامرأة . وهى صاحبة ألف
وجه ، ويكفيك المقارنة بين الصورتين المجاورتين . أما قواطعها
الأمامية الضخمة التى لا تشبه سوى تلك خاصة باجز بانى ، فلا يمكنها إلا أن
تذكرك دائما بولعها بالجنس الشفوى ( أو بالحديث عنه على الأقل ، فهو وبعد ، لا يمكن لأحد أن يتسرع
بالحكم على نجاح الألبوم الجديد ، والبعض يميل لأنه يحتاج لمعجزة .
ربما هذا صحيح ، لكننا نظل أمام تجربة لا يمكن لنا إلا أن نسجلها ،
وأن قطعا نشيد بها بعشر خطوط تحتها . تجربة تحاول نقل قيم بالغة التحرر
والصراحة للفن الشعبى ، أى لفن الجماهير العريضة . … لعل آخر تجربة من هذا
المستوى ، وإن ليست بذات الدرامية ، كانت مادونا ! ] . [ تحديث : 13 أغسطس 2003 : يبدو
أن الألبوم المذكور لليز فير قد يدخل التاريخ كأحد أكثر الألبومات إثارة لشهية النقاد .
الآن مر شهران ولا يزال التعامل معه كبيرا ، وطبعا جادا جدا . اقرأ
اليوم قصة جديدة فى النيو يورك تايمز بعنوان المغنية التى
أجبرت معجبيها على أخذها على محمل الجد ، ولعله بالأحرى يقصد أنها
أجبرت النقاد ! فهذه هى القصة الثالثة أو الرابعة فى حدود علمى ،
للجريدة المرموقة وحدها ، الأولى منها كانت حتى قبل صدور الألبوم نفسه
بأسبوعين بعنوان الخروج من مدينة
الرجال ، ذلك فى إشارة طبعا لعنوان ألبومها الأول ] .
( ربما ما ينقص
فقط ضلعا رابعا للمربع قد نستكمله فى القريب العاجل ، إلا وهو مشاهدة فيلم
’ الساعات ‘ الذى يتصدر بقوة سباق الجوائز لسنة 2002 ، وهو عن
شخصيات حقيقية أيضا ، وبدأ اليوم تحديدا عرضه الواسع فى شمال
أميركا ! ) . الأربع قصص مبنية على قصص واقعية ، وكلها very well told وتعيدنا لأيام الحكى الجيد المبنى على الحرفة الدرامية وحدها ،
دون إبهار صيغى أو تغريب أو مؤثرات . … ’ النصاب
المحترف ‘ قصة حقيقية لمراهق يدعى فرانك أبينچيل
استطاع النصب بعدة ملايين من الدولارات فى الستينيات على شركة پان آم وعدد من
البنوك ، من خلال سيل من الشيكات متقنة التزوير . يتخلى سپييلبيرج أبو
متفجرات الصورة عن كل تراث الإثارة البصرية والمؤثراتية ، ليعود لحكى قصة
بسيطة تبدو أقرب للفيلم التليڤزيونى منها للسينما . ولا تنس أن أفلام
التليڤزيون تعيشت عقودا ولا تزال ، على القصص الحقيقية أكثر من أية موضوعات
أخرى إطلاقا . الحكى سلس وبسيط أو بعبارة أخرى ’ تسلسل القصة
سليم ‘ كما العبارة الشهيرة لأستاذنا فريد المزاوى أفضل من نقد الأفلام المصرية إطلاقا ( كل ما عليك شطب السطر المتعلق بالتقييم الأخلاقى لها من
كتابته ، ليتبقى لك بعدها منهجا موضوعيا لم ينافسه فيه أى أحد آخر ،
منهجا ناضجا فنيا ورائعا فى تمثله للوسيط وخصائصه المتفردة وفى فهمه العميق لما
تدور حوله السينما أصلا . ومنه تلك العبارة المتكررة ’ تسلسل القصة
سليم ‘ التى قد لا تبدو للمثقفين المتحذلقين ذات شأن مهم ، أو يسخرون
منها قائلين وهل هناك تسلسل قصة غير سليم ، لكنها العبارة التى هيمنت على
ذاكرتى أكثر من أى شىء آخر وأنا أتابع الأشغال الثلاثة التى أتحدث عنها
اليوم ) . [ يبدو أن لذلك السبب الخاص بسلاسة القصة فضلا عما بها
من ذكاء وخدع البطل ، زائد نجومية البطليين المحببين عندنا ضرب الفيلم
أرقاما مذهلة فى البقاء فى دور العرض المصرية لعشرات الأسابيع ، وربما يصير
أنجح أفلام العام الأجنبية ] .
الواقع أنه يمكن قول الكثير عن روح سپييلبيرج التى
انعكست على ثنايا الفيلم . يبدو أن أبنائه السبع قد كبروا ، بحيث
انتقل لصنع أفلام لسن السادسة عشر عن سن السادسة عشر . وفى هذا هو يواصل
اهتمامه الأثير القديم الأشهر باكتشاف الطفولة وبمخاطبتها . مع ذلك كل عناصر المتعة موجودة فى قصة
’ النصاب المحترف ‘ وليس خارجها . شاب صغير ذكى وسلسلة تحايلاته
البارعة واستغلاله لوسامته وخفة ظله . بل وحتى لحظات ألمه وهزيمته .
كلها تستحوذ عليك تعاطفا مع مصيره من اللحظة الأولى للأخيرة . وإلى أن تصل
للنهاية الاحتفالية السعيدة بكونه قد صار أحد أفراد التحقيقات الفيدرالية يسخر
كل خبرته وذكاءه فى خدمتها . أيضا يمكن اعتبار ’ النصاب
المحترف ‘بداية لظاهرة ستزدهر بلا شك من الآن فصاعدا ، كما ازدهرت فى
كل فترات الكساد ، ألا وهى أفلام النصب ، تلك التى تلهب الجمهور
بالأمل وتمنيه بالحياة السهلة وبما يسمى بالحلم الأميركى …إلخ ( يشاركه هذه
البداية فيلم ’ أوشين إليڤين ‘ لچورچ كلوونى وبراد پيت وچوليا روبرتس
وطابور آخر من النجوم ) . ويكفيك أن تتخيل كم التهليل مثلا عندما خدع
البطل غريمه المحقق حين أمسك به فادعى أنه عميل لوكالة سرية سبقه للمكان ،
أو حين تأبط ثمانية مضيفات مستجدات فاتنات فلفت الأنظار إليهن وأصبح هو بقعة
سوداء لأى عين لا يمكن أبدا أن تراه كطيار يتوسطهن . والقصة الدارجة على
لسان بطل الفيلم أكثر من مرة عن الفأر الذى ظل يجدف فى القشدة حتى حولها لزبد فعام
ونجا ، بينما غرق زميلا ميتسلما من البداية . تشرح من بعيد فلسفته فى
النصب ، وفى الحياة أيضا ، ألا وهى المثابرة والدأب ، لكنها توحى
ضمنا بفكرة الحلول البعيدة غير التقليدية وتحويل الأبصار دوما لشىء أكثر
استحواذا . وطبعا كان مشهدا مثيرا للتهليل حين حكاها ذات مرة لأسرة
( بلهاء كما كل الناس فى الفيلم ) على سبيل صلاة خاصة بتناول
الطعام ! الفيلم ناجح ، وينتمى لفئة المائة وخمسون
مليونا زائد ، داخل أميركا ، وربما أكثر منها خارجها . وعلى
ألأقل هو أنجح كثيرا من ’ تقرير
الأقلية ‘ ، فيلم سپييلبيرج السابق ’ السمين الكبير بتوم
كرووز ‘ كما وصفه هو نفسه فى إشارة لفيلم ’ حبيبتى اليونانية ‘
صفرى الميزانية والذى حقق أضعاف فيلمه فى شباك التذاكر ! …
ذات القالب الدرامى للواقعية الاجتماعية نتابعه تقريبا مع بطل وحيد حامد ، كشاف الكهرباء فى ’ ديل السمكة ‘ ، هذا الذى يتنقل ما بين القاع العميق لطبقات المجتمع المصرى إلى أرفعها وأثراها ، متفرجا غالبا ومتفاعلا أحيانا . كلها قصص جيدة الحكى بسيطة مؤثرة ، تؤكد للمرة الألف أن الانفعال هو ما تدور حوله السينما ، وتقول إن وحيد حامد قادر على إدهاشنا طوال الوقت بما لا نتوقعه بالمرة . وكما أدهشنا بكوميديا مسلية بلا أى محتوى كالمتوقع منه فى ’ محامى خلع ‘ ، يفاجئنا هنا بالعودة للقصص الاجتماعية البسيطة كالتى بدأ بها فى ’ الدنيا على جناح يمامة ‘ ، ومن المؤسف أن نرى الفيلم فى العلب منذ سنة 2000 ، وكم سيسعدنا لو قال الجمهور كلمة أخرى رغم عدم وجود نجوم ، فما هو أكثر قاعدية وهو الحكى المؤثر المستحوذ عناصر متوافرة تماما . لكن على عهدة سپييلبيرج ، هذا هو زمان العودة لأفلام الحلم الهولليوودى القديم للثلاثينيات الكاسدة ، أو ما يسميه أشقاؤنا الأيديولوچيون أفلام التغييب ، وليس أوان الحكى الشجى المثير للدموع ، حول الفقر والفاقة والكفاح الصعب ! بمناسبة الأيديولوچيين ، من المدهش أنك تزداد
تأثرا مع الصعود لأعلى فى السلم الطبقى وليس العكس ، ذلك مع الدخول مع بطل
الفيلم الشاب المرهف الشاعر المتعلم الذى لم يجد سوى وظيفة كشاف لعدادات
الكهرباء فى المنازل ، من قصة لأخرى حتى الذروة مع قصة الثرى المثلى
المتعطش للحب المثلى ، ومن بعده الأم الثرية الوحيدة فى عودة أخاذة لمحسنة
توفيق للشاشة . ولا أدرى ماذا سيكون رد فعل تجاه هذا من قبل النقاد
الإيديولوچيين هؤلاء ( أو بالأحرى المتمسحين بالإيديولوچيات والكلام الضخم
بحثا عن شعور ذاتى زائف بالأهمية ، دع جانبا السينمائيين الأيديولوچيين فهم
قصة أخرى تطول ، فقط نقول بكل الجزم هنا إنهم فى كل تاريخهم المهنى مجتمعين
فشلوا أن يقدموا فيلما واحدا وحيدا عمن يسمونهم ليلا نهارا بالمهمشين ،
يمكن أن يضارع ديل السمكة فى جماله أو تأثيره أو حتى اقترابه من
هؤلاء ! ) . أيا ما كان الموضوع ، فالمؤكد أن وحيد حامد من
القلائل فى السينما المصرية ممن يعرفون حقا ماذا تدور حوله السينما ، وأى
أنواع يجب أن تحتويها المائدة انفعاليا ووجدانيا ، والمضمون مهما كبر أو
صغر لا يمكن أن يأتى عنده سوى من صميم المادة الدرامية . فقط ربما كان ’ ديل السمكة ‘ هو الفيلم المناسب فى
الوقت غير المناسب . فقط الناس مرهقة ، ولن تدفع نقودا فى شىء غير
التغييب ! على العكس من ’ النصاب المحترف ‘ يختزن
وحيد حامد حقيقة أن فيلمه مبنى على قصة حقيقية لعناوين النهاية ، ذلك فيما
يشبه مفاجأة صغيرة جميلة ، تزيدك إشباعا و’ دفئا فى القلب ‘ كما
يقولون بالإنجليزية . أما المفاجأة الجميلة الأخرى هى النهاية السعيدة التى
لوح بها لقصة حبه مع البطلة حنان ترك طاغية الحضور دائما أبدا ، بأنها قد
تطلق من الثرى الخليجى حين ’ يزهق ‘ ، أو لعل مدرسة أختها سوف
تبلغه بأمر هذا الزائر أو ايا ما كان ، ويعود الحبيبان لبعضهما بعد أن حطم
شظف العيش من أحلامهما الكثير . القصة مفعمة بالكفاح والأمل ، والأروع
منهما أن الفقر لم يأكل الروح . وظل البطل على رقة مشاعره وحبه للشعر
وتهذبه فى معاملة الجميع ، وظلت البطلة التى اختلطت بأرقى الأوساط محافظة
على نبلها وروحها الصافية . لا نبالغ إن قلنا إنها معانى لم نجد من ينقلها
لنا بمثل هذه الشحنة والتأثير والصدق منذ رحيل أستاذ السينما المصرية عز الدين
ذو الفقار ، سوى بعض من أفلام حفنة محدودة من السينمائيين المصريين كمحمد
خان ، وكوحيد حامد طبعا ! عمرو واكد ( تلميذ الهراء الشاهينى وبتاع
الانتفاضة فى أصحاب ولا بيزنس ) ، يبدو هنا صبيا طفوليا مهذبا رائعا
على نحو مدهش وفجائى . هذا يحيلنا فورا لمن هو الموجه الذى استخرج منه كل
هذا . سمير سيف يعلمنا درسا جديدا طالما افتقدناه فى السينما المصرية فيما يجب أن
يكون عليه موجه الأفلام . درس يوجه لدعاة الموهبة شيوخا وصغارا ، يقول
لهم أن ليس مطلوبا من الموجه أن يكون ’ ذا رؤية ‘ أو
’ ذاتيا ‘ أو ’ مبدعا ‘ أو ’ فنانا ‘ إلى آخر تلك
الكلمات المنحطة أو ملوية العنق التى يزايد علينا بها أصحاب ما يسمى بالسينما
الفنية وسينما المؤلف إلى آخر هذا الهراء . المطلوب فقط أن يضع كل حرفته
وخبرته فى خدمة القصة التى يوجهها . هذا هو تعريف موجه الستوديو ،
وسمير سيف أثبت أنه يستطيع تقديم كل الضروب السينمائية بذات القدر من
الاتقان ، فيما لا يختلف كثيرا من حيث المفهوم عن رموز موجهى الستوديوهات
أمثال هاوارد هوكس وچون هيوستون
وروبرت وايز …إلخ …إلخ . …
ربما باطنيا ديل السمكة هو الذى حفز على قراءة
فورية منى لـ ’ عمارة يعقوبيان ‘ . فالتشابهات كثيرة وليس أشهرها أنها تدور فى عمارة
حقيقية بشارع طلعت حرب بوسط القاهرة ، وشخوصها ‑لا سيما المشاهير
والپرلمانيين والسياسيين‑ حقيقية ، وإن اختلف علاء الأسوانى عن سپييلبيرج
وحامد فى أن لم يصرح بهذا ، وليس أقل تلك التشابهات تقديم شخصية مثلية
محورية على نحو إيجابى ، ثم أن ‑ولعله الرابطة الأهم‑ وحيد حامد نفسه هو
الذى سيقدم يعقوبيان للسينما ، ولا بأس من بعض الإثارة انتظارا لهذا الحدث
الكبير المشوق ! الرواية مثيرة محكمة وممتعة ، لا تستطيع بدأها
دون الانتهاء منها . ولعلاء الأسوانى أبرع أدوات الوصف والحكى ، بما
يحافظ على الدفق الايقاعى ، ويتصاعد به تدريجيا مع دخولها لنصفها
الثانى . والانطباع العام هو أنها مزيج من ميرامار والمذنبون ، مع
أصداء قوية من الثلاثية كالتناول الپانورامى لحى قاهرى وطبقته الاجتماعية وككون
الشحصية المحورية شخصية كهل حسية غارقة فى الملذات . وكل الإحالات لنجيب
محفوظ قادت البعض وتقودنا لتمثلها كأحد أفضل الروايات العربية لكاتب غير نجيب
محفوظ . هى مجموعة من القصص المتوازية ، لن تعرف إلا مع الفقرة
الأخيرة تماما أى منها هى الأكثر رئيسة ، والتى يتبنى المؤلف شخوصها نسبيا
ولن يحكم عليها بالموت أو سوء المآل . لن نحدثك كثيرا عن التفاصيل ،
إلا بقدر ما ستضرنا إليه هذه الحفنة من الانطباعات والتحفظات عن الرواية ،
التى هى على العكس ، سلبية بعض الشىء : 1- الأرثوذوكس
حثالة : أوافق علاء الأسوانى تماما على هذا ،
وأوافقه على الحاجة الملحة لفتح هذا الملف العطن الذى طال غلقه باسم الوحدة
الوطنية ، حول فئة من الشعب يتخيل الغرب أنها قوة حداثة وتقدم ، بينما
هى غارقة فى عفن التخلف المصرى حتى أذنيها . لكنى لا أوافقه على بضعة
أشياء ، أبرزها أن حماسه الزائد لفتح هذا الملف هو الذى أوقعه فى الغلطة
الوحيدة تقريبا فى كل الرواية التى فقد فيها كلية الحس الواقعى والدرامى .
فزكى بك الثرى الحسى رفيع المذاق الذى يعلم جيدا معنى الجمال ، ربما يقبل
لطيبته ورقة حواسه تعيين أبسخرون الأعرج ساعيا لمكتبه الهندسى ، لكن المؤكد
أنه لن يسمح له بمواصلة ارتداء الملابس الرثة بعد ذلك . الفكرة هيمنت على
علاء الأسوانى ، وأراد بشتى الطرق إظهار أبسخرون وابنه ملاك بصورة منحطة
فتجاوز كل معايير الواقعية الدرامية . اجتماعيا ذلك غير صحيح أيضا ،
فالأرثوذوكس ليسوا حثالة بالنسبة للمسلمين . هم طبقة وسطى أرقى ككل فى
عمومها ، وفقراؤهم نادرا ما يشتغلون عند مسلمين فى الوظائف الدنيا ،
ونادرا ما يتورطون فى أمور بين المسلمين قد تصل لحد تسهيل الدعارة والرشوة كما
فعل ملاك أخو أبسخرون مع بثينة . والرد بأن زكى بك ليس مسلما إنما
علمانى ، والبديهى أن يكون أبسخرون حثالة بالنسبة له ، قد يكون صحيحا
اجتماعيا ، لكن يظل غير مقنع دراميا . فالدراما اختيار ، ودون
تفصيل شديد ودون وضع للأمور فى أقواسها المناسبة ، لا يصلنا سوى معنى أن
زكى المسلم يستخدم أرثوذوكسيا وضيعا لديه . عالميا وتاريخيا الأرثوذوكس حثالة بالنسبة للپروتستانت
والكاثوليك ، لكن بالنسبة للمسلمين هذا غير صحيح ، ولم ولن يكون
كذلك . علاء الأسوانى كان كأغلب طلبة طب الأسنان وسائر
الكليات العلمية منذ السبعينيات عضوا فيما كان يسمى الجماعة الإسلامية ،
لكنه كما قال مؤخرا لجريدة القاهرة سرعان ما نأى عنها لقيمها المتخلفة . لا
شك أن سكناه بشخصه فى العمارة محور الرواية لفترة غير قصيرة ‑ربما وحدها ،
وربما بالإضافة لأسباب أخرى لا نعرف عنها الكثير‑ هى التى أكسبته كل هذا القرب
والاحترام للمسيحيين من أصول غربية ، ( ملحوظة
عن الألغام الرقابية : ربما على العكس من موضوع
المثلية أو نقد الناصرية أو تعريف الوطنية ، التى هى الغام رقابية
صغرى ، فإن قضية الأرثوذوكس أو من يسمون بالأقباط ، زائد الجنس الكثيف
جدا ، زائد النقد المخيف لأمين
التنظيم فى الحزب الحاكم ، بل و’ للرجل الكبير ‘ الذى يحصل
لنفسه على ربع أرباع كل الشركات من خلال المشاركة فيها بدون رأس مال ، هى
بعض من ألغام رقابية عظمى تنتظر تحويل الرواية للسينما . لكن المؤكد أن
الأجدر على الإطلاق بحل المعضلة على أفضل وجه ممكن هو وحيد حامد ، لاستنارته الشخصية
المؤكدة ، ولحنكته الطويلة المميزة والمثمرة فى التعامل مع الرقابة ،
وليس بالرشوة وحدها كما ’ مخرجنا ‘ الكبير صاحب الجوائز العالمية إياه
الذى لا تحتاج أفلامه أية رشاوى أصلا ) .
( ملحوظة أخرى بمناسبة ’ حبيبتى اليونانية ‘ :
أحرز الأرثوذوكس نقطة كبيرة بصنعهم فيلما يسخرون به من
أنفسهم ، فإذا به يصبح أنجح
فيلم مستقل وأنجح كوميديا عاطفية |