|
|
|
|
|
|
على السياسة
( الجزء الثانى )
On Politics
(Part II)
| FIRST | PREVIOUS |
PART II | NEXT | LATEST |
NEW:
[Last Minor or Link Updates: Friday, October 03, 2008].
July 14, 2004: Egypt:
Somebody on the steering at last… Gamal Mubarak!
…
…
…
In Part I
January 29, 2003: Floating of the Egyptian Pound, a very good
step indicates a very bad economical situation!
February 24, 2002: A train inferno kills 400 Egyptians.
Unfortunately, the largely condemned Minister of Transportation is not the real
killer!
February 6, 2002: Egypt receives an astonishing $10.3
billion of grants and aid virtually nobody asked for! Again, the man behind the
mystery should be, who else, Saddam Hussein!
January 14, 2002: The ailing Egyptian economy enters the age of
free Internet!
October
10, 2000: Intel to build a $500 million microchip
plant in Egypt. Egyptian students vow to boycott American products. What an
interesting country!
January 3, 2000: Whatever Happened to Baby Egypt (and lead her to
strangle her best Prime Minister and ride a one-way ticket, well, to HUNGER)?
![]()
ê Please wait until the rest of page downloads ê
|
الجديد
( تابع جزء 1 ) :
جمال مبارك : لا خطوط حمراء فى مناقشة قضايا الوطن . هذا ما جاء فى الصفحة الأولى للأهرام اليوم . تصريح مستفز يمس أكثر الأوتار حساسية على الإطلاق
فى مصير بلدنا ، من المغرى معه ‑بل مما يكاد يستحيل مقاومته‑
أن أضيف بكل التهور : ’ أشك ! ‘ ، أو ’ لا
أعتقد ! ‘ .
لنوجز أولا كل شىء ، م
الآخر كما يقولون ، ثم نعود للتفاصيل : السبب فى تشككنا فى مدى جدية
تصريح أمين لجنة سياسات الحزب الوطنى ، أن الإصلاح الحقيقى المودى لنهضة
حقيقية كله خطوط حمراء . خطوط حمراء تخص البعد الاجتماعى
المزعوم ، تشطبه بالكامل من قاموسنا . خطوط حمراء تتعلق بإلغاء
التعليم العمومى بالكامل ، فهو ، وكذلك الصحة العمومية ، ترف لا
تقوى عليه دولة جائعة مثلنا ، وقد نفكر فيه من جديد بعد عشر سنوات أو عشرين
سنة مثلا . خطوط حمراء تتعلق بالهوية والدين تمحوهما الدولة محوا وتجند
الإعلام والتعليم بقوة القانون لذلك . خطوط حمراء أن تصبح الضرائب صفرا
والجمارك صفرا وسعر الفائدة صفرا وما يسمى بلطجة بحقوق الشغيلة صفرا وميزانية
الدولة صفرا وحقوق تملك الأجنبى 100 0/0 وحقوق تحويل
الربح للخارج 100 0/0 . خطوط حمراء تتعلق بتسريح 95 0/0
من موظفى الطابونة الخيرية المسماة الدولة . خطوط حمراء تخص تحديد النسل
بتجريم الزواج الإنجابى ، وتبنى الدولة للحرية الجنسية فى المدارس والنوادى
وكل مكان ، وقتل من يتم إنجابهم وإيداع أبائهم السجون ، أو ربما تتضح
الحاجة لقتل بعض من أنجبوا فعلا فى السنوات الأخيرة ، مثلا ما لم يكن ذووهم
قادرين على دفع 100 ألف دولار لخرينة الدولة الجديدة التى لن تعرف شيئا اسمه
الضرائب ، فكل الأعراق يناقص عددها ، البيض الپروتستانت الأنجلى
والساكسون ، الصفر سواء بالاقتصاد الحر المتقدم كالياپان أو بقوة القانون
كالصين ، حتى كاثوليك جنوب أميركا وأرثوذوكس شرق أوروپا يتناقصون ،
ولا يتبقى للتكاثر سوى العرب والمسلمين والسود . خطوط حمراء تلغى الجيش وما
ينفق عليه فيما عدا هو ضرورى للأمن الداخلى فقط ، وتحيل مسئولية أمننا
الخارجى للولايات المتحدة أو إسرائيل ( هذا لم يكن يسمونه احتلالا فى أيام
الليبرالية المصرية القديمة العظيمة وكانوا يسمونه حماية ، وكان يتبناه كل
زعيم مصرى مخلص حقيقى ‑للبلد وللشعب وليس لزعامته الشخصية‑ ممن ويا
للعجب لا تزال شوارع وسط القاهرة تحمل أسماء بعضهم ) . خطوط حمراء
تتعلق بفرض ديكتاتورية عسكرية تكون حارسة للاقتصاد الحر وللحريات الشخصية ،
تبطش بالنقابات والمتدينين والأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان وكل أحد ، وتحمى
المستثمر الأجنبى ( أو المستعمر الأجنبى كما سيسمونه ساعتها ) ،
كل ذلك إلى أن يقف اقتصاد سوق حقيقى على قدميه . وكل هذا ليس اختراعات ولا
نظريات من خيالنا بل المشروع الوحيد الذى طبقته فعلا وعلى أرض الواقع جميع
البلاد الفقيرة التى نهضت . … قبل أن نعود للتفاصيل ، نبدأ بتكرار مجموعة
كلام مختصر آخر كنا ذكرناه فى الدراسة الأصلية
لصفحة الثقافة التى برمتها تتحدث تقريبا عن الموضوع عينه . ذلك الكلام
كان يقول ما يلى : ’ الأمر
ليس إلا امتدادا سلسا لأسطورة إيزيس وأوزوريس ! وكما أن ثم كسل للأبدان
فرضته دورة الفيضان ، ثم كسل للعقول فرضته دورة الفيضان وكسل الأبدان
معا . كسل لا يختلف بالمرة عن كسل انتظار الفيضان وانتظار رحيله ، إذ
كما أن الشغل البدنى يؤلم العضلات غير المجبولة چيينيا عليه فتشغيل العقل يؤلم
بالمثل الدماغ غير المجبولة چيينيا عليه . وليس غريبا قط بعد ذلك أن يظهر
ما سمى بالتوحيد فى مثل هذه التربة ، حيث إله كلى القدرة يملك جميع
المصائر ، يعطى الأمان العقلى والنفسى من كل نواكب الزمن ، ومن ثم
يمنح إحساسا عظيما بالاتكالية والاستلقاء الآمن ، أو بالاستسلام لغدر
الطبيعة القادم . إنها قاعدة عامة أن ينمو الإيمان بالخرافة فى البيئة
العرضة ، فما بالك إذا كانت هذه عبارة عن فيضان درامى إما شحيح مشظف وإما
هائل مدمر ، وإن لم يكن هذا أو ذاك فهو هاجس يأكل الروح طوال السنة وطوال
العمر وطوال الأجيال . إذن لا غرابة بالمرة أن كل حضارتنا المعاصرة مبنية
على اليونان لا على مصر . اليونان أعطت العالم العلم والتقنية أو على الأقل
الأساس الفلسفى المادى لإنطلاقتها التالية فى روما وبريطانيا وأميركا ،
فماذا أعطتنا مصر ؟ الإجابة أعطتنا الدين ، أعطتنا دوامة من الخرافة
والتعصب والظلمات الأبدية لا تنتهى أبدا . بعبارة أخرى الحضارة هى السيطرة
على الطبيعة ، على الدنيا ، وللأسف السيطرة على الدنيا شىء والسيطرة
على الآخرة شىء آخر . هذه الأخيرة لا تصنع حضارة ، بل بالتحديد تهدم
ما هو قائم من حضارات ‘ . أو باختصارات أخرى أشد اختصارا من ذات
الصفحة : ’ الفارق بين
الفهلوة المصرية والقرصنة العربية ، ليس فارقا نوعيا ، بل فقط فارق فى
الدرجة . ونصوص الإسلام هى الصيغة المثلى فى كل التاريخ الإنسانى لتبرير
كسل الأبدان ، وهى التكيف الچيينى الأمثل مع خصائصنا البيولوچية ‘ . و ’ لا
يبدو إن تركيبتنا الچيينية كساميين تسمح لنا أبدا بسقف غير مجتمع الرعى
العشائرى ، ويكاد يكون من المستحيل أن ننتقل أبدا لعصر الإقطاع ناهيك عن
عصر الصناعة ! ‘ . أو حتى : ’ للأسف نحن مصممون چيينيا كقطاع طرق وليس كبنائين ‘ . أو إجمالا طبقا لخلاصة تلك الدراسة المطولة ،
أن القماشة المصرية ، وكذا
بالأحرى العربية ، هى جزء من قماشة stuff العرق السامى الرخيصة ، التى لم ينج من لعنتها سوى اليهود
الأشكيناز ممن تطهروا لألفيات كاملة فيما أسميناه محارق بلاد الصقيع . تلك
العقلية الرعوية القنفذية التى تربت على التوجس من كل الآخرين حتى زراع
الأرض ، وپارانوياتها وأساطيرها لا تسأم من تكرار هذا . وطبعا تمنحه
صبغة الوحى الإلهى المقدس ، هذا بدءا من قصة هابيل وقايين ، ويعقوب
وعيسو ، ويوسف والملكة ، وموسى وفرعون حتى طوفان نظريات المؤامرة
المعاصرة . والنتيجة عقلية بدوية ترى أن الأرض أرض الله والمال مال
الله ، وأنهما ذهبا للغير عن طريق الخطأ ، وأن واجبنا هو الجهاد
المقدس من أجل الاستيلاء عليها واسترقاق كل هؤلاء ، فالآلهة لا بد وأنها
تريد تقسيم ’ الرزق ‘ على عبادها المخلصين وليس لمن يكفرون بها .
أما لو شئت الإفاضة فى وصف تركيبة أو عقلية أو طبائع البرابرة والعبيد ،
وعلى رأسهم أسوأهم جميعا العرق السامى ، فلم يحدث يوما وأن بز أحد الوصف
المفصل والمبدع وأيضا الأقدم لها ، وصف ’ الأستاذ ‘ ، وصف
أرسطو ! بعد ذلك وتحديدا فى صفحة الإبادة فى ديسيمبر 2000 ،
وبمناسبة تقرير للاستخبارات المركزية عن شكل العالم سنة 2015 ، كان فحوى
تعليقنا أن الأمور أسوأ بكثير من خيال الاستخبارات الأميركية المتواضع ،
ناهيك عن السيناريو الكارثى لما يسمى بالأمم الفاشلة سيقع أسرع بكثير من
2015 . ولعل ما حدث بعد تسعة شهور فقط فى 11 سپتمبر كان برهانا أصعق من كل
خيال خطر ببالهم يوما ، وقد اعتبره بعض قرائنا نبوءة حرفية بـ 11
سپتمبر ، بينما هو ‑وبلا فخر ، رأى أقدم وأعمق بكثير من مجرد
التنبؤ بمثل هذا الحادث البسيط نسبيا . فى ذلك المدخل كانت إشارتنا لمصر
عابرة نسبيا ، لكنها قالت ما يلى : ’ إن مليونا أو حتى 800 ألف فقط يشتغلون بالطريقة الصحيحة
سيحققون ذات الناتج الداجن الإجمالى GDP المصرى الحالى ، بينما بقية السبعين مليونا لا فائدة على
الإطلاق من استمرارهم أصلا فى الوجود . بعبارة أخرى : إن شعبا يحفظ كل
أفراده كافة الصلوات عن ظهر قلب ، بينما عدد من يستطيعون ضبط الساعة فى
جهاز الڤيديو يحصى على الأصابع ، لهو شعب بلا ماض ولا حاضر ،
وطبعا لا مستقبل ! ‘ . … هذه حفنة من الاقتباسات المختصرة ، بينما
تقريبا معظم موقعنا يدور حول مثل ذات الأفكار . وهدفنا من تكرارها هنا قبل
الخوض فى مناقشة أطروحة جمال مبارك المثيرة التى تتخيل أننا مهيأون لإصلاح
إقتصادى بلا خطوط حمراء ، هو وضعك فى خلفيتها لو كنت من غير قدامى قراء
الموقع ، ممن اعتادوا ربما لحد السأم من مثل هذه التحليلات .
الآن ، وبعد أن بات الاستقطاب واضحا كثيرا ، ما بين حلم خيالى بإصلاح
يتوهم أنه يجتاز جميع الخطوط الحمراء بينما هو فى الواقع لا يجتاز حتى الخطوط
البمبى ، لا يجتاز أى شىء ، وما بين واقع مرير جاثم لألفيات كاملة من
السنوات تسرى لعناته فى چييناتنا وربما للأبد ، ويمثل الخط الأحمر الحقيقى
الذى لا يمكن لأحد كسره إلا بمعايير قصوى تفوق كل الخيالات الحالية أو المرئية
فى أى مستقبل منظور ، الآن لنبدأ بإضافة بعض
التفاصيل للصورة . خذ مثالا واحدا : فى سائر البدان المتخلفة ‑إلا نحن فى مصر التى تأبدت
فيها السياسات الاشتراكية‑ يزداد الوعى بأن مشروعية الضرائب تأتى من
مشروعية إنفاقها ، أما عندنا فمفهموها أنها ضريبة تفرض على الغنى ضريبة عن
غناه . لو أنت تأخذ من الغنى لتعطى الفقير هذه سرقة لا تحتمل
التأويل . أنت تأخذ منه مقابل خدمة كأن تمد مصانعه بشغيلة مدربين لم ينفق
هو شيئا على تدريبهم مباشرة . وحتى يكون جبى الضرائب من أجل تعليم عمومى
مشروعا يجب أن يكون هذا تعليما صفوويا يخدم البيزنسات ، لا يخدم طوابير
البطالة . سنجافورة مثلا فعلت هذا وكان مفتاح نهضتها ، أنفق حكامها
العسكر مال الشعب العمومى على تعليم حفنة من الشباب النابه فى الغرب بتكاليف
باهظة ، بينما الكل يطالب بأن من الأولى توجيه هذه الأموال لتعليم جيوش
الفقراء . بالمناسبة ، نسف نظامنا التعليمى من جذوره ، ليس شطحة
غير مسئولة من عندياتنا ، بل فكرة د . زكى نجيب محمود من السبعينيات
( فى حوار تليڤزيونى مع فاروق شوشة وغيره كثير ) . حيث
طالب بإنشاء كليات بالمواصفات العالمية المتعارف عليها تسمى مجازا كليات
الدراسات العليا ، هذا لو أصر البعض على الإبقاء على التسميات الحالية
لكلياتنا وجامعاتنا ، بينما الصواب معاملتها كجزء من التعليم
الثانوى ، أو ‑وهو الأفضل‑ يتوجب النظر إليها وكأنها غير
موجودة حسب تعبيره ! هكذا ، لعقود إن لم يكن لكل
التاريخ ، كان مفهومنا المنحرف والمتفرد جدا للوطنية : الوطنية ليست
أن نطهر بلادنا من الفقراء بل أن نطهرها من الأغنياء ! لو ظهر شخص ، مثل أحمد
عز أو محمد أبو العينين أو فريد خميس أو غيرهم من حفنة
البنائين الذين حظينا بمثلهم مؤخرا ، لو ظهر فى أى مكان فى العالم لاعتبروه
بطلا قوميا . حين تبنى مؤسسة صناعية عملاقة تنتج سلعة ما بأعلى المستويات
التقنية ، وبأسعار منافسة تغزو الأسواق المجاورة والبعيدة سواء
بسواء ، وتكون النتيجة أن يسقط كل منافسيه تحت أقدامه كأوراق الخريف ،
لصفق له الجميع ورفعوا القبعات ، ولما شعروا بأى أسف تجاه ضحاياه
الفاشلين . لكن عندنا كل ما نفعله هو إلقاء الحجارة وتهم الفساد واستغلال
السلطة والسعى للاحتكار . أى احتكار هذا فى عالم مفتوح برمته على بعضه
البعض ؟ حتى فى الأسماء المذكورة نفسها ، افتتح أحدهم مصنعا لسيراميك
الأرضيات لكنه فشل فى منافسة اسم مذكور آخر ، هذا بينما كلاهما ذو سلطة
ونفوذ وعضو پرلمان وعضو لجنة سياسات وصديق لجمال مبارك ، ناهيك عن كون الذى
فشل هو الأكبر ثراء وسعة موارد بكثير من الآخر الأنجح ! حتى تهمة رفع
الأسعار التى عادة ما تلقى ضد هؤلاء ، هى وحدها التى تطيل فى عمر مصانع
القطاع العمومى أو شركات القطاع الخصوصى الصغيرة ، ولو خفضوا أسعارهم لعام
واحد لأغلق كل أولئك أبوابهم . لكن ماذا تقول فى عشوائيتنا وفى كلامنا السهل الذى لا عقوبة عليه إلا الحبس ستة
شهور . وماذا تقول فى قاموسنا المندثر من
الأصل ، أو فى عقليتنا التى تجعل كلمة النجاح مرادفة لكلمة السرقة .
ولم لا والقاموس نفسه لا يعرف أصلا كلمة البناء … ولا غرابة !
إن أدق وصف لما يجرى الآن فى مصر
من خصخصة تسمى زورا إصلاحا اقتصاديا ، أنها خصخصة ماركسية‑لينينية .
الخصخصة الحقيقية لا تعنى فقط تخلى الحكومة عن مسامير جحا فيما باعته أو الأدق
أجرته من شركات ، إنما تعنى الخصخصة الكاملة والمطلقة لكل شىء . خصخصة
نهر النيل وقناة السويس . خصخصة الهرم الأكبر والسد العالى . خصخصة
الشرطة والقوات المسلحة . خصخصة حقل الپترول ومنجم الحديد . خصخصة
المدرسة والمستشفى . خصخصة التأمينات الاجتماعية والسجل المدنى .
خصخصة القضاء وإصدار العملة . خصخصة كل شىء وأى شىء . وخصخصته الخصخصة
الحقيقة المؤدية لرفع كفاءة تلك المؤسسات ولتنمية حقيقية لأرض مصر وشعب
مصر ، التى تعنى ، وتعنى فقط ، بيعها لأكبر الشركات العالمية
( أو طبعا إعادة ما اغتصب منها إليها ، وطبعا طبعا إغلاق ما لا ترضى
الشركات العالمية بشرائه وبيعه كأراضى ، فما فائدة أن تؤخذ هذه المؤسسات من
مصريين لا يفمون فى الصناعة ولا البيزنس كى تعطى لمصريين هم أيضا لا يفمون فى
الصناعة ولا البيزنس ؟ ) . تعريف الخصخصة أن لا تملك الحكومة
شيئا ولا تدير شيئا ؛ حتى فى خاتمة المطاف تبيع الصحراء نفسها فلا يبقى لها
شىء تفعله ، وترحل . والفكرة ببساطة أن كل شىء وأى شىء قامت أو ستقوم
به الحكومة يقوم به القطاع الخصوصى على نحو أفضل ، بالذات لو استجلبناه من
وول سترييت أو بورصة لندن .
ذلك هو الإصلاح الحقيقى ،
إصلاح الخطوط الحمراء الحقيقية . وما عدا ذلك هو مشى حالك ، إللى ييجى
بعدنا يشوف حاله ، وتكريس لمبدأ التدرج الذى علمتنا العقود أنه لن يفضى لأى
شىء ، إلا مزيد من التخلف . وكل شىء سيحل بالطريقة التى حلت بها
المشكلة السكانية ، الكل ينتقدها ، لكن أحدا لا يملك القدرة على مجرد
التفوه بالحلول ! أنا أعرف هذه الحجة : نحن
لسنا أثرياء بعد بما يكفى للإقلاع عن الاشتراكية . خطأ ! دائرة
مفرغة ! هذه الحجة لم تؤد لنهضة حقيقية فى أى مكان قط . فقط دعم
الفقراء شجعهم على إنجاب مزيد من الفقراء ، أى أدى لزيادة الفقر .
الثراء لن يأتى أصلا دون اقتصاد حر ، وفى حالات الدول المتخلفة لا يمكن أن
يأتى هذا الأخير إلا على فوهات المدافع ، وراجعوا كل تجارب النهضة . هذا ناهيك عن ضغط عامل
الزمن ، والسباق العالمى المرعب الذى لا يسمح لأحد بترف التدرج . التفاصيل فيما
قاله جمال مبارك كلام جميل ، لكن مشكلته أنه يعتمد على نفس منطق التدرج الذى علمتنا العقود أنه لن يفضى لأى شىء ، إلا مزيد
من التخلف ، فالدنيا حولنا تجرى بسرعات صاروخية فى هذه الأمور
تحديدا . إن لم يكن كل ما قلناه قابلا لأن يصبح على الأرض خطة سنوات خمس
على الأكثر ، وبمصارحة مسبقة للناس لكل ما تعنيه كلمة حرية الاقتصاد ،
ولأن قد انتهى للأبد عصر ’ فى مصر ما حدش بيموت من الجوع ‘ أو
’ إزاى ؟ هو إحنا خلفناهم ونسيناهم ؟ ‘ ، مصارحة مسبقة
للناس بأن بحورا من الدماء لا بد وتتدفق قبل أن تقام الرأسمالية الحقة ويصبح
لأبنائنا مستقبلا حقيقيا ، ما لم يتم هذا فإن أى حل بديل لن يغير شيئا مما
نحن عليه ، وسنواصل بذات القوة مسيرتنا المظفرة نحو الموت البطئ
للجميع ، أو لعله لم يعد بطيئا بعد ! التدرج فقط هو التدرج
العكسى ، التدرج الانسحابى . أن تطبق كل هذا أولا بكامله تماما ،
وبقدر ما يتحقق من نتائج يمكنك التفكير فى ترف كالتعليم الحكومى وبرامج الرفاه
( تشيلى لم تحتج لهما ثانية أبدا
فكل شىء أصبح قطاعا خصوصيا ) ، ويمكنك التفكير فى ترف الديموقراطية
وحقوق الإنسان وحقوق البيئة وحقوق الحيوان وحقوق الصراصير ( إلى آخر كل هذا
الذى ربما نكون قد أصبحنا أكثر علمية من أن نحتاج له ثانية ) . لقد جربتم كل شىء إلا شىء واحد
فقط ، هو ما نطرحه هنا ، وهو بالضبط تقريبا ما فعلته كل تجارب النهضة المعروفة فى العالم الثالث فى
القرن العشرين ، فى وقت كانت فرص النهوض أسهل كثيرا مما هى عليه
الآن . …
لا نعرف إلى متى سنظل نكرر أن الحكومة الجيدة مجرد جسم body صغير لكن كفء
ويقظ ، وظيفته ، ووظيفته فقط ، ولهذا فقط يمكن أن تفرض
الضرائب ، وظيفة أمنية واحدة ومحددة : السهر على حراسة القوانين
التنافسية لأمنا الطبيعة وعلى ألا يصادر أحد حرية اقتصاد السوق أو ديناميات
الحراك الاجتماعى أو حريات الأفراد الشخصية ، أيها باسم الاشتراكية أو
الإنسانية أو الدين أو أية أيديولوچية أخرى كانت ، بما فى ذلك
الديموقراطية . أى وظيفته ‑لو شئت عبارة أقل حدة‑ وسيط تنشيط catalyst للتفاعلات الاقتصادية دون
أن ينغمس هو نفسه فيها . هذا ما تفعله حكومة أميركا أو الياپان .
ولهذا أميركا هى أميركا والياپان هى الياپان ، كما تنبأت لنفسها وتنبأوا
لها ( اقرأ
كلام دو توكڤيل عن أميركا قبل
قرنين ، نعم قبل قرنين ، أو اقرأ عن تجربة حكومة الياپان فى تبنى
مشروع جيل خامس للحاسوب مثلا ،
أو عن الواقعة التى هزت مشاعر كاتب هذه السطور قبل سنوات ، وقد كان يعتقد فى نفسه
أنه واسع الخيال لأبعد مدى إلى أن رأى الشباب الياپانى يتظاهر مطالبا بإطلاق
المنافسة السوقية وتسريع معدلات البطالة ) ، أو حتى لهذا تشيلى هى تشيلى دون أن يتنبأ لها أحد إلا
شخص اسمه پينوتشيت ( اقرأ هنا عن
تجربته ) ، وطبعا لهذا مصر هى مصر ، صفر تاريخى كبير ومؤبد يتوسط
الخريطة ( اقرأ هنا أو هنا عن تاريخها ) !
لماذا يصعب تطبيق مثل هذه
الحكومة فى مصر ؟ الإجابة بسيطة : الشعب سيرفض هذا . فقط تذكروا
ما فعله مع كل رئيس وزراء إصلاحى ، بدءا من رؤساء وزارات السادات ،
حتى كمال الجنزورى . أو بأمثلة محددة ، بدءا من مظاهرات 18 و19 يناير
1977 حتى المظاهرات الممتدة لداخل مجلس الشعب نفسه ضد مجرد تمديد العام الدراسى
أسبوعين أيام حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم فى حكومة الجنزورى . هذا
هو الفرق الحقيقى بين معادن الشعوب ، أو چييناتها . بين شعوب ترى فى
نجاحات رجال البيزنس مثلا عليا تدرسها فى مدارسها الابتدائية ، وشعوب تسمى
كفاءاتها بالحرامية . بين شعوب لا تريد شيئا من الحكومة ، تنشئ هى
مؤسساتها ومشاريعها واقتصادياتها بنفسها ، ولا تكاد تحتاج فى شىء لشىء اسمه
الحكومة ، بل لو حدث وأحست بوجودها تتمنى أن تستيقظ فلا تجدها أصلا ،
وبين شعوب كلما وقعت كارثة لا يقول فيها أحد أين كان هذا وأين كان ذاك ،
ناهيك عن أين كنت أنا ، وفقط يقول الكل بصوت واحد : أين كانت
الحكومة ؟ فى كل العالم تقوم مؤسسات
المجتمع المدنى كى ترفع عن كاهل الحكومات دورها الاجتماعى ، وبالتالى بعضا
من دورها الاقتصادى . عندنا تقام مؤسسات المجتمع المدنى ‑وتقام فقط‑
كى تحارب الحكومة . تقام كأذرع للأحزاب السياسية أو بالأحرى للجماعات المحظورة
أو السرية ، وعدا ذلك لا يهتم أحد بإقامة أى شىء . خذ مثلا طوفان
جمعيات حقوق الإنسان أو مراكز البحوث الذى ظهر مؤخرا ، وتأمل الأسماء
المشرفة عليها . أو خذ مثلا طوفان الجمعيات الخيرية التى قامت لتمويل
الجماعات ’ الجهادية ‘ وأسر أفرادها محليا وخارجيا فى الخفاء ،
وهلم جرا . ستكتشف ببساطة أن بعضها ما هو إلا أذرع لحزب التجمع ،
وبعضها ما هو إلا أذرع للحزب الناصرى ، والبقية ليست سوى أذرع لجماعة
الأخوان المسلمين . هذا بينما المفروض أن المجتمع المدنى شىء والنشاط
السياسى شىء آخر تماما ، شىء يوجد له مكان مخصص لممارسته اسمه
الأحزاب . لكن الحقيقة هى أن أغلب ما يسمى مجتمعا مدنيا فى مصر ما هو إلا
مجرد تحايلات وضيعة على قانون الأحزاب ، من ناحية لخداع الحكومة ، ومن
ناحية أخرى للنصب على جهات التمويل الأجنبية . باختصار ، سيدى جمال
مبارك ، الشعب المصرى الذى تربى لسبعة آلاف سنة على الكسل ، على
انتظار قدوم الفيضان ، ثم على انتظار رحيله ، لا يمكن أن تحلم معه
بالكثير من الإصلاحات القائمة على الاقتصاد التنافسى . وطبعا أقول تربى ليس
بمعنى أن أحدا قد رباه على هذا ، السلطة مثلا ، حواديت جدتى مثلا ،
إنما تربى بمعنى أن چييناته هى التى جبلته على هذا . أجسادنا تستمتع
بالراحة ، أجساد الآخرين تستمتع بالنشاط . ربما لا ذنب لنا فى
هذا ، هذا هو حظ كل سكان المناطق الحارة . لكن أيا من كان
المذنب ، فالمهم أن تلك الحقيقة واقع جسيم جاثم ، ولا يمكن لشخص مثلك
يقول إنه صاحب مشروع جسور أن يتجاهله ، وإلا بات يوتوپيا غرا مصيره ليس
بأفضل من مصير أى من أسلافه الإصلاحيين ، بدءا من الخديوى إسماعيل حتى كمال
الجنزورى . ’ اعرف عدوك ‘ هو
نصيحتنا المتواضعة لجمال مبارك ولكل إصلاحى طار فوق عش مصر ، وطبعا بعد ‑وربما
قبل‑ أن طار … ! … إذا كان جمال مبارك الذى طالما استبشرنا به خيرا بعيد عودته وقبل
أن يمتصوه فى الطاحونة الجهنمية للعقلية المصرية ، الشيوعية ماضيا وحاضرا
ومستقبلا ، التطجينية منذ فجر التاريخ وحتى نهاية الدهر ، إذا كان
جمال مبارك يبحث فعلا عن خطوط حمراء ، إليه وبكل الحب وبكل الاحترام نهدى موقعنا هذا ! لكن فى اللحظة الراهنة ‑وبناء
على المعطيات الچيينية على الأقل‑ لا يسعنا سوى القول :
’ أشك ! ‘ و’ لا أعتقد ! ‘ . … ارجع
لتحليلنا القاعدى حول مصر كشيوعية منذ
فجر التاريخ وحتى آخر الزمان … ارجع لمدخلنا
الرئيس حول إزاحة الدكتور الجنزورى ، وقبله لمقارنة المدخل الرئيس لصفحة الثقافة بينه وبين الخديوى
إسماعيل … ارجع للمتابعة أعلاه
حول تعويم الجنيه بطريقة ماركسية‑لينينية تؤمم دولارات السياحة وتضع كل
السلع على بطاقات التموين معتقدة أن بطاقة التموين جزء
من الحل وليست جزءا من المشكلة ( ! ! ) .
[ تحديث : 14
يوليو 2004 : وأخيرا رحل إللى ما يتسماش وتشكلت حكومة جديدة
أعلنت أمس
رسميا وعقدت اليوم
أول اجتماعاتها مع الرئيس ! أسبوعان والدنيا كلها فى حيص بيص
منذ الإعلان عن نية التغيير والتنحية الجزئية لصفوت الشريف . وزاد اللغط
ولم ينقص منذ إعلان اسم رئيس الوزراء الجديد قبل أربعة أيام . المشكلة أن الكلام المعلن أو
الرسمى لا يغنى ولا يسمن من جوع ، وما أدراك ما الجوع هذه الأيام !
خطاب تكليف الرئيس للحكومة تكلم عن شيئين ، الإصلاح مع مراعاة البعد
الاجتماعى وحل المشكلة السكانية حتى لا تلتهم ثمار التنمية . طريف حقا أن
يذكر هذين الشيئين بالذات ، وهما تحديدا ما لم يخل له منهما خطاب واحد منذ
توليه السلطة ، وبالتالى المقصود أنك لا يمكنك أن تعلم ماذا انتووا فعلا
هناك فى قمة السلطة ( إن كانوا قد انتووا شيئا فعلا ) ، فالخطاب
هذا ليس به شىء يدل على شىء ومن ثم لا شىء فيه يؤخذ على محمل الجد ، بل فى
الواقع خطاب التكليف الذى تحدث عن زيادة السكان والبعد الاجتماعى هو قطعة من
السخرية من جانب الرئيس من مثقفى وجهابذة البلد لا أكثر ، ولو كان جادا فى
الكلام عن كنه التغيير لقال أى شىء آخر غير هذين الأمرين بالذات . إذن لن
تجد مفتاح اللغز فى خطاب الرئيس أو غيره من التصريحات ، ونصيحتنا أن لا
تضيع وقتك مع أى شىء رسمى قيل من أى أحد . وتعال نشغل أمخاخنا قليلا فيما
هو غير رسمى . طبعا حال البلد وصل لحضيض الحضيض
مع إللى ما يتسماش ، توقعنا هذا منذ لحظة إقصاء الجنزورى ، لكننا فى الحقيقة وكما قلنا للتو ، لم نتوقعه مبدعا حقا لهذه
الدرجة فى استجداء الإنهيار بإجراءات ماركسية‑لينينية يفترض أن قرأ عنها
فى العام الأول لدراسته الجامعية ونسيها كأى أحد آخر فى الأرض . بعد الخصخصة الماركسية‑اللينينية وبعد التعويم الماركسى‑اللينينى ، تفتق إذن مصر الآن على شفا انهيار
مرعب ، حتى البيزنسات المدللة
والتى قتلت كل شىء باسم حمايتها كصناعة ’ وطنية ‘ مثال أحمد ’ إللى
فتح صدره للصين ‘ بهجت ، انهارت .
أميركا يقلقها شىء كهذا ، لكنها لن تهب لنجدة أحد بالطريقة القديمة ،
المعونات وبعض المقويات فى الوريد والعضل . أميركا اليمينية لا تعرف الآن إلا أن تعتمد على نفسك ، تقيم
اقتصادا حرا ، يعيش فيه من يستحق العيش ويموت الباقون ، هذا ما تطبقه
هى نفسها على شعبها ، وهى عدالة الطبيعة فى أسمى معانيها ، وأعدل
كثيرا من عدالة ماركس وكلينتون . لكن فى مصر لدينا مشكلة : أنها
شيوعية منذ فجر التاريخ ولا يسهل أن تغير جلدها . مع ذلك ثمة أمل
واه ، هو وجود البعض ممن يريدون تجربة الاقتصاد الحر حقا ، ربما لمرة
أخيرة ، أو ربما كفرصة انقاذ فى الوقت بدل الضائع . فعلها الجنزورى
يوما على استحياء وطار متبخرا إثر انفجار نووى قدرة بليون درجة مئوية . كل
السياسيين والأكاديميين وأى أحد لا يتخيرون كثيرا عن إللى ما يتسماش إللى مسك
الحكومة الخمس سنين إللى فاتوا . يبقى اسم واحد
ربما يكون فيه الرمق الأخير : جمال مبارك ! وفعلا ،
وها هو الجزء المدهش : هذه الوزارة هى وزارة جمال مبارك ! هذا شىء جيد لأكثر من سبب .
السبب الأول أننا وجدنا أخيرا من يدير مصر . لا أقصد وجدنا رئيسا قادما
للجمهورية . هذه إشكالية شكلية وثانوية وتتحل فى قعدة ما بين تل أبيب
وواشينجتون ، زى ما بيحلوا موضوع وزرا الپترول والسياحة كل مرة ،
المهم بس نعرف أولا إحنا عاوزين إيه أصلا . نعم ، بعد حقبة فسر فيها
الجميع لا مركزية السلطة على أنها إشاعة للمسئولية بحيث لا يتحملها أحد ،
وأنها سياسة السداح مداح ، ترك الأمور تسير على بركات الله ، وما أكثر
هذه البركات على ’ شعبى مصر ‘ كما هو واضح ، ها قد وجدنا أخيرا
من يدير مصر ، بمعنى أدق أن ها
هو أخيرا يوجد فى مصر شخص يصدر الأوامر ! منذ تولى الرئيس
مبارك ، وعقد المؤتمر الاقتصادى ، كان واضحا أنه لا يريد إصدار
الأوامر ، وقال هذا بنفسه . هذا كان خطوة
مدهشة لدرجة تفوق الوصف . دولة الفراعين والسلاطين والحاكمين بأمر الله
وطبعا الضباط الأحرار ، الأحرار جدا فى فعل كل ما يعن لهم ، ستنتقل
أخيرا من حكم الفرد الجامع الشامل إلى دولة مؤسسات يصدر فيها الأمر ذوى الاختصاص
والعلم حتى لو كانوا المؤسسات المالية الأجنبية . وها هو رئيسها يتخلى لأول
مرة عن وظيفة الديكتاتور الأكبر والزعيم الأوحد والقائد الملهم ، ويرتضى
بوظيفة شرفية ، أو للدقة ما يسميه الدستور رسميا حكما بين السلطات .
هذا كان حلما تاريخيا كبيرا تحقق ( دع جانبا رأينا أن رأينا بعد قليل أننا كنا أحوج لديكتاتورية عسكرية
يمينية سافرة لردح من الوقت وليس لدولة مؤسسات . نعم فمشكلة حسنى مبارك ليست أنه ديكتاتور كما تقول معارضتنا
صباحا مساء ، بل مشكلته أن يرفض القيام بهذا الدور أصلا ، ولو قام به
لما وصلنا لما نحن عليه الان من خراب ) .
المهم ، سارت الأمور على ما يرام كثيرا ( أيضا دع جانبا رأينا فى أنها كانت بطيئة جدا ، وللسبب
السابق تحديدا ) . عاطف
صدقى قضى سنوات طويلة يبنى البنية الأساسية ،
وكانت إنجازا رائعا ، بل وأيضا كان حلما تاريخيا كبيرا تحقق . نضجت
الأمور نحو بناء اقتصاد رأسمالى حر حقيقى ، وفى أول يناير 1997 جاء كمال الجنزورى وجاء له آل جور بساق موضوعة فى
الجبس لتنصيبه ، وأطيح بالوزير الرزار وفريق جبى الضرائب الشهير ،
وجاء بدلا منهم بمخطط قانونى داهية اسمه طلعت حماد لصياغة قوانين تحرير
الاقتصاد ، وكلها كانت أيضا حلما تاريخيا كبيرا تحقق ! لكن شيئا من كل هذا لم
يكتمل . فى 5 أكتوبر 1999 انتهى كل شىء سريعا ، لم يطق أحد
الجنزورى ، لا من تحته ولا من فوقه ، وجاء إللى ما يتسماش ببرنامج
محدد هو تركها تموت ميتة ربنا ، والطريقة هى أن تدعها تسير ببركة الله إللى
ما فيش أحسن منها ، تسير بدون أحد يصدر الأوامر . ليستفحل الفساد ما
شاء ، لتندلع المظاهرات لتطرد الاستثمارت الأجنبية ما شاءت ، لتشوه
الصحافة سمعة من تشاء ، المهم هو الاستسلام لإرادة الله فيما يخص
المريض . هنا تقدم جمال
مبارك ، وقال إنه صاحب برنامج ما ، والأهم منه أن لديه الجرأة غير
الموجودة فى أى مصرى : أن يصدر الأوامر ! تشكلت اليوم الوزارة الجديدة بوجوه
كل الجدد منهم فيها يرتبط بجمال مبارك فكريا بدرجة كبيرة . وهذه كانت خطوة
مباركة أميركيا ، أقلها أن نصبت النيوزوييك الشهر الماضى جمال مبارك ’ مستقبلا لمصر ‘ ، وغلاف النيوزوييك
نادرا ما يهدر عبثا كما تعلم ( حتى وإن كان محتوى المقال نفسه ليس بالضرورة
ناضجا ولا محددا ولا حتى مهما ، وأغلبه مبنى على كلام لسيدة عتيقة الطراز
من حزب الوفد ، مائع مما يوصف خطأ عادة بالليبرالية ، ومما شبعنا
كثيرا من مثله ! ) . وطبعا مفهوم لو شئت أن تنحية صفوت الشريف كانت
بهدف إفساح الطريق لجمال مبارك لتولى أمانة الحزب الوطنى ، بعد أن حسم أمره
أن هذا ‑الحزب وليس المناصب الوزارية‑ سيكون طريقه لرئاسة
الجمهورية . ( بمناسبة الحديث عن أغلفة المجلات الأميركية
الأسبوعية ، وعن أننا نسمى كفاءاتنا بالحرامية ، معا ، نهديك
اليوم غلافا كلاسيا جدا للتايم من سنة 1928 عليه يقول روكيفيللر إن جمع أقصى ما
تستطيع من مال هو نوع من الواجب الدينى —تخيل ؟ ! فائدة الذكرى أن عيب
على رأسماليى اليوم أن ينشغلوا بالأشغال الخيرية والمقابلات الصحفية أكثر من
انشغالهم ببيزنساتهم ، وكأنهم يقولون للجميع نحن على رأسنا بطحة ونحاول أن
نداريها ! ) . هذا ‑وجود شخص على المقود‑
هو السبب الأول للاستبشار بالوزارة الجديدة . السبب الثانى سبق وقلناه أن
أحدا لم يعلن برنامجا للوزارة ، هذا معناه أن ثمة شيئا جادا يدبر فى
الخفاء ، وإلا لكانوا كالعادة قد أغرقونا بالرطانة والتصريحات
والوعود . السبب الثالث أن جمال مبارك هذا يؤمن بالاقتصاد الحر ، وبأن
ها قد حان الوقت للتخلى عن 7000 سنة اشتراكية ، وطبعا بالأحرى إزاحة جيل
المسئولين القدامى كله هذا الذى رضع الناصرية فى طفولته وشبابه ، وسمى
أبنائه بأسمائها ، وقدر ما استطاع سممه بسمومها ( ولا نستثنى أحدا حين
نستخدم كلمة ’ مسئولين ‘ ، وافهم أنت ما
شئت ! ) . هنا يأتى ما أردنا قوله ، هو
أننا نستبشر بالوزارة الجديدة ليس لثلاثة أسباب ، إنما لسببين ونصف . فالسؤال ليس ما يريد جمال مبارك ، السؤال
ماذا يستطيع جمال مبارك . نعم هو تعلم الاقتصاد
الحر فى أميركا وبريطانيا ، ونعم هو منهما جاء رئيسا لجمعية لرجال البيزنس
مصرية‑أميركية مشتركة ، ونعم هو يؤمن بتلك الليبرالية الاقتصادية
بدرجة أو بأخرى ( ليس طبعا كما نؤمن بها نحن ، أو يؤمن بها أوجيستو
پينوتشيت ، أو دعنا نقول فرضا إنه يؤمن بها بقدر ما قريب مما آمن به كمال
الجنزورى ) . المشكلة ليست فى شخصه ، المشكلة أنه يحارب شعبا
بليد وغبيا لدرجة لا نظير لها فى كل البشرية ، كل مهنته لسبعة مليون سنة
انتظار قدوم الفيضان وانتظار
رحيله . الأسوأ أنه يحارب معارضة سافلة وداعرة لا تتورع عن استخدام أية
وسيلة لجر البلد 180 درجة فى الاتجاه الخطأ ، هذا لمصالحها الفردية الضيقة
بحروبها وأچنداتها وهزائمها وأيديولوچياتها الماضوية التى عفا عليها الزمن
كلية . وحين يجتمع هذا وذاك تكون النتيجة وبالا لا حل له ، معارضة
تسيطر على القرار القومى بسهولة متناهية من خلال ممارسة التحريض على ذاك الشعب
البليد الجاهل الغبى ( بمناسبة الدعارة أو الغباوة ‑اختر منهما ما
شئت أو اختر الاثنتين‑ موقف حزب التجمع الأسبوعين إللى فاتوا مدهش ولازم
يدخل التاريخ وحد يعمل له تحليل وكتب . النهارده بس اكتشف فجأة أن إللى ما
يتسماش كان ماركسى‑لينينى ومن هنا ابتدأ يبكى عليه . وهو إللى كان
أكثر من هاجمه كل يوم فى أيام مسئوليته ، وكان بيسميه … . برضه موش ها
نقول اسمه ، كان بيسميه إللى ما يتسماشكو . شركة وخصخصة يعنى ،
وموش واخد باله أنه أول من أعاد التأميم
وبطاقات التموين لمصر المحروسة من يوم ما لغاها منها الرئيس
السادات ! ) . …
وبعد ،
ولنتحدث بصراحة أكثر ، فإن الإعلان المنفصل اليوم لتعيين الرئيس مبارك
لوزير الخارجية بينما أعلنت بقية الوزارات على نحو مستقل ، هو ملامح انقلاب
قصر بالغة الوضوح ، تعلنها صراحة وعلى نحو شبه رسمى أن الرئيس الرسمى
للبلاد لم يعين أحدا آخر فى هذه الوزارة . سامحنى لو قلت إنه أسلوب مقصود
الهدف منه الحط من كرامة رجل مهما يكن من أمر حكم مصر لربع قرن تقريبا وقدم لها
الكثير بالفعل . وكان من الممكن العثور على وسيلة أخرى لحفظ ماء الوجه
له ، أقلها أن تعلن الوزارة ببساطة دفعة واحدة كما المعتاد فى كل
مرة ، ومن ثم يترك للمحللين وحدهم أن يستنتجوا من قام بالاختيار أو إلى أين
يسير اتجاه التيار . أيا يكن من أمر
فإن إعلان صباح اليوم 14 يوليو 2004 تشكيل الوزارة على دفعتين على هذا النحو
الفريد جدا فى التاريخ الحكومى المصرى ، هو شهادة الميلاد الرسمية لبدء عهد
حكم جمال مبارك . أيضا أيا يكن من أمر فنحن لا يهمنا كيف تمت الأمور أو
تفاصيل كيف جرى انقلاب القصر أو كيف أعلن عنه للناس ، ويهمنا فقط ‑كما دأبنا‑ شيئا واحدا :
المحتوى ! هل ستستمر الاشتراكية وحكم الرعاع أم ستنكسر بدرجة أو بأخرى
شوكتهما ومسلسل إفقارهما للبلد ؟ من هذه اللحظة أصبحت لدى جمال مبارك
أدواته التنفيذية لأول مرة ، كان يمثل لبلادنا التعيسة دماغا فقط ،
والآن هو دماغ وعضلات ، وما سيقوله من الآن فصاعدا سيكون نافذا ولن
يرد . ورغم قولنا إن السؤال ليس ما يريد جمال مبارك ، إنما ماذا
يستطيع جمال مبارك ، إلا أننا تأكيدا نتمنى له كل التوفيق هو ورئيس وزرائه
المختار الجديد ( هنسميه طبعا ونحط له صور كمان . اسمه أحمد
نظيف ، وإنجازاته ممتازة فى بنية خدمات الاتصالات والإنترنيت ،
واستقدام الشركات العالمية لقطاع البريد وغيره وهى جرأة يخشاها كل الوزراء
عندنا ، والأهم من هذه وتلك بناء قاعدة بيانات حكومية متكاملة وموحدة لأول
مرة فى بلد الفوضى العارمة المدعوك هذا . وكل هذا بشهادة من بيلل جيتس شخصيا ،
بأمل منا أن يكون الجميع أكثر حظا من قصة آل جور والجنزورى ! ) .
لكن مهلا .
فى هذه المقارنة بين جور وجيتس ، الجنزورى مفكر وسياسى ويناظر جمال مبارك
وليس الدكتور نظيف . الدكتور نظيف ليس سياسيا ، ولا يدعى هذا لنفسه
ولا يدعيه له أحد . لكن لا بأس ! هو إحنا لاقيين ! كمان موش دى
المشكلة خالص . يكفينا منه حنكته الإدارية وعقله المنظم ، أما السياسة
والرؤية فهى تنتج هناك فى مكان محدد آخر ، أصحابه يعلنون مسئوليتهم عما
يفعلون ، هو لجنة السياسات بالحزب الوطنى برئاسة جمال مبارك ، على
الأقل لأنه يجب أن يكون فى مكان ما شخص ما يتحمل مسئولية إشكاليات الأمن القومى
المرعبة التى ستترتب على تحرير الاقتصاد ، ويتخذ القرارات المؤلمة التى لا
مفر منها لمواجهتها . ولا بأس أيضا بأن أخذ هذا الأخير ‑جمال مبارك‑
شعار دولة المؤسسات الذى رفعه والده على مجمل الجد ، ربما لأول مرة بهذه
الدرجة والتخصصية و’ المؤسساتية ‘ ، إذا كان ذلك تمهيدا لقرارات
مهمة وتحمل مسئوليات . جمال مبارك هذا هو الشخص الذى سنحاسبه على التجربة
الجديدة ، ونأمل له ومنه أن يكون بالجرأة الكافية لتخطى تلك الخطوط الحمراء
التى لا يتفوه بها أحد أبدا ، ربما إلا بعض سطور هذه الصفحة فى الركن
البعيد الصاخب من فضاء كونى مترامى الأطراف اسمه الفضاء السيپرى . رغم أى شىء نقول
إن جمال مبارك قد يكون أفضل حظا من الجنزورى قليلا . صحيح أن سنوات ثمينة
خمس قد ضاعت هدرا ، فاقمت على نحو مرعب الفجوة بيننا وبين العالم أكثر مما
كانت عليه . إلا أنه على الأقل لن يعانى ما عاناه الأول من توجس رئيس
الجمهورية من خطواته الإصلاحية ، التى قد تؤلب الإرهاب وغير الإرهاب على
الحكم ، وثانيا لأنه لا شك استوعب تجربة الجنزوى وعرف من أين يمكن أن يأتى
الخطر والتخريب ، وثالثا طبعا لأن اليوم كل البدائل ’ إللى ما
تتسماش ‘ قد جربت فعلا ، والنتائج المرعبة ماثلة فى عيون
الجميع ، ليست كمجرد جدليات أكاديمية فرضية تدافع عن الاقتصاد الحر ضد
الاشتراكية ، إنما واقعا جاثما ملموسا مجسدا كجوع يسير فى الشوارع حاملا
منجلا ضخما يحصد الرءوس ! سيدى جمال
مبارك ، كلمة أخيرة فى هذا اليوم الفاصل فى حياتك ( وحياتنا جميعا
فيما نأمل ) : المصارحة هى اسم اللعبة . وهذه ،
والجوع يقرص بطون الجميع ، لحظة تاريخية مواتية جدا لمواجهة الشعب بأن
الاقتصاد الحقيقى الذى يمكن أن يشبه اقتصاد أى أحد آخر فى العالم ، سيؤدى
لجوع الغالبية ولو مؤقتا ، ولتشريد وموت كثيرين وغالبا لمجابهات دامية
محتومة ، لكن ها هو البديل الاشتراكى ماثل أمام أعينكم بالفعل ، الجوع
للجميع وفى الحال ، ناهيك عن الفوضى والجريمة والاقتتال وكل ما يمكن أن
ينجم عن حالة جوع شامل تعم الشوارع . على الأقل سيدى ، الجيش فى
الشوارع أفضل كثيرا من الجوع فى الشوارع ! بدون تلك
المصارحة بأن نهضة مصر سراب مستحيل مع وجود كل هؤلاء الثمانين مليونا عديمى
الجدوى فوق أرضها ولو وضع أينستاين خطة تنميتهم بنفسه ، يؤسفنا القول أن قد
لا تكون الآمال كبيرة بالمرة ! … ملحوظة : الحقيقة هناك سبب ثالث مهم جدا للاستبشار بالوزارة هو أنهم لغوا وزارة البحث العلمى
المخصصة دائما أبدا لتكريم الأقليات والعاهات والستات وبتوع الدقون والشنبات
والحاجات دى ، وأحيانا يستغلوا المنصب فى إرضاء طائفتين معا من خلال مقعد
واحد ، امرأة ومسيحية مثلا ، دقن وإعاقة مثلا ( أنا طبعا
باستثناء بتوع الدقون موش ضد أى حد من دول ، إنما ضد إنشاء وزارة باسم
البحث العلمى لهذا الغرض فقط ) . وعقبال ما يلغوا كل الوزارات
قريبا ، أو بكتيره يفضل 5 أو 6 زى الدول المحترمة . ده معناه أنهم
لأول مرة بدأوا يفكروا بجد شوية . بحث علمى إيه إللى أنت جاى تقول عليه فى
بلد يعلم العالم كله أن حملة الدكتوراة فيه أميين قراءة وكتابة . الواحد
مكسوف من نفسه أنه ألف فى يوم كتاب
عن أهمية البحث العلمى لانطلاقتنا لو شئنا . دى وزارة ترفيهية ترفية ولن
نحتاج لها قطعا قبل 100 سنة إصلاح ، أو لو عاوز الجد هى عنطزة مصرية موش
أكتر ، ووزارة بتضحك علينا العالم . يا ريت بس ننتج رغيف عيش أو ورق
كراريس كويس زى من مية سنة فاتوا من غير بحث علمى ولا يحزنون ، ولو عاوزين
تحسنوا هاتوا شركات أجنبية تنتج لكم الأحسن واتعلموا منها واحدة واحدة .
إنما إنتاج بحوث ، سامحنى ، فهو نكتة لا أكثر ! ملحوظة
أخرى : كل ما جاء بهذا المدخل هو تقريبا مما سبق
كتابته من قبل فى هذه الصفحة بالذات ، وقد كتب وجيزا مرسلا بفرض أن القارئ
قد سبق له الاطلاع عليه ، بالذات من بدايتها
بالتحليل الخاص بشرفية منصب رئيس الجمهورية ودور الدكتورين صدقى
والجنزورى ، وحتى تعويم الجنيه على طريقة ماركس ولينين وماو أعلاه . فنرجو العودة لقراءة كامل
الصفحة لو لم يسبق لك ذلك . طبعا پينوتشيت كان مدخلا مطولا عن تجارب النهضة
فى صفحة الليبرالية ، أما الخلفيات
الأقدم لكل شىء ، بالذات فيما يخص الفهلوة واليسارية أو ما يسمى بعبقرية
مصر ، فهى طبعا فى المداخل الرئيسة لصفحتى الثقافة
والعلمانية . أيضا كان ثمة مدخل
جاد جدا حاد جدا بصفحة الجلوبة
بمناسبة تحرير العراق عن الحاجة لمستعمر أجنبى من أجل بدء النهضة . أما
للمزيد عن الشوارب والذقون فالتفاصيل فى مدخل صفحة الثقافة الموسع جدا عن قصة نكبتنا فى 50
عاما على ثورة يوليو المجيدة جدا ! ] .
[ تحديث : 10
سپتمبر 2004 : قامت الدنيا ولم تقعد لظهور لوحة
تحمل صورة جمال مبارك وكرم جابر فى ميدان التحرير هذا
الأسبوع . طبعا ليس السبب أن كرم جابر يلبس قبعة كبير الأشرار چورچ
دبليو . بوش ، وإن كان سببا يستحق ( اقرأ متابعتنا المسهبة
للأوليمپيات ) . السبب بداهة أنها المرة الأولى
للوحة شوارع إعلانية أو billboard لجمال مبارك ، حتى وإن كانت فى الواقع لا تعدو واحدة من أربع
لوحات لأبطال الالأوليمپيات المصريين ، اثنتان كبيرتان واثنتان
صغيرتان ، واللوحة التى نالت اللعنات ليست حتى من كبيرات الحجم ! أحد الصبيان الجدد فى كلية
الاقتصاد والعلوم السياسية التى طالما خرجت لبلادنا عتاة الماركسيين‑اللينيين
بدءا من بطرس بطرس غالى حتى صاحبك إللى ما يتسماش ، برضه هذا الصبى ما
يستحقش نقول كنت أفهم لو قال مثلا أن توضع
الآلية كذا لاختيار رئيس الجمهورية أو لنعرف أولا رأى الشعب فى جمال
مبارك ، أو أى كلام من هذا القبيل ، لكن صاحبنا استبعد كلية ومن حيث
المبدأ أى دورا للشخص فى الحياة السياسية . …
|