ما هى العلمانية ؟

( الجزء الثانى )

What Secularism?

(Part II)

 

| FIRST | PREVIOUS | PART II | NEXT | LATEST |

 

NEW: [Last Minor or Link Updates: Saturday, August 16, 2008].

 

رائعة نجيب محفوظ الخالدة ’ أولاد حارتنا ‘

January 24, 2005, 11:01:13 PM التنزيل للتأكد من عدم إفساد الإعلانات أرسل الـ .rtf January 04, 2005, 8:39:26 PM صديق للموقع يفيدنا بوضعه النص الكامل لرواية نجيب محفوظ على موقعه January 09, 2005, 2:37:04 PM على الغشاء على هيئة ملفين .pdf ( يوجد له موقع مرآة هنا لكن الوثيقة مقسمة لثمانية ملفات .pdf . أما الموقع الأصلى الذى أخبرنا به فى البداية فى 9 يناير 2005 فلم يعد يشتغل على ما يبدو ) . الرابعة January 10, 2005, 12:50:22 AM ربما يفسد قليلا المتعة التى لا تقارن للرواية كون هذه النسخة حافلة بأخطاء البصم . من المحتمل ربما أن يكون أحد مشروعاتنا مستقبلا تصحيح هذه الملفات ، التى لا شك تعد الأولى من نوعها على الإنترنيت ، وجهدا مشكورا هائلا فى كل الأحوال .

 

Visit Our Memorial Page hypatia.egypt

This page, written in English and classically designed in April 7, 2000, was originally intended as a separate secular site.

20000407 Hypatia search and first design, 20000523 ‘final’ design; Monday, July 22, 2002 10:34 PM just very minor changes were done (the title hypatia.com, ‘site date’ of 19991202 and the new doc date itself all modified to match the first design date. After September 11, 2001 this might look like a kind of intellectual luxury and page just should be integrated here!

 

King Arthur (2004)

 August 25, 2004: After 9/11, not only the Islam is in trouble, Christianity also! Introducing a wonderfully shocking movie titled ‘King Arthur!’

The Passion of the Christ (2004)

 March 31, 2004: Isn’t it time for a secular, historic and accurate cinematic retelling of Jesus story? Mel Gibson’s is definitely not! Also: The launch of this new page on the concept of religion.

 

 

 

In Part I

 December 24, 2001: The ever-secular Christmas still the same pagan fertility feast of sex. It just took a better taste after September 11!

 September 28, 2000: Should the religious mania end by the year 2005? A stunning theory from a new American book.

 September 11-18, 2000: The FTC report against Hollywood and the solid response from liberal press as The New York Times and Variety.

 

ê Please wait until the rest of page downloads ê

 

’ … ‘

‘Countries are like geological formations, the surface areas may change from time to time but not the underlying character’

Review of Does America Need a Foreign Policy, 2001, Chapter One. Henry Kissinger

(Actually just a deeper inflection of Huntington’s ‘Clash of Civilizations’ thesis or of our earlier theory on genetic characteristics of nations!) è

‘Would the United States be the country that it has been and that it largely remains today if it had been settled in the 17th and 18th centuries not by British Protestants but by French, Spanish, or Portuguese Catholics? The answer is clearly no. It would not be the United States; it would be Quebec, Mexico, or Brazil

Samuel P. Huntington

(Just another variation on the same theories!) ê

‘Extraordinary claims require extraordinary evidence’

Friedman Forum #15969 20011112 saved and printed Carl Sagan

—on God (and of course on Other Life, Revelation and all such outrageous forever-unprovable assumptions)

‘I want to know, not to believe’

Newsweek 19970331 on Prayers (From Arabic in Secular Encyclopaedia doc) Carl Sagan

—on Religion

 افتتحت هذه الصفحة فى 31 مارس 2004 ، الخميس‏‏ ‏22‏‏ ‏أبريل‏‏ ‏2004‏ ‏39‏:‏11‏ ‏م‏ مع الاكتمال الشديد للمدخل المذكور حيث كنا قد كتبنا فيه تحليلا مطولا لفيلم ’ حرقة المسيح ‘ عبارة عن تفنيد موسع للمسيحية ككل . كان المكان المرشح لهذا هو صفحة الحضارة ، لكن بعد الفراغ منه تبين أن هذا المقال زائد بعض المداخل الأخرى السابقة فيها يخرج عن نطاق هدفها الأصلى ، ألا وهو تحليل ما يسمى بصدام الحضارات ، وتحديدا صراع الحضارة المعاصرة ضد ’ لا حضارة ‘ الإسلام بالذات ، الذى كان وسيظل محور تلك الصفحة . من هنا جاءت فكرة هذه الصفحة الجديدة ’ العلمانية ‘ التى تعنى بالشأن الدينى المحض ، أكثر منه بأبعاده ومتضمناته السياسية .

هذه الصفحة ستفضح بكل ما أوتيت من قوة تلك الفكرة الشيطانية السافلة والمرفوضة علميا وأخلاقيا ، التى تزعم وجود إله خفى فى السماء ، يدعى بعض الدجالين السفلة أنهم على اتصال خاص به دونا عنا جميعا ، يسمون أنفسهم أنبياء ورسل ، ثم يبدأون التحكم فى حيواتنا ومصائرنا وفقا لذلك الوحى الموهوم وما يخترعونه هم وزبانيتهم من شرائع قمعية متخلفة !

الدراسة الرئيسة كانت فى الأصل عطفا على مدخل فى تلك الصفحة حول كتابات ڤى . إس . نايپول ، تدور بالأخص حول نشأة ما سمى بالتوحيد فى مصر ، وهى كانت متبوعة تلقائيا بذلك الجزء الذى اشتهر كثيرا من موقعنا والمعنون ’ الرب فى نظرية النسبية —حوار مع صديقى المؤمن ‘ . أيضا نقلنا من تلك الصفحة ، وكذا من صفحة الجنس ، بعض الأجزاء الأخرى ، منها ما هو أقدم ومنها ما هو أحدث من هذه ، بالطبع مع ترك ما يشير لهذا هناك . تلك الأجزاء عبارة غالبا عن تعليقات منا على آراء بعض المؤرخين أو رجال الدين المسيحيين ، خرجت فى جزء منها عن مجرد التعليق على موقفهم من الإسلام ، إلى إسهامات شبه مستقلة منا عن الظاهرة الدينية ككل فى ذاتها .

من ثم لن يكون الإسلام محور صفحتنا هذه ’ العلمانية ‘ ، كما هو الحال مع صفحة الحضارة ، إنما سيكون محورها الظاهرة الدينية وتهاهفتها فى عمومها أو من جذورها .

هذه الصفحة ستفضح بكل ما أوتيت من قوة تلك الفكرة الشيطانية السافلة والمرفوضة علميا وأخلاقيا ، التى تزعم وجود إله خفى فى السماء ، يدعى بعض الدجالين السفلة أنهم على اتصال خاص به دونا عنا جميعا ، يسمون أنفسهم أنبياء ورسل ، ثم يبدأون التحكم فى حيواتنا ومصائرنا وفقا لذلك الوحى الموهوم وما يخترعونه هم وزبانيتهم من شرائع قمعية متخلفة !

فرويد فى صفى …

داروين فى صفى …

إديسون فى صفى …

آدم سميث فى صفى …

أرسطو فى صفى …

كل أمنا الطبيعة فى صفى

… أنا قوى جدا !

لا أحتاج آلهة أخرى !

20040429 08:09 ص استيقاظ وأول مرة شىء فى صورة شعر أو ما شابه وبعد ، ربما حانت لحظة الإجابة على سؤال كثيرا ما يوجه لموقعنا ، هو لماذا كل هذا الشعور بالقوة فيه .

ربما تجرى الترتيلة على النحو التالى :

فرويد فى صفى …

داروين فى صفى …

إديسون فى صفى …

آدم سميث فى صفى …

أرسطو فى صفى …

كل أمنا الطبيعة فى صفى

أنا قوى جدا !

لا أحتاج آلهة أخرى !

أيضا ستضاف هذه الصفحة لتلك الصفحات التى كان قد تقرر اعتبارا من 4 يونيو 2002 أن لا تتاح إلا خارج الخط ، ذلك لاعتبارات تتعلق بمحتواها الذى قد يعتبره البعض صادما . بالتالى إذا كنت تقرأ الآن على الخط ، فلن تجد أسفل هذا الكلام أى من المحتويات المفترضة للصفحة . إذا أردت تنزيل المحتويات الكاملة لهذه الصفحات عبر مجوعة الملفات التى تضم كامل محتويات الموقع ( docs ، archive ، photos ، photos 2 ، photos 3 ، photos 4 ، …إلخ ) ، والقابلة للتشغيل خارج الخط ، ’ يتحتم ‘ MUST عليك أولا قراءة هذا التنصل disclaimer من جانبنا ، بدقة تامة ، والموافقة المطلقة عليه ، وتحمل كل ما يفرضه عليك من مسئوليات . هناك ستجد أيضا تفاصيل أكثر عن هذه الملفات ومحتوياتها وما قد يستجد عليها من ملفات أخرى .

الجزء الثانى من هذه الصفحة افتتح بالتزامن مع تكوين الجزء الأول فى 31 مارس 2004 ، وذلك لأن المادة لم تكن لتناسب صفحة واحدة من حيث الحجم .

نحن نرحب بكافة المساهمات من تعليقات أو أخبار من زوار الموقع من خلال المساهمة المباشرة فى لوحة الرسائل إضافة أو قراءة أو بالكتابة عبر البريد الإليكترونى .

 

 

الجديد ( تابع جزء 1 ) :

 

Jim Caviezel as Jesus with crown of thorns and scarlet robe to mock him as 'The King of the Jews' in The Passion of the Christ (2004)

The One-of-a-Kind Jesus!

Monica Bellucci

Just Another Glorious Mary Magdalene?

 31 مارس 2004 : لم أحسد أحدا على مقال سينمائى فى السنوات العشر الأخيرة ، أو ربما طيلة عمرى المهنى ، قدر ما حسدت تود ماككارثى ناقد ڤارايتى الرئيس على مقاله المعنون أعظم قصة لم ترو أبدا The Greatest Story Never Told قبل أسبوعين ، ذلك ضمن عموده الثابت ’ بؤرة عميقة ‘ ( العنوان وحده يستحق الحسد . فلست كل يوم تجد عنوانا لشىء يمكن من خلال إضافة حرف هجاء واحد أن يناهض فى محتواه عنوان فيلم شهير جدا كهذا ، ويكون فى نفس الوقت اسما على مسمى فعلا ولدرجة الحرفية ! ) .

Hammam Al-Malatiely (1973)

This entry is available in PDF format for handsome, ready and double-sided printing. Click the above icon to download the file.

For a full list of PDF files click here.

طبعا تغطيات فيلم ’ حرقة المسيح ‘ The Passion of the Christ لا تعد ولا تحصى ، ومنها مراجعة ماككارثى نفسه ، وكثير منها يحاول وضع الفيلم على محك الحقائق التاريخية العلمية المجردة ، ومن هنا لعل أفضلها ملف النيوزوييك الضخم Who Killed Jesus? ، الذى احتل غلاف عدد 16 فبراير ، والذى اشترى الناس عندنا نسختها العربية بنهم بسببه . طبعا أيضا شاهدنا كل ما تناول قصة يسوع سينمائيا بدءا من ’ بن هير ‘ الصامت 1925 ، حتى ’ يسوع الناصرى ‘ زيفيريللى 1977 وتوابعه . ويمكن أيضا القول إنها غالبا ما تبنت رؤية علمانية تاريخية وحاولت كسر الهالة العقيدية بدرجة أو بأخرى ( لا قيامة ولا صعود ولا معجزات ولا عوالم أخرى ولا حيوات ثانية ولا عاشرة ولا أى من كل هذا الهراء فى بن هير ، وزيفيريللى وكاتبه أنتونى بيرجيس يصلان لحد الكتابة صراحة على غلاف الڤيديو أنها رؤية تاريخية ) . لكن رغم كل هذا تأتينا مقالة ماككارثى كالدش البارد وسط كل ذلك اللهيب . بعد أن اعتقدنا أن زيفيريللى وسكورسيزى أو الكندى دينى أركان ، قد وصلوا بنا لقمة العلمانية الممكنة فى رواية قصة يسوع ، يكتشف لنا ماككارثى تمثيلية شاشة screenplay منسية ‑وأقدم بكثير وتحديدا من منتصف الأربعينيات‑ تجب كل هذا . إنها مشروع الموجة الدنمركى العظيم كارل دراير بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لرواية قصة يسوع . والتى أراد بها بعد سقوط النازية ، أن يتناول يسوع من منظور تاريخى محض يلغى به التهاويم الدينية المسيحية الموجهة بالقصور الذاتى نحو العداء لليهود . ولما لم ينفذ ( غالبا لأنه ‑كما سنرى‑ خفيض النبرة منزوع الدراما ولم يكن ليحقق نجاحا جماهيريا ، رغم أن تلك الفترة كانت الذروة التاريخية لازدهار السينما الملحمية ) ، عاد قبيل موته فى 1968 وكتب بحثين معنونين ’ من قتل يسوع ؟ ‘ و’ جذور معاداة السامية ‘ ، أراد لهما أن يصاحبا تعميم مخطوطة الفيلم ، ويؤصلان للرؤية التى حاول طرحها فيه . وفعلا عمم كل هذا من خلال دايال پرس سنة 1972 .

دراير هذا ( أشهر علم فى تاريخ السينما الدنمركية ، وصاحب حفنة من القطع الأستاذية من شاكلة ’ أوراق من كتاب الشيطان ‘ و’ أرملة پارسون ‘ 1920 و’ حرقة چون أوڤ آرك ‘ 1928 و’ مصاصة الدماء ‘ 1932 و’ يوم الحنق ‘ 1942 و’ الكلمة ‘ 1955 و’ جيرترود ‘ 1964 ) ، ليس يهوديا إنما لوثرى الخلفية . وهدفه من مشروع فيلم عن صلب يسوع كان خلق أرضية لنوع جديد من التسامح بعد كل ما جرى فى أوروپا . بحوثه ، والتى يقول إن ما حركها هو قراءته كتاب للكاتب اليهودى الأميركى سولومون زايتلين ، قادته لأن النقطة المحورية فى تمثل القصة ، هى محاولة فهم شخصية قيافا رئيس كهنة اليهود .

تمثيلية الشاشة تصور يسوع كصديق دائم للفريسيين ، يقضون وقتهم فى تناول الطعام سويا ، ومن ثم فى المناقشات التى لا تنتهى . وخلفية كل هذا هى وجود جماعات سياسية يهودية ثورية تريد الخلاص من حكم الرومان . ماذا يفعل قيافا بين هذين النارين ؟ إن هدفه هو فقط حماية شعبه فى مثل تلك الظروف القاسية . وتصميم يسوع ، أو على الأقل أتباعه المقربين ، على أنه المسيح ، سوف يلهم أولئك الثوريين إلى أفعال ضد الرومان لا تحمد عقباها . لا بأس عنده ، ولا حتى لحد ما عند الرومان ، لو ظل على زعمه أنه ملك اليهود بدلا من هيرودس التافه ، لكن بشرط أن يكون ذلك ملكا أرضيا . أما أن تأتى الثورة من داخل المؤسسة الدينية ، وباسم بدعة الحكم بالحق القدسى Divine Right ( أو بمصطلحات الجماعات الإسلامية الحكم بما أنزل الله ) ، فتلك ثورة مباشرة صريحة على روما ، وسوف تفتح أبواب جهنم على الجميع . هنا يقول بحسرة وهو يفض يده من يسوع ’ بقلوب مثقلة سنضطر لتسليمك للرومان ‘ ( هذا فى الواقع له جذوره الإنجيلية نفسها ، على الأقل فى قول يوحنا 18 إن نظرية قيافا كانت ’ خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب ‘ ) .

تمضى مخطوطة دراير لتجسد بيلاطس على العكس من قيافا ، حاكما رومانيا صارما ( ملف النيوزوييك المذكور أفاض فى إثبات هذا تاريخيا ) . يستمع للمتهم لحظات معدودات ، ثم يأمره بإيجاز ’ اذهب لصليبك ‘ ، هذا دون تردد ودون غسل أيدى ، ودون أى شىء . حتى دون تعذيب . فيلم دارير لم يكن ليحوى أية مشاهد جلد أو تعذيب ، هذه التى مثلت رهان ميل جيبسون الكبير ومئات الملايين التى يجنيها هذه الأيام . فقط كانوا يسخرون منه كملك مزعوم وهو يحمل صليبه ( طبعا المقصود بالصليب أن يحمل العارضة فقط ككل المحكوم عليهم ، فالقائم نفسه مزروع فى الأرض أصلا ولا يخلع ) . فقط صلب عادى دون أى شىء يميزه . بل حتى أقل من العادى ، فطبقا لدراير الشوارع كانت شبه خاوية ، وصلبه لم يحظ بأية شعبية ’ ذلك أن كان اليوم عيد الفصح وكل الناس نائمة وقد أتخمها الطعام ‘ !

عنوان الفيلم الذى لم يتم أبدا عنوان بسيط هو ’ يسوع ‘ . وهذه أكثر من أية مرة أخرى يقصد بالاسم الدنيوى ’ يسوع ‘ ( بدون المسيح ) ، كل ما يمكن أن يقصد به . هذا ما قصده تحديدا زيفيريللى بعنوان ’ يسوع الناصرى ‘ ، وعامة هو موقف هولليوود ، الذى علينا أن نسترجعه اليوم . حيث سنتوسع فى المقاطع التالية فى مقارنة الروايات اليسوعية السينمائية المختلفة ، لنعرف كم هو قدر الفاجعة فى صنع ميل جيبسون لفيلم ’ دينى ‘ بكل المعانى الإيمانية للكلمة ، بل ويطيح من أجلها بكل معارف التاريخ وبديهيات المنطق . ولنقول بضمير مستريح ، إن قطعا لم تجرؤ السينما على مثل هذا الجرم أبدا من قبل . وهولليوود بالتحديد لم تصل لهذا الدرك إطلاقا ، وما كان من الممكن إنتاج فيلم مثل حرقة المسيح إلا على نحو مستقل تماما عنها ، بل وعلى نحو مدان منها بشدة !

كل شىء بالطبع فى كفة والسياسة فى الفيلم فى كفة . فالتناول غير المسئول لليهود ، والتحريض المجانى ضدهم بمثل هذا الاستخفاف السياسى والحضارى أو حتى الإنسانى ، فى عصر تواجه فيه الحضارة المعاصرة برمتها منذ 11 سپتمبر 2001 تحدى حياة أو موت على يد الإسلام ، يعتبر جرما غير قابل للغفران ، حتى لو قال يسوع شخصيا فى جيبسون وشركاه ’ يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون ! ‘ . سافاير 200403/01SAFI وبالمناسبة جيبسون الذى لا يزال ينقل ذنب الآباء للأبناء بعد ألفى سنة ، يرفض هو نفسه فى كل أحاديثه الصحفية تحمل ذنب أبيه شخصيا الذى كان يبشر بأن المحرقة اليهودية أكذوبة ! لكننا على أية حال قررنا رغم ذلك ألا نخوض فى السياسة هذه المرة ، وأن ندخل مباشرة للشأن الدينى .

Staff missionaries for Jews for Jesus, a worldwide group based in San Francisco that adheres to an evangelical Christian theology but is made up of believers with Jewish lineage, New York, July 2006.

Born as a Jew, Died as a Jew!

نبدأ بذكر بعض البديهيات المختصرة : يسوع هذا يهودى ولد يهوديا وعاش يهوديا ومات يهوديا ولم يفكر أو يبشر للحظة بأنه يمكن أن يوجد للرب دين آخر غير اليهودية ، وحتى اللحظة لا تزال فصائل يهودية كثيرة معجبة به على هذا الأساس ، ويحتفلون به فى كل كريسماس . لكن ما حدث هو أن هدم الرومان بقيادة تيتوس الهيكل وسووه بالأرض قمعا لعصيان يهودى خطير . ومن ثم بدأ شتات اليهود عالميا ، هذا فى سنة 70 ح . ش . ( للحقبة الشائعة أو CE ، أو للميلاد حسب التسمية الدينية ) . الخرافة الدينية مكون هائل من ثقافة ذلك الشعب . كان لا بد من تفسير هذه النكبة الهائلة ، بجرم أكثر هولا ارتكبوه . وليس هناك ما يمكن أن يفسر هذا أفضل من قتل ذلك النبى الطيب يسوع . هنا فقط بدأت كتابة ’ الأناجيل ‘ ، وكتبت ( الرسمية الأربع منها على الأقل ) بهذه الروح ولهذا الهدف تحديدا : تفسير غضب الرب الهائل على اليهود ، حتى لو كان ذلك النبى الطيب متطرفا دينيا لدرجة أن يقول للحاكم الرومانى فى وجهه أنه بلا سلطان ، وأن السماء وحدها هى التى تعطى السلطان ، وذلك أمر كفيل فى الظروف العادية بإثارة ثائرة الحاكم والأمر بقتله فورا ، وكفيل فى حالة كون هذا الحاكم شديد الحلم ، أن يضيع على المتهم كل فرص تخفيف العقوبة .

ليس غريبا ، والهدف هو هذا الهدف من كتابة الأناجيل ، أن يضع كل كتاب السيرة العطرة على لسان يسوع نبوءة شديدة التفصيل عن هدم أورشليم والهيكل وكأنه يصفها وصف العين . يقول فى لوقا 19 و21 ’ تأتى أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة . يهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجرا على حجر ( إلا وينقض ) … هذه ( أبنية الهيكل التى ترونها حجارة حسنة وتحف ) ستأتى أيام لا يترك فيها حجر على حجر لا ينقض ‘ . ذات الشىء وضعه على لسانه بذات الحروف متى 24 ومرقس 13 ’ أتنظر هذه الابنية العظيمة . لا يترك حجر على حجر لا ينقض ‘ . أما الإنجيل الرابع الذى كتبه يوحنا الملقب بحبيب يسوع فهو الشىء الذى يفوق كل شىء : لقد كتب بعد نهاية القرن الأول للميلاد بكامله ، أى بعد قرابة 70 سنة من واقعة الصلب !

أتباع يسوع الأوائل لم يكونوا دينا ولا عقيدة ولا حتى نصوصا ، فقط طريقة صوفية ، بالمعنين الحرفى والدارج للكلمة . الحرفى لأن ’ أعمال الرسل ‘ تصفهم فعلا بـ ’ أتباع الطريق ‘ ، والدارج لأن تعاليم المسيح بالنسبة لهم لم تكن سوى أسلوب حياة ، أو هكذا كانت وستظل كل الصوفيات عبر التاريخ . إن كلمة مسيحى ، مسيحيون ، أو أى من الاشتقاقات الأخرى المحتملة ، لم ترد فى كل الكتاب ’ المقدس ‘ المعتمد الذى يؤمن به المسيحيون أنفسهم سوى ثلاث مرات . والذى صكها هو أجريپا ملك أنطاكية وليس أى من أتباع يسوع نفسه ( اقرأ أعمال الرسل 26 ) ، الذى من الواضح أنهم لم يستخدموها أبدا . أما كلمة مسيحية فلم ترد فيه بكامل دفتيه ، ولو لمرة واحدة ، على وجه الإطلاق ، بما فى ذلك كتابات يوحنا المتأخرة جدا . الأمر برمته يشبه بالضبط أن يخرج علينا اليوم من يقول إن چورچ واشينجتون أو ناپليون بوناپرت أو الخديوى إسماعيل كان نبيا وعلينا اتباعه !

لم يكن الأمر يحتاج بالضرورة لسقوط الهيكل أو لتنظيرات يوحنا المعقدة ، بل كان هناك من قبل هذا ومنذ البداية تقريبا ، نشطاء آخرون يتحركون ، سرا فى الغالب ، لكن بالتأكيد دون أن يكون لمعتقداتهم اسم دين جديد بعد ، وأعجب دليل أن مجامع الكنيسة الأولى كانت مؤتمرات لكبار رجال الدين اليهود المعروفين ، وهؤلاء الرسل لم يكونوا سوى أعضاء راديكاليين بعض الشىء فيها . أكثر من استهواه الأمر إطلاقا من بين هؤلاء الرواد الأوائل شخص من سوريا ( البلاد التى يحكمها بشار الأسد حاليا ) ، راحت تنتقل المادة الأسطورية على يديه من بلد إلى آخر ، وكل مرة تتضخم وتتضخم وتزداد أسطورية بمرور العقود ، بحيث حين جاءت لحظة الحقيقية الدرامية الكبرى فى تاريخ اليهودية بهدم الهيكل ، ثم بعد أن حلق يوحنا بالأسطورة لآفاق جديدة غير مسبوقة فى كل تاريخ الأديان ، ومذهلة بالكامل ، بأن جعل يسوع هو نفسه الإله ، أصبح كل شىء قد أصبح جاهزا ، وأمكن فى نهاية المطاف ‑وإن ليس قبل مرور قرون كاملة‑ خلق دين جديد كامل من تلك المادة . كما تعلم ، ذلك الشخص الذى وضع اللبنة العقيدية والتنظيمية الأولى كان اسمه شاول الطرسوسى وفى قول آخر پولس الرسول The Apostle Paul ، وهذا الدين اسمه المسيحية Christianity .

أتباع يسوع الأوائل لم يكونوا دينا ولا عقيدة ولا حتى نصوصا ، فقط طريقة صوفية ، بالمعنين الحرفى والدارج للكلمة . الحرفى لأن ’ أعمال الرسل ‘ تصفهم فعلا بـ ’ أتباع الطريق ‘ ، والدارج لأن تعاليم المسيح بالنسبة لهم لم تكن سوى أسلوب حياة ، أو هكذا كانت وستظل كل الصوفيات عبر التاريخ . إن كلمة مسيحى ، مسيحيون ، أو أى من الاشتقاقات الأخرى المحتملة ، لم ترد فى كل الكتاب ’ المقدس ‘ المعتمد الذى يؤمن به المسيحيون أنفسهم سوى ثلاث مرات . والذى صكها هو أجريپا ملك أنطاكية وليس أى من أتباع يسوع نفسه ( اقرأ أعمال الرسل 26 ) ، الذى من الواضح أنهم لم يستخدموها أبدا . أما كلمة مسيحية فلم ترد فيه بكامل دفتيه ، ولو لمرة واحدة ، على وجه الإطلاق ، بما فى ذلك كتابات يوحنا المتأخرة جدا . الأمر برمته يشبه بالضبط أن يخرج علينا اليوم من يقول إن چورچ واشينجتون أو ناپليون بوناپرت أو الخديوى إسماعيل كان نبيا وعلينا اتباعه !

لم يكن الأمر يحتاج بالضرورة لسقوط الهيكل أو لتنظيرات يوحنا المعقدة ، بل كان هناك من قبل هذا ومنذ البداية تقريبا ، نشطاء آخرون يتحركون ، سرا فى الغالب ، لكن بالتأكيد دون أن يكون لمعتقداتهم اسم دين جديد بعد ، وأعجب دليل أن مجامع الكنيسة الأولى كانت مؤتمرات لكبار رجال الدين اليهود المعروفين ، وهؤلاء الرسل لم يكونوا سوى أعضاء راديكاليين بعض الشىء فيها . أكثر من استهواه الأمر إطلاقا من بين هؤلاء الرواد الأوائل شخص من سوريا ( البلاد التى يحكمها بشار الأسد حاليا ) ، راحت تنتقل المادة الأسطورية على يديه من بلد إلى آخر ، وكل مرة تتضخم وتتضخم وتزداد أسطورية بمرور العقود ، بحيث حين جاءت لحظة الحقيقية الدرامية الكبرى فى تاريخ اليهودية بهدم الهيكل ، ثم بعد أن حلق يوحنا بالأسطورة لآفاق جديدة غير مسبوقة فى كل تاريخ الأديان ، ومذهلة بالكامل ، بأن جعل يسوع هو نفسه الإله ، أصبح كل شىء قد أصبح جاهزا ، وأمكن فى نهاية المطاف ‑وإن ليس قبل مرور قرون كاملة‑ خلق دين جديد كامل من تلك المادة . كما تعلم ، ذلك الشخص الذى وضع اللبنة العقيدية والتنظيمية الأولى كان اسمه شاول الطرسوسى وفى قول آخر پولس الرسول The Apostle Paul ، وهذا الدين اسمه المسيحية Christianity .

الفكرة فى هذا الدين بسيطة لحد الجمال : كل فرد فى كل عقيدة كل قبيلة فى كل ركن دانى أو قاصى من منطقة الشرق الأوسط المنكوبة بچيينات وعقول أهلها التطيرية الخرافاتية ، يستيقظ وينام يحلم بشىء يخلصه من بؤسه ، شىء اسمه المهدى المنتظر . ما فعله پولس ورفاقه أن قدموا الإجابة التى لم تجرؤ عليها كل الأجيال منذ طرح أشعيا الفكرة : هذا اليسوع البار هو ذلك المسيح ، المسيا الموعود ! ( النكتة الفاحشة هنا أن هؤلاء المخترعين الأفذاذ سرعان ما اكتشفوا أن اختراعهم الصغير لم يحل شيئا على أرض الواقع ؛ لا يزال الناس يعانون ، أو بالأحرى لا يزال ما هو فى الچيينات فى الچيينات ، فأتوا بسرعة باختراع آخر ، مهديا منتظرا جديدا ، اسمه المجىء الثانى للمسيح ! يا للهول ! أقصد : هلليلويا ! ) .

قبل أن أبدا كلامى للمسيحيين ، لدى كلمة جانبية للعلمانيين الغربيين الذين يستعظمون الأمر ويبذلون أضخم الجهد لإثبات أن الغنوصية هى الأصل والمسيحية هى الهرطقة . أقول : نعم أنتم على حق ، ونعم علم التاريخ هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ، لكن ما العويص أو الكارثى فى أن يقول پولس أو يوحنا على لسان يسوع إنه الإله ، بل ما المشكلة لو كان يسوع قد قال هذا عن نفسه فعلا ؟ إنها ليست بدعة كبرى كما قد تبدو للوهلة الأولى . الأمر أبسط من ذلك بكثير ، وقال بمثله الكثيرون من قبل ومن بعد ، من بوذا مرورا بالحلاج وليس انتهاء بشيرلى ماكلين . كلهم تخطوا الحد الفاصل بين أن نكون كلنا أبناء الرب ، وبين أن نكون جزءا من ذات الرب ، أو ‑عند لحظة معينة من النمو الروحى‑ نكون الرب نفسه . طبعا لا غرابة أن اعتبرت الكنيسة أن الغنوصية هرطقة ، لكن لا غرابة أيضا أن الغرب كعادته الغبية المزمنة فى شراء بضائع الشرق المتخلف الفاسدة ، قد قبل المسيحية دون أن يعلم أن يسوعا هذا لا شىء يذكر ، أو بالأكثر بلا تميز كبير ، بل هو مجرد صوفى آخر قال عن نفسه أو قيل عنه ، إنه الإله !

أيضا لدى بالمثل كلمة للمتدينين المسلمين ، أن ما سأقوله لا علاقة له مطلقا ‑إيجابا أو سلبا‑ بترهات الإسلام وتخبطاته المضحكة . إن محمدا أو عمرا أو أيا من كان مخترع الإسلام الحقيقى ، أجهل من دابة بالأديان ( ناهيك عن كيف تصنع الأديان ) ، بل فى الواقع أجهل من دابة بأى شىء ، وبداهة لا مجال لأن نناقشهم مثلا فى الأناجيل الغنوصية أو واقعة صلب المسيح أو أى شىء فى الوجود أيا ما كان . كل الأمر لا يعدو بالنسبة لهم إلا شذرات عمومية جدا مرسلة جدا أخذوها عن ورقة بن نوفل أو بعض ذوى العلم بوجود خلافات مذهبية بين اليسوعية‑اليهودية الأصلية ، وبين المسيحية الكنسية المؤسسية اللاحقة ، فتلقفوها ‑دون أدنى علم أو تدقيق فى حقائق الأشياء‑ وأسموها التحريف ، مناقضين بهذا كل كلامهم المبكر عن ألوهية المسيح ، التى فى أدنى صيغها ألوهية آريوسية أى ألوهية مخلوقة ، خولته أن يخلق الطير ’ بإذن الله ‘ وأن يكاد يستنكف أن يكون عبدا لله وأن سيعود ديانا عادلا … إلخ .

عامل الزمن ، تطور المسيحية evolution بالمعنى الدارونى الصيرورى للكلمة ، الغنوصية Gnosticism الآريوسية Arianism وسائر النسخ المبكرة شبه اليونانية وشبه اليهودية من المسيحية ، الموقف من اليهود ، الموقف من الرومان . هذه كلها أمور حساسة للغاية فى العقيدة المسيحية ، ولو مسستها كأنك تمس عصبا مكشوفا !

… وهذا ما قد تفعله السطور التالية .

الفكرة فى هذا الدين بسيطة لحد الجمال : كل فرد فى كل عقيدة كل قبيلة فى كل ركن دانى أو قاصى من منطقة الشرق الأوسط المنكوبة بچيينات وعقول أهلها التطيرية الخرافاتية ، يستيقظ وينام يحلم بشىء يخلصه من بؤسه ، شىء اسمه المهدى المنتظر . ما فعله پولس ورفاقه أن قدموا الإجابة التى لم تجرؤ عليها كل الأجيال منذ طرح أشعيا الفكرة : هذا اليسوع البار هو ذلك المسيح ، المسيا الموعود ! ( النكتة الفاحشة هنا أن هؤلاء المخترعين الأفذاذ سرعان ما اكتشفوا أن اختراعهم الصغير لم يحل شيئا على أرض الواقع ؛ لا يزال الناس يعانون ، أو بالأحرى لا يزال ما هو فى الچيينات فى الچيينات ، فأتوا بسرعة باختراع آخر ، مهديا منتظرا جديدا ، اسمه المجىء الثانى للمسيح ! يا للهول ! أقصد : هلليلويا ! ) .

قبل أن أبدا كلامى للمسيحيين ، لدى كلمة جانبية للعلمانيين الغربيين الذين يستعظمون الأمر ويبذلون أضخم الجهد لإثبات أن الغنوصية هى الأصل والمسيحية هى الهرطقة . أقول : نعم أنتم على حق ، ونعم علم التاريخ هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ، لكن ما العويص أو الكارثى فى أن يقول پولس أو يوحنا على لسان يسوع إنه الإله ، بل ما المشكلة لو كان يسوع قد قال هذا عن نفسه فعلا ؟ إنها ليست بدعة كبرى كما قد تبدو للوهلة الأولى . الأمر أبسط من ذلك بكثير ، وقال بمثله الكثيرون من قبل ومن بعد ، من بوذا مرورا بالحلاج وليس انتهاء بشيرلى ماكلين . كلهم تخطوا الحد الفاصل بين أن نكون كلنا أبناء الرب ، وبين أن نكون جزءا من ذات الرب ، أو ‑عند لحظة معينة من النمو الروحى‑ نكون الرب نفسه . طبعا لا غرابة أن اعتبرت الكنيسة أن الغنوصية هرطقة ، لكن لا غرابة أيضا أن الغرب كعادته الغبية المزمنة فى شراء بضائع الشرق المتخلف الفاسدة ، قد قبل المسيحية دون أن يعلم أن يسوعا هذا لا شىء يذكر ، أو بالأكثر بلا تميز كبير ، بل هو مجرد صوفى آخر قال عن نفسه أو قيل عنه ، إنه الإله !

أيضا لدى بالمثل كلمة للمتدينين المسلمين ، أن ما سأقوله لا علاقة له مطلقا ‑إيجابا أو سلبا‑ بترهات الإسلام وتخبطاته المضحكة . إن محمدا أو عمرا أو أيا من كان مخترع الإسلام الحقيقى ، أجهل من دابة بالأديان ( ناهيك عن كيف تصنع الأديان ) ، بل فى الواقع أجهل من دابة بأى شىء ، وبداهة لا مجال لأن نناقشهم مثلا فى الأناجيل الغنوصية أو واقعة صلب المسيح أو أى شىء فى الوجود أيا ما كان . كل الأمر لا يعدو بالنسبة لهم إلا شذرات عمومية جدا مرسلة جدا أخذوها عن ورقة بن نوفل أو بعض ذوى العلم بوجود خلافات مذهبية بين اليسوعية‑اليهودية الأصلية ، وبين المسيحية الكنسية المؤسسية اللاحقة ، فتلقفوها ‑دون أدنى علم أو تدقيق فى حقائق الأشياء‑ وأسموها التحريف ، مناقضين بهذا كل كلامهم المبكر عن ألوهية المسيح ، التى فى أدنى صيغها ألوهية آريوسية أى ألوهية مخلوقة ، خولته أن يخلق الطير ’ بإذن الله ‘ وأن يكاد يستنكف أن يكون عبدا لله وأن سيعود ديانا عادلا … إلخ .

عامل الزمن ، تطور المسيحية evolution بالمعنى الدارونى الصيرورى للكلمة ، الغنوصية Gnosticism الآريوسية Arianism وسائر النسخ المبكرة شبه اليونانية وشبه اليهودية من المسيحية ، الموقف من اليهود ، الموقف من الرومان . هذه كلها أمور حساسة للغاية فى العقيدة المسيحية ، ولو مسستها كأنك تمس عصبا مكشوفا !

… وهذا ما قد تفعله السطور التالية .

مقولات التاريخ البسيطة جدا تقول إن أحدا لا يصلب إلا وهو عار تماما من ملابسه ؛ الصلب هو العار الأعظم ولا يمكن أن يكون بملابس ( اقرأ أى كتاب وليس بالضرورة Spectrum - Religion تسلسل حتى تصل لتاريخ المسيحية ستجده مفصلا وكل المقالات ذات الصلة مجمعة أو يمكنك الذهاب مباشرة لمادة Crucifixion أما الأيقونة فبإيحاء من 200403/26kimm_slide2.jpg الموسوعة البريطانية ! ) . الصور والأفلام تجسد يسوع بمئزر . هذا ليس من قبيل الحياء . هذا الشرط لم يكن حيويا أو حاسما حين بدأوا فى رسم الصور فى الفن البيزنطى . السبب الحقيقى أن ذلك كان سيضطرهم لرسمه مختونا . أو تخيل أنت كيف ستقتحم صور المسيح ابن الإله مخلص البشرية أعيننا فى كل لحظة بحقيقة كونه مجرد شاب يهودى عادى لا أكثر . من هنا كان لمئزر صغير أن يحل كل شىء ، وينقذ مقومات الدين الجديد من الانهيار الزؤام ( للأمانة ، الأيقونات الأولى لم تكن لتتجرأ على مثل هذا الكذب الصريح ، وكانت تكتفى برسم نصف الجسد العلوى فقط ! ) . فيلم دينى أركان ’ يسوع مونتريال ‘ 1989 فيلم آخر لا تستخدم فيه كلمة المسيح قط . فيلم آخر ينتهى ، مثلا كما رواية أولاد حارتنا عندنا ، بالانتصار للعلم على حساب الخرافة وللدنيا على حساب الدين ، بأن تستخدم أعضاء من يمثل يسوع فى المسرحية موضوع الفيلم حين يقتل بسقوط الصليب فوقه ، تستخدم فى علاج بشر آخرين . فيلم آخر يقول إن يسوع ليس إلا يهوديا وسيظل يهوديا وإن المستشفى الذى ستستخدم فيه أعضاؤه مستقبلا مستشفى يهودى . نعم ، هذه كلها ثيمات سينمائية متكررة ومعتادة فى أفلام كثيرة ، لذا الأهم من كل شىء أن يظل هذا هو الفيلم الوحيد الذى تجرأ على التجسيد البصرى لحقيقة الصلب العارى !

لكن ماذا عن العنف الرومانى الهائل فى فيلم جيبسون ؟ ككاثوليكى أراد جيبسون أن يضع فى بيلاطس وزوجته نواة إيمان روما بالمسيحية . أما الجنود فلا بأس أن يكونوا مجرد جهلة دهماء بلا حس يتلذذون بالعنف السادى . كما قلنا ‑أو قالت النيوزوييك أو قال التاريخ‑ بيلاطس لم يكن أبدا طيبا . هو ليس بأكثر ولا بأقل شراسة من أى والى رومانى زميل آخر . فقط يريد للأمور أن تنضبط ، وإن كان يكاد يشعر بالغبن لأن دفعته العاصمة لحكم هذه البلاد التى يظهر فيها نبى كل أسبوع .

من هنا ربما سيظل الأكثر رسوخا فى الأذهان بيلاطس زيفيريللى ( رود ستايجر ) ، الوثنى الأقرب للعلمانية والذى يمكن تلخيص موقفه من كل الشأن اليهودى بكلمة واحدة : القرف ! ( هنا أصبح لغسل اليدين معنى مختلفا ! ) .

أما من ستنساه بسرعة فهو بيلاطس سكورسيزى ( المغنى ديڤيد بووى ) الذى لم يكن جوهريا أو مؤثرا فى شىء فالسياق أكبر منه . أما بيلاطس أركان فهو مثقف جدا ، ويحاول من خلال العقائد الإغريقية أن يقنع يسوع بأن العذاب الذى سيمر به فرصة نادرة للوصول للحقيقة ، وإن كان ممكنا أن لا توجد هناك حقيقة إطلاقا ( يوجد لهذا ظل باهت مفتعل وطبعا معكوس المعنى فى حوار بيلاطس جيبسون مع زوجته ) . لذا لعل بيلاطس الأكثر واقعية ومنطقية هو على الأرجح بيلاطس دراير الذى لم نره ، هذا الذى لا يمكن أن يعطى لهذا اليهودى الرث من وقته أكثر من ثوان معدودات ، ثم يأمر بصلبه بكلمة واحدة ، ومن ثم ينصرف لأشغاله الأخرى !

دعنا من اللغو المطول حول هل عذب يسوع أم أنه أهين فقط . إذ ماذا عن عنف الرومان اللاحق ضد المسيحيين ؟ ألم يكونوا يلقون بهم للأسود ويشعلون فيهم النيران ، بينما الحشود تصفق بجنون فى ستاد روما الكبير ؟ أليست هذه همجية ووحشية لا تليق بإمپراطورية تدعى لنفسها قيادة حضارة العالم ؟ الإجابة هى لا كبيرة . الإجابة هى العكس بالضبط . تحديدا كان كل ذلك يتم باسم الحضارة ولحماية الحضارة . مبدئيا روما ومن قبلها اليونان ومن بعدها أميركا وكل العالم ، شعوب تستمتع بالرياضات فائقة العنف . هذا لا علاقة له بالحضارة ولا بالهمجية ، إنما بغريزة العنف التى يجب إشباعها فى الطبيعة البشرية بأقل الخسائر الاجتماعية الممكنة . لكن بالذات إلقاء المسيحيين للأسود كان قصة أخرى . روما ومن قبلها اليونان ومن بعدها أميركا وكل العالم شعوب تؤمن بمئات الآلهة . لم يكن يضيرها أبدا أن تضيف المسيحية إلها جديدا يزيد التنوع الثقافى لمدنها ، تنشأ له المعابد يعبده من شاء ويتركه من شاء ويدرسه من شاء ولا يؤمن بأى آلهة على الإطلاق من شاء . لكن المسيحية جاءت بمشكلة لم تعهدها البشرية من قبل : التكفير ، أن قالت إن إلهها إله واحد فقط ، ومن ثم هو بالضرورة الإله الوحيد الصحيح ، بل خالق كل البشر بمن فيهم عبدة الآلهة الأخرى . يا لها من وقاحة ! لقد ذهب هؤلاء العبيد بعيدا ، والتسامح الرومانى الشامخ ما كان ليسمح بمثل هذا الفحش على وجه الإطلاق ، وكان التصرف الحضارى الوحيد لتلك الأمة العظيمة هو إلقاء هؤلاء المهوسين دينيا للأسود والنيران ، إبادتهم عبرة لكل متعصب تسول له نفسه التبشير بتلك البدعة الجديدة السافلة المسماة التوحيد . ( للمزيد اقرأ مثلا كتاب ميرى ليفكوويتز الجديد Greek Gods, Human Lives —What We Can Learn from Myths ، أو كتاب أليكساندر كراڤيتشوك عن آخر سنوات الدورات الأوليمپية ’ الوثنية والمسيحية ‘ وهو مترجم للعربية . وقد سبق لنا الحديث عنهما وعن الموضوع ككل من زوايا متعددة أخرى ، هذا فى سبيل دحض أكثر قاعدية لفكرة الدين نفسها ، ذلك فى المدخل المسمى الرب فى نظرية النسبية —حوار مع صديقى المؤمن ) .

أديان ما يسمى بالتوحيد ليست فقط أعظم وسيلة للقمع فى كل التاريخ الإنسانى ، إنما وصلت بآفاق القمع لحدود أن لم تعد تراها أعين البشر : إله كلى الجبروت ، والأهم منه أن لا تمثال له حتى يحطم ، بل هو شخص خفى هناك فى السماء ! طبعا مع حفظ حقوق النويات الأولى لهذه الفكرة الجهنمية باختراع صنم غير مرئى ودعوة الناس لعبادته ، التلفيقة الأعظم فى كامل التاريخ الإنسانى ، حفظ حقوقها للسيدين أخناتون العامر وتلميذه النجيب موسى العابر ، وحفظ حقوق تفجيرها لحدودها القصوى فيما بعد للسيد محمد العاهر ! 

هنا قد تسأل : لكن روما نفسها تبنت المسيحية بعد ذلك . نجيبك هذا لا يزيد فى الواقع عن تبنى جعفر النميرى للشريعة الإسلامية . نعم هكذا بدأت عصور الظلام أو تبدأ أية عصور ظلام . حضارة أفلست من رسالتها الحضارية ، وحكم يتداعى اقتصاديا وسياسيا ( وأيضا نفسيا حسب يونج ، انظر الاقتباس أعلى صفحة الحضارة ) ، تتداعى على كل تلك الأصعدة لسبب واحد رئيس هو قصف هجرة العبيد لمركزه ، ومن ثم يبحث عن وسيلة جديدة للقمع . كيف يمكن له والحال كذلك ‑ودون أن يدرى أنه يستسلم هكذا لهؤلاء العبيد‑ أن يغفل عن أعظم وسيلة للقمع فى كل التاريخ الإنسانى : الدين . هذا بالذات لو كان دينا مبتكرا للغاية ، وصلت بآفاق القمع لحدود أن لم تعد تراها أعين البشر : إله كلى الجبروت ، والأهم منه أن لا تمثال له حتى يحطم ، بل هو شخص خفى هناك فى السماء ! طبعا مع حفظ حقوق النويات الأولى لهذه الفكرة الجهنمية باختراع صنم غير مرئى ودعوة الناس لعبادته ، التلفيقة الأعظم فى كامل التاريخ الإنسانى ، حفظ حقوقها للسيدين أخناتون العامر وتلميذه النجيب موسى العابر ، وحفظ حقوق تفجيرها لحدودها القصوى فيما بعد للسيد محمد العاهر ، كلها كما أشرنا كثيرا من قبل ، أو كما سنعود لأكذوبة اللهو الخفى بعد قليل .

طبيعى أن يكون موقف الكنيسة الكاثوليكية من أفلام حياة يسوع موقفا مضطربا وانتقائيا . بينما هاجموا بشراسة فيلم سكورسيزى ’ الإغراء الأخير للمسيح ‘ 1988 ، رغم أنه يقول إن قوة يسوع فى رسالته التى مات من أجلها ، نرى اللجنة الكاثوليكية بمهرجان كان 1989 وقد منحت جائزتها لفيلم ’ يسوع مونتريال ‘ ، الذى يقول ذات الأفكار الاجتماعية تقريبا ، لكن يضيف عليها كما رأينا أنه لا يعترف بوجود المسيحية أصلا . اجتماعيا يركز على أن ليس المهم العقائد ، إنما وظيفتها فى إسعاد الناس ، ومثلا ينتهى فى لقطة النهاية بإدانة الحياة الاستهلاكية من خلال رنين هائل لقطعة نقود معدنية تلقى لمنشدتين دينيتين صغيرتين فى محطة القطار التى مات فيها البطل . وكلها معان لم يخرج عنها فيلم سكورسيزى المأخوذ عن رواية نيكوس كازانتزاكيس مدوية الصيت ، وهو يجيب عن سؤاله الافتراضى المركزى : ماذا لو أن يسوع قرر أن يستمر فى حياته شخصا عاديا ، يموت يهوديا كهلا مجهولا ، متزوجا من امرأة مجهولة أخرى اسمها مريم المجدلية ، من دليل الأفلام الذى من المدهش أن كان مصدر لمعظم المقالة . مقال مونتريال مصفوف فعلا حاليا فى DataEntry.doc عن نشرة نادى السينما . مجدى الطيب قال مؤخرا فى روز اليوسف مريم أخت لعازر طبعا خطأ وتأكدت من IMDb . بالنسبة ليهوذا المصدر كتاب ڤارايتى زائد الذاكرة ومنجبا لحفنة مجهولة بدورها من الأبناء والبنات ؟ الإجابة فى النهاية واضحة لا تحتمل لبسا : هذا هو أسوأ خيار ممكن ، الخلود أفضل ، ثم أن البشر فى حاجة إلى مخلص وإلى ’ مسيح ‘ ( الكلمة كما لاحظت مستخدمة حتى فى العنوان نفسه ، ذلك على العكس من كل الأفلام العلمانية الشبيهة ، ولسبب وجيه كما ترى ) ! شخصيا حين شاهدت هذا الفيلم فى حينه ، ومع كل التقدير لما سنقوله عن رؤى علمانية وتاريخية باهرة أتى بها وكانت كلها حرية به ومتوقعة ، كان الانطباع الأولى والأقرب للمفاجأة عندى ، هو العكس بالضبط : أنه فيلم مسيحى أكثر مما يجب ، ولا يقدم بديلا علمانيا من أى نوع للمسيحية !

إذن ، تاريخيا فيلم سكورسيزى لا يخلو من بعض التحليلات الجيدة ، وإن كان الفضل كله تقريبا ، يرجع فى تقديرنا لكاتب المخطوطة پول شريدر ، سليل التعليم اللاهوتى الپروتستانتى الكالڤينى الصارم . تقول الأسطورة إنه لم ير فيلما قط فى حياته قبل أن يبلغ الثامنة عشر ويهرب تاركا منزل الأسرة قاسية التدين ! يعد شريدر هذا حجة سينمائية قائمة بذاتها وربما لا تبز ، فى النكرانية ( الإلحاد بالمصطلح الدينى العربى ) على نحو عام ، وبالأخص منها فى تشريح العقلية الدينية للمسيحية ، بالذات عبر كل أفلامه ككاتب وموجه معا ، التى ليس منها بحال ما هو ذو موضوع دينى أو تاريخى مباشر . نذكرك مثلا منها بـ ’ صلد اللباب ‘ Hardcore 1979 شبه سيرة ذاتية لحياة أبيه مع جعل نفسه ابنة تشتغل ممثلة پورنو . ومثل ’ الناس القطط ‘ 1982 الذى ربما كان أعظم تجسيد نقدى لمنظور المسيحية عن الخير والشر من خلال فيلم رعب . وكذا ’ راحة الغرباء ‘ 1990 الذى يحلل الدمار الشامل الذى يسببه الدين لسيكولوچية الإنسان فى معادلة قد نبسطها فى الآتى : الدين = الشهوة الجنسية + شهوة القتل ، أو فى أنه يستخدم كلمتى الدين والجنون بمعنى تبادلى تقريبا ، وهو بلا شك أعمق أفلامه فلسفيا .

ككاتب ، يقدم فى فيلمه لسكورسيزى ( وهو بالمناسبة ليس الأول له معه فهناك قبله ’ سائق التاكسى ‘ و’ الثور الهائج ‘ ) ، يقدم پولس رسولا يبشر بالمسيح بعد أن كان هذا قد مات فعلا ونسى الجميع أمره . وهو يعرف جيدا ماذا يقول ونوع البضاعة التى يبيعها . يلتقيان معا فى المشهد التخيلى وتقع بينهما مواجهة ، حيث يرى پولس فى يسوع شخصا غير ذى صلة irrelevant ، ذلك أن شيئا جديدا يتجاوزه بالكامل يولد الآن على يدى هذا الداهية الدينى الجديد ، أسطورة كاملة لم يكن ليحلم بمثلها هذا اليسوع ضيق الأفق : دين ليس لليهود فقط ، إنما لكل العالم !

أما يسوع نفسه ( ويلليم دافوى ذو التاريخ الحافل فى تجسيد حفنة من أحط شخصيات الشاشة وأكثرها إجراما ودناءة ) فهو مقاتل يتملكه عنف شبه مرضى ، بعد أن كان فى البداية مترددا هل سيبشر بالحب أم الغضب ، ذلك إلى أن حسم مصرع يوحنا المعمدان تردده لصالح الخيار الثانى ( الشيطان لا يسكن إلا قلوب أبناء الرب ثيمة ثابتة لا يكاد يخلو منها أى فيلم لشريدر . ذلك أمر طبيعى جدا بالمناسبة ولا يجب أن يثير أدنى استغراب ، فهؤلاء هم الذين اخترعوا الشيطان ! ) .

أيضا ، ولأن الشىء بالشىء يذكر ، فيسوع حسب شريدر لم يكن نجارا مخترعا فنانا رومانسى النزعة كما فى الهراء الجيبسونى يصنع بدعة تقنية جديدة ناعمة ودقيقة جميلة وفنية هى المناضد العالية التى يجلس إليها الناس بشىء اسمه كراسى ، إنما كان نجارا يرتزق من شىء آخر تماما : نحت جذوع الأشجار الضخمة الخشنة لصنع الصلبان لحساب الحكومة من أجل إعدام بنى جلدته من اليهود !

( وأيضا بما أن الشىء بالشىء يذكر ، وبما أن إحنا فاضيين ع الآخر النهارده لدرجة الكلام فى الدين ، فإليك هذا السؤال لشحذ الذاكرة : ما الشىء المشترك بين يسوع المسيح وهاريسون فورد ؟ الإجابة : كلاهما بدأ نجارا قبل أن يصبح مشهورا ! ) .

والآن ، ماذا عن أسطورة القيامة التى تنهار العقيدة المسيحية بدونها . طبعا العلم لا يعترف بخزعبلات كهذه طالما الشخص قد مات . ويسوع مات فعلا وطعن بحربة بعد موته ، نزل بسببها الماء من جسده المتورم طبقا لفرضيات الأناجيل . المرجع السينمائى الأفضل هنا هو ’ بن هير —حدوتة المسيح ‘ 1925 . فى الواقع هو ثانى معالجة صامتة ( بعد نسخة 1907 وحيدة البكرة ! ) لقصة هذا الأمير اليهودى التخيلى المعاصر ليسوع والذى يدعى چوداه بن هير ، كما روتها رواية الچنرال ليو والاس ذات العنوان المضلل ’ … حدوتة المسيح ‘ . بينما هى لا شأن لها بالمرة بالخلاص المسيحى ، ومعنية ببساطة بشىء واحد فقط هو الخلاص اليهودى ( كما تعلم ، هناك حاليا بعض الطوائف اليهودية تحتفل بالكريسماس ، وتؤمن أن يسوع هو أحد أعظم اليهود أو أعظمهم جميعا ) !

بالطبع لا توجد قيامة ليسوع فى نهاية هذا الفيلم ، فقط القول بأنه لن يموت فى قلوب الناس . رغم أنه لم يتم تصوير وجه يسوع قط ، إلا أن ظهوره كان أوسع بما لا يقاس من فيلم 1959 الأشهر بذات العنوان ، والأكثر علمانية صهيونية ، ويسوع أكثر ثانوية فيه بمراحل ، بحيث لا وجود له تقريبا ، كما حذف أصلا من العنوان . فى فيلم 1925 المهم فقط فى المسيح أنه المحرر المنتظر لليهود من طغيان الإمبراطورية الرومانية . أما المسيحية فهى كينونة تخرج عن أى نقاش أو ذكر هنا . بعبارة أصرح هو فيلم يسير على الخيط الرفيع للحديث عن مسألة اليهودية والشعب اليهودى عبر قصة تبدو مسيحية جدا للوهلة الأولى . أو بصياغة أخرى هو قصة يسوع من منظور أسخريوطى سياسى تاريخى علمانى ( لاحظ اسم البطل چوداه وهى يهوذا بالإنجليزية ، وأن الصهيونية حركة علمنة بالأساس ، لعلنا نحلم أن نرى يوما مثلها صهيونية مسيحية وصهيونية إسلامية لها نفس نجاحها وصفاء بصيرتها ) .

آه ! الأسخريوطى ! هذا يقودنا لمشكلة أخرى كبيرة عند جيبسون . بديهى أنك لا تلقى الأموال فى وجه من وضعت مصيرك فى يده كى يسلمك الكنز الثمين ، ثم تتركه فى مهانة يجمعها من الأرض . هذا واحد من أسوأ مشاهد الفيلم . فاحتقار الخونة لا يكون سافرا هكذا فى الحياة الواقعية ، ولو كان سافرا فعلا فهو بالتأكيد لا يبدو مقنعا على شاشة السينما . لكن المشكلة الحقيقية أن المصادر التى يمكن أن ترسم ملامح يهوذا هذا باستثناء الكلام العنيف عن الخيانة فى الأناجيل ، ليست كافية هذه فقط قد تكون مشجعة ‑وليس أكثر‑ على استنتاج أنه أكثر أتباع يسوع ( الرعاع ككل ) حصولا على قدر من التعليم ، إن لم يكن بالتالى الأكثر ’ تسيسا ‘ ، وأن هذا هو سر توجس يسوع الدائم منه ، حيث يصر معه أحيانا على أنه صاحب رسالة دينية وليست زعامة أرضية . ( نحن لا نناقش هنا أن قصة الإنجيل نفسها تنفى الخيانة سلفا ، وتجعل يسوع يخبر التلاميذ بأن أحدهم سيسلمه ، فإذا بيهوذا يبادر لإعلان ذاته ويغمس يده فى الصحفة ، فلا يهب الباقون عليه ويقتلونه مثلا أو يسجنونه ، ذلك أن الأمر برمته مدبر بينهما : نعلم أن تدبير يهوذا سياسى دنيوى ، ولا نعرف بالضبط تدبير يسوع ، هل تدبير دراويشى يحاكى فيه خطة شكرى أحمد مصطفى إن سيذهب للصلب فتأتى مركبات النار وتنقذه أو ‑وهى تنويعة دراويشية أخرى‑ سيوفى بموته النبوءات عن المسيا المنتظر مراهنا على أن موته سيحمل الناس على الإيمان بأفكاره ، أم أنه اقتنع فعلا بخطة يهوذا العقلانية العلمانية ؟ ! الأرجح أنه ربما كان مقتنعا بهذه الأخيرة فى البداية ، ثم حمله سياق الأحداث العنيف ‑وهو الريفى البسيط عديم الخبرة فى التعامل مع رؤساء الكهنة أو قادة الرومان أو حتى أبناء المدن الكبرى ككل‑ على الانقلاب للبدائل الخرافية ) .

البذرة الأولى لتقديم الأسخريوطى كمثقف وسياسى وليس كشخص حقير كوفىء بثلاثين قطعة فضية هو فيلم ’ ملك الملوك ‘ ( 1961 ) ، لكن هذا يتواضع تماما أمام ملحمة زيفيريللى بعد 16 سنة . مرة أخرى نعود لخبرة أنتونى بيرجيس ( مؤلف رواية ’ برتقالة آلية الدقة ‘ التى ’ تكبركت ‘ سينمائيا ، وكاتب لغة الفيلم ما قبل‑التاريخى الفريد من نوعه ’ السعى إلى النار ‘ لچان‑چاك آنوه ) ، خبرته الخاصة فى البحوث الأنثروپولوچية المتعلقة بالمجتمعات القديمة والتى وظفها بوضوح فى ’ يسوع الناصرى ‘ . تلك الدراسة وذاك الإثراء العميقين لشخصية يهوذا ( أيان ماكشين ) هما درة هذا الفيلم .

الإنجاز الأكبر ‑والعلمى الحقيقى‑ هو شخصية يهوذا ( أو لعلها بطبيعة الأمور هى طريقة الأفلام شبه العلمانية ، أن تخترق العقيدة المسيحية اختراقا واحدا كبيرا ، تاركة معظم الأشياء على ما عليها ) . هنا هو بالمرة ليس خائنا مقابل مجرد حفنة من المال ، بل مثقف رفيع يرسم ليسوع نفسه دورا فى ريادة اليهود روحيا وسياسيا ، ويناور زعماءهم ليحقق هذا ، والنهاية أن حققوا هم ما يريدون ولم يجد هو إلا الانتحار النبيل عقابا للذات لفشله وانخداعه . وطبعا فى مقابل هذا ، لا تهتم المسيحية أبدا بالتناقض الذى يطرحه سؤال لماذا ينتحر شخص بمثل ما تصوره عليه من دناءة . إن الأسخريوطى لم يكن لينتحر لو لم يكن رجلا محترما وشريفا بكل معنى الكلمة ، وقد كره الاستمرار فى الحياة لأن الخطة التى تفتق عنها عقله قد أتت بنيران عكسية ، وأسفرت عن قتل أحب شخص إطلاقا إليه ، وإجهاض أمله الكبير فى خلاص اليهود مم يزعمونه اضطهادا رومانيا ، وهذه قصة أخرى ليس مجالها هنا .

المشكلة الفعلية قد جاءت بعد قليل حين وقف يسوع هذا أمام مجلس الكهنة الأعلى ومن ثم أمام بيلاطس ، كما ’ البجم ‘ فيما نقول بالعامية المصرية ، ولم ينطق شيئا ، أو بعبارة أصرح كان يسوع هو الخائن ويهوذا هو الضحية ! هذا من قراءتنا للأناجيل لا سيما الثلاث الأقل لاهوتية منها التى لا تعنى كلمة ابن الإله فيها أكثر من المعنى المجازى الذى يسرى على كل البشر ، ولا سيما أيضا فهمنا لكلمة ’ أنت قلت ‘ لتعنى ’ أنا لم أقل شيئا ‘ ( أو على الأقل هكذا فهمتها شخصيا فى طفولتى ، ولم استطع إقناع أحد بها إلى أن اكتشفت أن پولس نفسه قد فهمها على ذات النحو وقال لضحاياه فى كورينثوس إن إخفاء الألوهية ‑أو ما أسماه ’ الحكمة المكتومة ‘‑ كان شرطا لاتمام الصلب ومن ثم فعل الفداء ، هذا حتى لا يخر ’ عظماء هذا الدهر ‘ ساجدين أمامه بدلا من أن يقتلوه ‑صدق أو لا تصدق أن التدجيل العلنى فى المسيحية قد وصل لهذه الدرجة ! ) .

والفيلم يذهلنا بأننا أصلا لم نكن فى حاجة إلا لقراءة بسيطة مباشرة وسهلة لما ذكرته الأناجيل المعتمدة . هذه كلها أمور واضحة تماما ولا لبس فيها فى الرواية الرسمية لإنجيل المسيحية المؤسسية الذى بين أيدى الكل ، والتى لا نفهم أبدا كيف أخذها المسيحيون ومفسرو مسيحيتهم على أنها فعل خيانة ، ولا نفهم حتى أين أو كيف أو لماذا تتعارض مع نظريتهم شديدة التلاليف عن خطة الخلاص الإلهى المرسومة منذ تكوين العالم ؟ ! طبقا لهذه الأناجيل لم يفعل يهوذا شيئا من وراء ظهر أحد ، بل بكل علانية وجرأة وتباهى مد يده للصحفة معلنا للجميع ما معناه أن بلى هناك خطة متفق عليها بين يسوع وبينى . فى الفيلم ، ما أبلغ هذه اللحظات . كل ما عليك أن تتابع تعبيرات وجه يهوذا : لحظة اندهاش من أن يسوع قرر أن يجعل الأمر علنيا ، ثم تعبيرات اللا مبالاة الساخرة المتباهية حين غمس يده فى الصحفة أنه هو ’ الخائن ‘ المصطفى الذى يفوقهم فى ثقة سيده به وأنه دونهم يعلم ما لا يعلمون . تدريجيا تتحول تعبيرات الوجه للابتسام ، ثم إلى الفرح والنهوض بحماس لحظة أن قال له يسوع افعل ما ستفعله بسرعة ، ذلك أن السيد قد وافقه أخيرا على خطة عمره . بعد ذلك يعلم كلنا أن المشكلة الفعلية قد جاءت بعد قليل حين وقف يسوع هذا أمام مجلس الكهنة الأعلى ومن ثم أمام بيلاطس ، كما ’ البجم ‘ فيما نقول بالعامية المصرية ، ولم ينطق شيئا ، أو بعبارة أصرح كان يسوع هو الخائن ويهوذا هو الضحية ! هذا من قراءتنا للأناجيل لا سيما الثلاث الأقل لاهوتية منها التى لا تعنى كلمة ابن الإله فيها أكثر من المعنى المجازى الذى يسرى على كل البشر ، ولا سيما أيضا فهمنا لكلمة ’ أنت قلت ‘ لتعنى ’ أنا لم أقل شيئا ‘ ( أو على الأقل هكذا فهمتها شخصيا فى طفولتى ، ولم استطع إقناع أحد بها إلى أن اكتشفت أن پولس نفسه قد فهمها على ذات النحو وقال لضحاياه فى كورينثوس إن إخفاء الألوهية ‑أو ما أسماه ’ الحكمة المكتومة ‘‑ كان شرطا لاتمام الصلب ومن ثم فعل الفداء ، هذا حتى لا يخر ’ عظماء هذا الدهر ‘ ساجدين أمامه بدلا من أن يقتلوه ‑صدق أو لا تصدق أن التدجيل العلنى فى المسيحية قد وصل لهذه الدرجة ! ) . أما الفيلم فيقدم يسوع فى الحالة الصدامية وأنه مؤمن أو وصل للإيمان بأنه المسيا ، ولتؤجل تأويل هذه حتى ترى مجمل الوقع العام للفيلم ، ثم فى كل الأحوال تلك الكلمات لا تعنى شيئا كثيرا يعتد به ، فكل إنسان يمكن أن يقول عن نفسه ما يشاء ، فما بالك إذا كان فى ذات الحالة العقلية ليسوع الناصرى فى أسبوعه الأخير ، القصة التى سيطول شرحها جدا بعد قليل . [ تقريبا اكتشاف النص الكامل لإنجيل يهوذا بعد سنتين من كتابة هذا لم يأت بشىء واحد جديد يمكن أن يضاف لنظرية فيلم زيفيريللى ، أو حتى لقراءتنا البسيطة المحايدة للأناجيل ، فغنى عن القول إننا لم نكن فى حاجة لأى إنجيل عدا الأناجيل المعروفة لنعرف أن ثمة اتفاقا مسبقا بين الرجلين ، وأن الانتحار دليل نبالة لا خيانة … إلخ ، بل إن بلاغة وذكاء مشاهد ’ يسوع الناصرى ‘ الوجيزة حول الأمر تكاد تعادل إن لم تفق كل فيلم الناشيونال چيوجرافى متوسط الصنعة –انظر التحديث بالأسفل ] .

إذن ، بلا منازع يهوذا هو أكثر الأشياء صدمة للمتدينين فى فيلم زيفيريللى . لكن مما يجدر القول به هنا ، إن مثل هذه الرؤية العلمانية فائقة الجرأة لم تقف عند حد التحليل السياسى لظاهرة يسوع ، بل تشعبت على امتداد كل المخطوطة الهائلة التى تشارك عليها كل من أنتونى بيرجيس وكاتبة تمثيليات الشاشة المخضرمة سوسو سيتشى دا أميكو وكذلك فرانكو زيفيريللى . المؤكد قبل كل شىء أن الإنجيل الذى كنت تقرأه قبل مشاهدة ’ يسوع الناصرى ‘ ، لن يعود هو عينه الإنجيل الذى ستقرأه من الآن فصاعدا . كل شىء سيختلف بدءا من الإحساس بأتربة تلك الأماكن التى ستزكم أنفك ( مما لا شك فيه أن هذا الفيلم أحد أفضل وأهم إنتاجات طارق بن عمار ) ، حتى التحطم -الجزئى على الأقل- لأسطورة المسيح ، حتى الصليب نفسه لا وجود له ، إنما مجرد عارضة ترفع إلى حائط كبير شبكى مكون من قوائم وعوارض خشبية دائمة مثبتة لبعضها البعض بالحبال ! لو أن كل إسهامات الفيلم توقفت عند رسم شخصية يهوذا لكفلت وحدها اعتباره فيلما أقل ما يوصف به أنه عظيم ، لكن الواقع كل الشخصيات إنجازات ، من مريم الطفلة-الأم مرورا بالمعمدان المهوس- الأشعث حتى البنطى الضجر-السأم ( وأطنان النجوم الذين ينوء بهم ’ يسوع الناصرى ‘ هم متعة فى حد ذاتها لا تطاق لأى إنسان ، بغض النظر عن موضوع الفيلم أو أى شىء آخر ) .

نعم ، الفيلم يقدم هراء المعجزات ، لكن المذهل أنه قرب النهاية يسكب عليها فجأة دلو ماء بارد يكاد يطفئها جميعا . إنه قصة الأعمى المزيف الذى شفاه يسوع فى الهيكل فأصبح لحظة بداية جنونه وصب جامات غضبه وأيضا أول ذريعة بنيت فوقها عريضة الدعوى التى أفضت لإعدامه ( بعد قليل سنخوض فى أن أحد أسباب سوء الطالع والمتاعب الكثيرة التى حدثت ليسوع فى أسبوعه الأخير الأورشليمى أن ’ شغل الأونطة ‘ الذى كان يخيل على سكان الريف لا يصلح بالضرورة لسكان المدن ، ولا نقصد بالأونطة المعجزات فقط بل تعاليمه التسامحية الساذجة ككل ) . نقول إن مشهدا واحدا بذر من الشكوك ما يكفى لأن تعيد النظر فى كل قصص المعجزات ( أو على الأقل أن فى المرة القادمة سوف تجد نفسك مضطرا لأن تقرأ مرتين عبارة الإنجيل أن يسوعا المطرود لم يجر معجزة فى إحدى القرى لأنهم كانوا قليلى الإيمان ! فالإيمان ‑أو بكلمة أصرح العمى‑ هو اسم اللعبة وراء كل ما يسمى بالمعجزات عبر التاريخ ! ) . بلى ، مشهد واحد بذر من الشكوك ما يكفى لأن تخرج بعد الفيلم وكلك ثقة أن لأمنا الطبيعة قوانينها وأنها لا تسمح بوجود قوانين أيا ما كانت فوقها ، وما يكفى لتنمية لأول خطوة فى رؤية علمانية لفهم مشوار المعجزات الأسطورى المزعوم ليسوع الملقب بالمسيح ! حتى القيامة يقدمها كفلاش باك لموقف يفهم أنه كان الوداع الأخير قبل الصلب ، حيث لا أثر للمسامير فى راحتى يسوع فيه ! حتى علاقة المجدلية الجسدية بيسوع وأنها حسب تعبيره ’ جزء من العائلة ‘ ، وبأنها المهندس الأول والمؤسسة الحقيقية لليسوعية الأولى قبل أن يحرفها الباقون لتصبح ’ مسيحية ‘ ‑وكلها أمور سنفيض فيها أيما إفاضة بعد قليل ، وبأنها ‑بصفتها هذه وبصفتها القائدة القوية لأولئك التلاميذ الرعاع الرعديدين‑ من أخذت الجثمان ، فقد ترك الفيلم الباب مفتوحا أمامها جميعا ، ولم يذكر شيئا واحدا يمكن أن ينفيها بل بالأحرى هو يحيل كل لبيب لمثل هذه الاحتمالات . [ ليس أخذ الجثمان سرقة بالضرورة ، وليس بهدف الترويج لألوهية المسيح بالضرورة ، فالمجدلية الرائعة ليست بحال من صناع هذه الأكذوبة ، ذلك أن فيلم ’ القبر المفقود ليسوع ‘ قد أسقط الكثير من الأضواء هنا بعد ثلاث سنوات من كتابة هذا ، منها أنه مجرد واجب الزوجة المعتاد جدا تجاه جثمان زوجها –انظر التحديث بالأسفل ] .

عامة ، ’ يسوع الناصرى ‘ لا يبذل جهدا خاصا فى طرح نظريات محددة ، فقط هو الحرص على جعل الأمور تبدو منطقية وواقعية يدمر فى عمق وصمت فكرة الإيمان والتسليم الدينية المشينة . هو فقط يضعك فى قلب الصورة ويسهل عليك استيعاب كيف جرت القصة ودقائقها على أرض الواقع ، بعدها يترك لك الطريق رحبا كيف تفسرها بمعرفتك تفسيرا علمانيا خالصا لا خرافة ولا ميتافيزياء فيه . أخيرا فإن موقف الكنائس هنا لا يعنى شيئا . هم يعرضون هذا الفيلم الذى يقوض على نحو حثيث جذور المسيحية ويبيعونه داخل أسوارهم ، بينما يخرجون فيلم الإغراء الأخير لخارج الأسوار ويرجمونه ، لكن ماذا تقول فى غباء أصحاب الأديان الأزلى الأبدى ؟ يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ‑لا أشك أن سكورسيزى ظل يصلى هكذا !

يجدر الذكر أن كثيرا من جذور هذه الرؤية ’ التاريخية ‘ لقصة يسوع ، والاهتمام بالواقع الخشن والخلفيات السياسية والاجتماعية …إلخ ، كانت قد وجدت بوادرها قبل عام واحد فى فيلم روبيرتو روسيللينى بعنوان ’ المسيا ‘ ( المسيح ) 1976 ، الذى كان خاليا من المعجزات وكل ما قد يناقض العقل ، ولكن للأسف كان آخر أفلام هذا الموجه الإيطالى الكبير . يجدر بالذكر كذلك أن الزمن الأصلى لفيلم زيفيريللى البريطانى‑الإيطالى فى التليڤزيون كان حوالى 200 دقيقة ، ثم مد من ليلتين إلى أربع وأصبح 383 دقيقة ، وبالطبع انتشرت عدة نسخ وسيطة بعد ذلك . وأشهر ما يحذف رقصة سالومى ( إيزابيل ميستريز ) التى لا تحبها عادة الأوساط الدينية ( وطبعا أحبتها أفلام سيسيل بى . دو ميل ونيكولاس راى المعنونة ’ ملك الملوك ‘ 1927 و1961 بالترتيب . والأخير بالتحديد هو أول فيلم إطلاقا شاهدته فى طفولتى أنا شخصيا ، وما بقى فى ذاكرتى هو فقط تلك الرقصة ! ) .

أما عند سكورسيزى وكاتبه شريدر ، فبالمثل كان كل أتباع يسوع ، عدا الأسخريوطى ، رعاعا فعلا ( بطرس ، الذراع الأيمن لنبى التسامح ، وحتى مع وجود سند ما يشجع على هذا فى لوقا 7 ، كان أحد راجمى المجدلية —تصور ! ) . لكن الأبعد أن كانت ’ الخيانة ‘ مدفوعة من يسوع نفسه . كانت جزءا من الخطة ، خطة إعلان نفسه مسيحا ، ومواجهة زعماء الكهنة بالزعامة الروحية الجديدة ، ومن ثم مواجهة مصير ’ الاستشهاد ‘ الاختيارى باعتباره قدرا أتته به النبوءات . الفيلم يجعل الذهاب لأورشليم أشبه بعملية انتحارية غير محسوبة سلفا ، يدفعها مجرد إحساسه بنبوءة فحواها أنه لا بد وأن يقتل . هذه واحدة من الحالات السينمائية القليلة التى تتماس مع ما نعرفه من تهديدات يسوع ( الرمز الأكبر للتسامح فى التاريخ ) ، تهديداته الرهيبة ، والغريبة لحد ما ، فى متى 24 ، بالويل والثبور لكل البشرية ، هذا إذا ما أقدمت على قتله فى الأيام التالية ( لوقا 23 يعطى ملامح أخرى ‑لا تقل قوة ولا دموية وإن مختصرة‑ للوثته العقلية الفجائية هذه ، فى القصة الرمزية التى ينهيها يسوع بقوله إن أتباعه سيأتون بكل العالم تحت قدميه ويذبحونهم قدامه ) .

هول الصدمة كان هائلا على هذا الكاهن الريفى الصوفى البسيط ، وتسارع الأحداث أصبح يفوق أفقه الفكرى البسيط وقدراته المتواضعة على الاستيعاب وفهم العالم . تخيل واعظا ريفيا يأتى لأول مرة للعاصمة ، معتقدا أنه سيرى القداسة التى لم يرها فى حياته ، ذلك أنه سيدخل هيكل الله شخصيا ، فإذا به يكتشف أنه ليس إلا ’ مغارة لصوص ‘ . تخيل واعظا ريفيا لم يفعل فى حياته سوى التبشير بالتسامح ، يرى فجأة ‑بعينيه وليس بمجرد سماع القصص‑  روما بجبروتها الهائل مجسدة بما يقتحم الأبصار ، ويرى الدم كحقيقة رخيصة للغاية على الأرض ، ويرى الحركات المسلحة اليهودية واقعا فعليا ، وليست مجرد فكرة كان يحاول يهوذا دسها فى أذنه ويلفظها هو بعباراته الساذجة عن الخد الأيمن والأيسر .

تخيل حجم الضغوط النفسية الواقعة على هذا الريفى محدود الأفق الذى حقق شعبية هائلة بين سكان الهوامش ، وهو يسأل نفسه ، هل لا تزال هذه الشعبية الفائقة سارية المفعول فى العاصمة الدينية ، أم أن هناك مؤسسة دينية عتيدة لن تشترى كلامه بسهولة وخبرت من أمثاله الكثيرين ، وسوف تفتك به فتكا مبرما . تخيل حجم الضغوط النفسية الواقعة على هذا الريفى محدود الأفق وقد تصاعدت عليه فجأة ضغوط تابعه المثقف الذى استدرجه لأورشليم أو ضغوط الناشطين المسلحين أمثال باراباس أو ربما ضغوط بقية تلاميذه أنفسهم ، كلها كى يترجم شعبيته الهائلة تلك لفعل سياسى يخدم أمته ( التى طبعا لا تفهم أنها قمامة بشرية إذا ما قورنت بروما بإمپراطوريتها وحضارتها وثورتها التقنية العتيدة التليدة ، إنما تعتقد أنها شعب الرب المختار ) . تخيل حجم الضغوط النفسية الواقعة على هذا الريفى محدود الأفق حين تطلب منه أن يهجر للأبد شيوعيته الصوفية اليوتوپية الساذجة ، الشىء الوحيد بنى عليه كل مجده ونجاحاته ، ويصبح ملكا يعين الوزراء ويدير مملكة من قلب عاصمة لا تعرف الدين ولا تعرف ألاعيب السحرة ، فيتدبر طعام شعب كامل تدبرا حقيقيا وليس بألعاب الحواة البريئة التى طالما مارسه هو وأتباعه تحت اسم المعجزات لمجرد إقناع البسطاء فى تلك الأرياف بأفكاره .

لم يجد مفرا أمامه إلا توزيع أقسى النبوءات عن الخراب المطلق لأورشليم والهلاك الكامل لأمة اليهود ، هؤلاء وتلك التى فاق فسقهم كل خيالاته كريفى بسيط . لا نلومه إن تخيل أنها كلها سوف تذبح يوما تحت قدميه الإلهيتين . وحقا ، إذا كان ذلك هو واقع البشر والحياة ، فلا نلومه حتى إن اعتقد فى نفسه البريئة إلها . من كل هذا وذاك أتته لوثة الجنون ، ترك وظيفة المصلح الاجتماعى التى دأب عليها ، وتحول نبيا يكيل النبوءات المرعبة ذات اليمين وذات اليسار مجانا وبلا روية أو هوادة . لا شك أن الرجل فقد أعصابه هنا ، ’ سخنت المسائل ‘ فى دماغه ، فنسى كل ما بشر به ، لحظة أن أدرك أن الأمور هنا فى أورشليم يمكن أن تكلف فما كبيرا مثله حياته ، وطبعا لا نلومه . أخيرا ، بعد كل هذا الطوفان الصاعق من الأحداث ، كان رد فعله الوحيد عندما سيق للمحاكمة هو —صدق أو لا تصدق : الصمت المطبق ! وأيضا : لا نلومه !

هول الصدمة كان هائلا على هذا الكاهن الريفى الصوفى البسيط ، وتسارع الأحداث أصبح يفوق أفقه الفكرى البسيط وقدراته المتواضعة على الاستيعاب وفهم العالم . تخيل واعظا ريفيا يأتى لأول مرة للعاصمة ، معتقدا أنه سيرى القداسة التى لم يرها فى حياته ، ذلك أنه سيدخل هيكل الله شخصيا ، فإذا به يكتشف أنه ليس إلا ’ مغارة لصوص ‘ . تخيل واعظا ريفيا لم يفعل فى حياته سوى التبشير بالتسامح ، يرى فجأة ‑بعينيه وليس بمجرد سماع القصص‑  روما بجبروتها الهائل مجسدة بما يقتحم الأبصار ، ويرى الدم كحقيقة رخيصة للغاية على الأرض ، ويرى الحركات المسلحة اليهودية واقعا فعليا ، وليست مجرد فكرة كان يحاول يهوذا دسها فى أذنه ويلفظها هو بعباراته الساذجة عن الخد الأيمن والأيسر .

تخيل حجم الضغوط النفسية الواقعة على هذا الريفى محدود الأفق الذى حقق شعبية هائلة بين سكان الهوامش ، وهو يسأل نفسه ، هل لا تزال هذه الشعبية الفائقة سارية المفعول فى العاصمة الدينية ، أم أن هناك مؤسسة دينية عتيدة لن تشترى كلامه بسهولة وخبرت من أمثاله الكثيرين ، وسوف تفتك به فتكا مبرما . تخيل حجم الضغوط النفسية الواقعة على هذا الريفى محدود الأفق وقد تصاعدت عليه فجأة ضغوط تابعه المثقف الذى استدرجه لأورشليم أو ضغوط الناشطين المسلحين أمثال باراباس أو ربما ضغوط بقية تلاميذه أنفسهم ، كلها كى يترجم شعبيته الهائلة تلك لفعل سياسى يخدم أمته ( التى طبعا لا تفهم أنها قمامة بشرية إذا ما قورنت بروما بإمپراطوريتها وحضارتها وثورتها التقنية العتيدة التليدة ، إنما تعتقد أنها شعب الرب المختار ) . تخيل حجم الضغوط النفسية الواقعة على هذا الريفى محدود الأفق حين تطلب منه أن يهجر للأبد شيوعيته الصوفية اليوتوپية الساذجة ، الشىء الوحيد بنى عليه كل مجده ونجاحاته ، ويصبح ملكا يعين الوزراء ويدير مملكة من قلب عاصمة لا تعرف الدين ولا تعرف ألاعيب السحرة ، فيتدبر طعام شعب كامل تدبرا حقيقيا وليس بألعاب الحواة البريئة التى طالما مارسه هو وأتباعه تحت اسم المعجزات لمجرد إقناع البسطاء فى تلك الأرياف بأفكاره .

لم يجد مفرا أمامه إلا توزيع أقسى النبوءات عن الخراب المطلق لأورشليم والهلاك الكامل لأمة اليهود ، هؤلاء وتلك التى فاق فسقهم كل خيالاته كريفى بسيط . لا نلو